كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
لقد أثار دهشتي ودهشة الكثيرين، وربما استياءهم، استخدام الأستاذ عبد الواحد محمد نور في برنامج حواري على قناة France 24 لوصفٍ مستمد من تاريخٍ عنصري بغيض تجاوزته الإنسانية وما زال الوجدان السليم يحاول أن يتجاوزه. ولفرط سُوء هذا التوصيف وما يحمله من مضامين ظلت الإنسانية مهزومة فيها وهي جبهة العنصرية، فإني أعاف استخدام المفردتين وأكتفي بالحروف التي تدل عليهما. وهو الوصف (H.N.) الذي أطلقه على موقف بعض السياسيين في البرنامج الحواري الذين تختلف تقديراته السياسية معهم في الموقف من أطراف الحرب الدائرة الآن.
هذا الوصف، نشأ في سياق العبودية الأمريكية البغيض، يشير إلى H.N الذي يرى نفسه أعلى منزلة لخدمته داخل منزل السيد، وهو ما يحمل دلالة الخيانة والولاء للسيد.) والحق أنّ الخلاف — مهما بلغ عمقه — لا ينبغي أن يجرَّ رجلاً حقوقيا وقائدا ثوريا إلى هذا الدرك السحيق من استدعاء مفردات كهذه، محمّلة بإرث من التحقير والإقصاء، وبعيدة كل البعد عن لغة النضال ومسؤولية الكلمة. ناهيك عن اختلاف السياقات التاريخية، وحساسية استخدام الكلمات وما تولده من نظم تنشأة اجتماعية.
إن خطورة هذا الانزلاق تتجاوز حدود اللياقة الأخلاقية لتمس صميم البنية الاجتماعية في السودان. إنّ الألفاظ، خاصةً تلك التي تحمل تاريخاً من الوصم والعبودية، لا تعد مجرد كلمات عابرة، وإنما تعتبر أدوات فعّالة لتشكيل وإعادة بناء الواقع الاجتماعي. ففي المنظور البنائي، تُستخدم هذه الألفاظ كـعناصر بناء للواقع السياسي (Social Construction). وباستخدام وصف كهذا، لم يقم الأستاذ عبد الواحد نور بوصف خصمه فحسب، بل قام بعملية تدمير للقيمة الأخلاقية للطرف الآخر، محوّلاً الخلاف السياسي المشروع (حتى لو كان عميقاً) إلى خصومة تقدح في موقفه الحيادي من الحرب.
إن البنائيين (Constructivists) يشددون على أن قوة الألفاظ تتجاوز مجرد الإخبار أو الوصف، لتتمثل في قدرتها على “الإنتاج” (Productive Power). فتوليد واستدعاء التوصيفات المُحمّلة بقيم ومدلولات عنصرية لا يقتصر هدفه على الإهانة، بل يتجه نحو تغيير البنية الإدراكية للواقع بأكمله. حيث يصبح الخصم شخصاً ذو هوية غير شرعية وغير وطنية، ويتم تشكيل المصلحة الوطنية للطرف الذي يوصف بـ (H.N) على أنها مصلحة خيانة مطلقة، مما يسد طريق التفاوض والاعتراف المتبادل بالشرعية السياسية.
إن جوهر نضال أي قائد يسعى لإقامة دولة مواطنة – لا سيما إن كانت على أسس ليبرالية علمانية – هو توليد المعايير (Norm Generation) التي تحمي المساواة وشرعية الاختلاف. فعندما يصدر هذا الوصف من قائد حقوقي، فإنه يُقوِّض المعيار العالمي والإنساني لـ “عدم التمييز العنصري” ويشرعن استخدامه في صراعاتنا الداخلية. هذا يرسل رسالة “تنشئة اجتماعية” سلبية وخطيرة.
إن البنائية تعلمنا أن مصلحة الدولة (أو القائد) تُشتق من هويته. وعندما يتم بناء هوية “القائد الثوري” على أساس أنه الممثل الوحيد للحقيقة والأخلاق المطلقة، فإن هذا يرسخ مصلحته ووظيفته في الإقصاء والتدمير التلقائي لكل من يخالفه، مُعرِضاً بذلك عن البحث عن مشروع جامع يتطلب التواضع السياسي أولاً والاعتراف بشرعية الآخر. وحقه أن يتخذ ما يشاء من مواقف مهما بدت متناقضة مع مواقف سابقة، وهذا ما دعا الأستاذ عبد الواحد لأن يستدعي توصيف لا علاقة له بالسودان لا من حيث السياق، ولا من حيث الاتساق.
عموماً، ومهما يكن من أمر، يمكن القول إجمالاً إن السودان أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب راشد يعمل على تضميد البنية الاجتماعية الهشة. إنّ الألفاظ والتوصيفات التي يطلقها القادة لا تُعتبر مجرد اهتزازات في الهواء، إنها تماماً مثل رصاصات معيارية تُطلق في الوعي الجمعي، تشرعن الكراهية، وتمنح رخصة للتحقير في سياق يغلي بالفتنة (واقع الحرب). وفي واقع تنتشر فيه الكلمة من شاشة التلفاز لشاشات التلفون المحمول لتصبح حالة trend يتناولها ويتداولها الجميع كاملة ومجتزأة.
لقد كان على الأستاذ عبد الواحد نور أن يدرك أن مهمة القائد السياسي ليست في استعراض القوة اللفظية، والتباهي بمعرفة ما كان يحيق بالمجتمع الأمريكي من تناقضات وظلامات في واقع يحجم الامريكان أنفسهم من اجتراره، بل ويسعون الي تجاوزه عبر ما يعرف بـ التغيير المعياري (Normative change). وإنما في توليد معايير توحيدية، لأن الأوطان تُبنى بالكلمة الرشيدة التي توحد، وتُهدم بالعبارة المسيئة التي تُفرق وتسدّ أفق الوفاق.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم