علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
في زمنٍ تتكسّر فيه الأقنعة على وقع الانفجارات، وتنكشف فيه الحقائق مثل حطام المدن المنهارة، يخرج علينا بعض بقايا الظلام كأنهم لم يسمعوا صليل السقوط بعد. ما زالوا يتحدثون بلسان الوصاية القديمة، بوجوه التصنّع، وبنبرة مَن يظن أنّ الخراب الذي صنعه يمكن أن يتحوّل فجأة إلى منصة أخلاقية يعظ منها الناس. المشهد السياسي في السودان اليوم يشبه ساحة حربٍ لا تُرى فيها المدافع فقط، بل تُرى فيها الأكاذيب وهي تتساقط كالرصاص، ويُسمع فيها ارتطام خطابٍ بائس ظلّ حبيس العقل الكيزاني لأكثر من ثلاثين عاماً، يحاول البقاء رغم أن الأرض لفظته والناس سئمته والتاريخ تجاوزه.
وفي قلب هذا الليل الطويل، يطلّ علينا هذا الكوز المدلّس المأفون، رجل امتلأ عمره بالكذب كما تمتلئ السجون بالظلم، يتعثر في لغته، ويرتجف في نبرة صوته، وهو يكتب عن “المدنيين العائدين” وكأنه وصيّ على الوطن، أو صاحب حقّ حصري في منح الناس إذن الدخول والخروج. يلوّح بعباراته الملوّثة بالتحريض، ويرفع سبابته المرتعشة ليعيد إنتاج خطاب التخوين ذاته الذي دمّر السودان وألقى به في هذا الفراغ الموحش. يتصرف كأن البلاد ما زالت تحت حذاء التمكين، وكأن الشعب لم يخرج من قمقم الخوف، وكأن السماء لم تسجل عليه سجلّ الأكاذيب التي عاش عليها سنوات.
لكن المشهد أكبر منه، وأعلى من صوته، وأسنّ من عقيدته السياسية الضيقة. فالسودان اليوم يشهد ولادة وعيٍ جديد، وعي خرج من بين الركام، لا تشكله الخطب ولا تحكمه الفتاوى المسيسة، بل تشكله التجربة المرّة التي كشفت كل شيء؛ كشفت كيف كان الكيزان يسوقون الجيش بلا رؤية، وكيف كانوا يفتّتون المجتمع بلا رحمة، وكيف صنعوا حرباً لم يكن هدفها سوى إبقاء السلطة في يد جماعة ضيقة لا ترى في الوطن سوى مزرعة تورّث، ولا في الشعب سوى خزان بشري للحروب.
ومع ذلك، لا يزال هذا الكوزٌ المُدلَّس، المُختلّ البصيرة، ملوّث المهنة، يكتب بكراهيةٍ قديمة، وبمنطقٍ مريض، وبعينين لا تريان أبعد من حدود مصالحه الحزبية. يكتب كما يكتب الغريق الذي يحاول الإمساك بقطعة خشب في نهرٍ ثائر، لكنه لا يدرك أن التيار أقوى منه، وأن السفينة التي تشبث بها غرقت منذ زمن بعيد. لتظل الحقيقة التي لم يعد ممكنًا دفنها أن صوت الكوز المأفون اليوم ليس صدى سلطة، بل صدى خوف. خوف من عودة الدولة، خوف من عودة المجتمع وخوف من عودة الحقيقة التي ظنّ هو ورهطه من بني كوز، مُزوِّري الوقائع ونافخي أبواق التمكين، أنهم قد قتلوها.
وعندما يكتب دعاة الظلام بياناتهم المرتعشة هذه عن “عودة المدنيين” و”تقديمهم للعدالة”، تكشف اللغة نفسها حجم الوهم الذي يسكنهم. فهؤلاء لا يناقشون قانوناً ولا يحترمون دولة، بل يتنفّسون آخر أنفاس خطابٍ بائد يتوهّم أن البلاد لا تزال مزرعةً لسلطةٍ تريد كتابة مصائر الناس بمداد غبائنها. إنّ السؤال الحقيقي ليس كيف ستتعامل الدولة مع العائدين، بل كيف ستتعامل الدولة ذاتُها مع إرثكم أنتم؟! مع عقود التمكين، والقتل، وتزوير التاريخ، وتكديس المؤسسات بعقائد لا علاقة لها بالوطن.
من يتحدّث عن “محاسبة” المدنيين لأنه خالف رأيه السياسي إنما يكشف جهله بأبسط معاني الدولة الحديثة. فالدولة التي تحترم نفسها لا تحاسب الناس على أفكارهم، بل على الجرائم المادية الواقعة، وهذا ما لن يفهمه من ظلّ عمره يرى السلطة غنيمةً، والمعارضة خيانة، والانتماء للمجتمع جريمة. إنّ من يحاكم المعارضين على آرائهم لا يبني دولة، بل يحرس سجناً ينتظر فيه سقوطه. أما هؤلاء الذين يزعم الكاتب أنهم “أخطأوا” حين أيّدوا هذا الطرف أو ذاك، فهم لم يكونوا أقل وعياً من آلاف السودانيين الذين رفضوا سرديتكم المريضة عن “الحرب المقدسة” و”الجيش المنزّه عن السياسة”.
لقد رأى الناس جميعاً كيف تحولت البلاد إلى ساحة صراع بين مشروعين لا علاقة لأي منهما بحياة المواطن؛ مشروعكم القديم الذي أشعل الحروب، وصناعة مليشياتكم التي استولدت الخراب، ثم مشروع الدعم السريع الذي وُلد من ذات المستنقع الذي غذّيتموه. ومع ذلك، ظلّ المدنيون، بمختلف توجهاتهم، يرفعون صوتهم بحثاً عن حل، لا عن غنيمة. إن محاولة تصوير العائدين كخونة ليست سوى إعادة إنتاج لخطاب التخوين الذي دمّر السودان لأكثر من ثلاثين عاماً.
أنتم آخر من يملك وجه الحديث عن “العدالة” فالعدالة تبدأ من محاكمتكم أنتم أولاً، على القتل المنهجي في دارفور، وعلى بيوت الأشباح، وعلى تفكيك الخدمة المدنية، وعلى تحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى جهاز حزبي يرفع السلاح لحماية سلطتكم لا لحماية الوطن. العدالة تبدأ من مساءلة من فجّر الحرب، ومن تاجر بدماء الجنود، ومن جعل الخراب بديلاً عن الحل السياسي.
أما حديثك ايها المُخاتِل ممتهن التزوير وتسميم الوعي، عن “الذين أحرقوا مراكب العودة”… فالحقيقة المعكوسة أن من أحرق مراكب الوطن هو مشروعكم ذاته، المشروع الذي لم يترك للناس وطناً ليعودوا إليه. أنتم من هجّرهم إلى المنافي، لا هم. أنتم من جعلهم يستقبلون يومهم بخراب الاقتصاد، وليلهم بجلجلة الرصاص. أنتم من تسبّب في التهجير الأكبر منذ قرن، ثم تأتي اليوم لتسألوا؛ “كيف نسمح لهم بالعودة؟”. وهل الوطن ملكٌ لأسرتكم أم ملكٌ لتنظيمكم المجرم المُدّان بالفساد، الآثِم، المُتلبّس بالباطل، المُتقحِّم في الخطايا، المُلوَّث السيرة، صاحب سجلٍّ أسود، مُقترِف الآثام، المُنزلقٌ في الرذيلة، المُعتادُ الخداع والافتراء؟
لا أحد حصد الهشيم أكثر منكم. أنتم من خسر المجتمع، والمدن، والتاريخ، والجيل كله. أنتم من ظلّ يبيع الوهم، من التمكين حتى خطب الفتوحات، حتى صرتم بلا شرعية ولا مشروع ولا احترام. اليوم تحاولون تصوير الآخرين كمن يبحث عن “مخارِج الطوارئ”، بينما الحقيقة أنكم أنتم من تقفون عند الأبواب تبحثون عن منفذ هروب من المحاسبة المستحقّة.
سيعود المدنيون إلى بلادهم، لا بإذن أمني ولا برضا كوز، بل بحقّهم الأصيل كمواطنين. سيعودون حاملين معهم تجاربهم ونقدهم وأحلامهم، وهي الأحلام التي حاربتموها منذ اليوم الأول. وسيحاسب كل من ارتكب جريمة، من أي طرف، لكن ليس بمنطقكم القديم الذي يساوي بين الرأي والجرم، وبين المعارضة والخيانة. سيعود الوطن عندما يخرج من قبضتكم، لا عندما تعودون أنتم للحديث باسم القانون. وسيعود السودانيون عندما تستعيد الدولة عقلها، وتخلع عن نفسها كل ثياب الوصاية التي ألبستموها لها طيلة عقود. أما أنتم… فقد فات أوانكم. والتاريخ لا ينتظر.
فلقد تكسّرت تلك اللغة التي ظللتم تتوارثونها جيلاً بعد جيل؛ لغة الاحتكار، ولغة التفويض الإلهي، ولغة “نحن الدولة والدولة نحن”. سقطت عند أول امتحان لحظة انفجرت الحرب، فظهر للناس ما كان يدار خلف الستار؛ مؤسسة مُختطفة، ومراكز قوى تدير الجيش كملكية خاصة، وقيادات تبيع الدم لتشتري البقاء. واليوم، حين يسأل هذا الكوز المأفون عن “كيفية التعامل مع العائدين”، فإنّ سؤاله لا ينبع من حرص على الدولة، بل من خوفٍ من لحظة الحقيقة، من لحظة يفقد فيها حقّ تحديد من يدخل ومن يخرج، ومن يَسمح ومن يمنع.
فخوفك الاكبر ايها الدعيّ، وان لم تراه داخل نفسك المعتمة، هو من “العائد الأكبر”؛ عودة الوعي. ذلك الوعي الذي ظللتم تحاربونه بالتكفير والاعتقال وصناعة الأعداء وتدريب الأجيال على كراهية المجتمع. اليوم يعود الوعي بقوة الصدمة، صدمة الحرب التي عرّت الجميع. فظهر من الذي ظلّ يكذب باسم الدين، ومن الذي ظلّ يسرق باسم الدولة، ومن الذي ظلّ يقتل باسم الوطنية، ومن الذي يوزع التخوين كمن يوزّع الخبز. وسيأتي يومٌ، وهو أقرب مما تتصورون، تقفون فيه أمام محكمة المجتمع لا محكمة القانون فقط. محكمة تُسائلهم؛ من الذي أحرق دارفور؟ من الذي فكّك الدولة؟ من الذي حوّل الجيش إلى جهاز حزبي؟ من الذي صنع المليشيات الأولى؟ من الذي أشعل الحرب ثم اتهم شعبه بالخيانة؟ ومن الذي يهاجم اليوم العائدين لأنه يعلم أنّ أول من سيُحاسَب، لو عادت الدولة فعلاً، هو هو… ومن يمثله؟
إنّ محاولاتكم الأخيرة لشيطنة المدنيين ليست إلا محاولة فاشلة لتأجيل لحظة المحاسبة. فأنتم لا تريدون عودة الناس، بل تريدون بقاء الفراغ. تريدون أن يظل السودان مساحة معلّقة بين الخراب والخرافة، لأن الخرافة هي آخر ما تملكون. أمّا نحن فنعلم، ويعلم التاريخ، أنّ الوطن لا يدار بالخوف، وأنّ الشعوب لا تُهزم بالخطابات الجوفاء، وأنّ الوعي حين يشتعل لا يخمد، وأنّ الدولة حين تقوم على أساس صحيح لن تكون بحاجة إلى “إذن” من أمنجي، ولا إلى فتوى من كوز، ولا إلى تحقيقٍ مع مواطن لم يرتكب جريمة سوى أنه تجرّأ على التفكير. وهنا، في قلب هذه اللحظة المصيرية، نقول لكم ما ظللتم تتجنبون سماعه؛ إنّ السودان لم يعد ينتظر عودتكم أنتم. السودان ينتظر عودة نفسه. ينتظر اللحظة التي يسقط فيها آخر قناع، وآخر خطاب تخوين، وآخر محاولة لإحياء منظومة ماتت ودفنها الناس بأيديهم.
وحين تعود الدولة، بوصفها دولة لا مزرعة سيدخل العائدون من أبوابها مرفوعي الرأس، لا خائفين ولا معتذرين. وسيخرج من أبوابها من كان يتوهم أن السلطة قدرٌ أبدي، وأنّ الخراب ضمانة للبقاء، وأنّ الوطن ملكٌ يورّث.
لقد انتهت اللعبة. وما تبقّى من أصواتكم ليس صرخة قوة، بل صفير سقوط. والتاريخ، الذي كنتم تستعبدونه، عاد اليوم ليطالب بحقه. والشعب الذي ظننتم أنه يُروّض عاد اليوم ليقول كلمته. والدولة التي حوّلتموها إلى مأتم بدأت تستعيد لحمها وعقلها. أما أنتم… فأنتم مجرد ظلّ طويل لليلٍ انقضى. وسينقشع هذا الليل مهما طال… ومهما صرخ كوز مأفون يعاد تدويره كنفايات من تاريخ لا يملك سوى امنيات فاسد وكلمات مخادع وامنيات مزوّر.
وفي نهاية هذا المشهد الملتبس، تبدو الحقيقة أشد سطوعاً من ضجيج الكيزان. إن السودان يتخلص اليوم، تحت نار الحرب من الرواية الكاذبة التي حكمته ثلاثين عاماً. سقط خطاب التخوين، وسقط عهد البيعة القسرية، وسقط وهم القداسة الزائفة. وما تبقى من أصواتهم ليس صراخ قوة، بل صفير سقوط. لقد انتهت اللعبة. الشعب عاد ليقول كلمته. الشعب قد بدأ في استعادة عقله. أما الكيزان، بكل تضليلهم ودجلهم وارتعاشاتهم، فليسوا سوى ظلّ طويل لليلٍ انقضى. وسينقشع هذا الليل مهما طال… ومهما صرخ الكوز المأفون عبد الماجد عبد الحميد، المروّجٌ المحترف للأوهام… والمأجورٌ في هيئة صحفي، منكودُ البصيرة، سقيمُ الكلمة، كاتب الضلال والتضليل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم