عجز الكيزان البنيوي عن إنتاج خطاب جديد أو حين يفشل المشروع في صناعة ورثته
لماذا يعيد الكيزان إنتاج الخطاب نفسه في كل مرحلة سياسية؟
المشكلة الحقيقية عند الكيزان ليست أنهم يكررون خطاب التسعينيات ولكن أنهم عاجزون عن إنتاج أي خطاب آخر. فالتكرار هنا ليس خيارا سياسيا وإنما ضرورة فرضها الإفلاس الفكري. المشروع الذي يعجز عن تجديد نفسه لا يملك إلا أن يعود إلى أرشيفه القديم فينبش في الشعارات نفسها ويستدعي المخاوف نفسها ويعيد تمثيل المسرحية نفسها أمام جمهور لم يعد هو الجمهور الذي كان قبل ثلاثين عامًا.
كل مرة يتحدثون فيها نسمع ذات الأسطوانة عن مؤامرة على الإسلام واستهداف السودان والمعركة الوجودية والقائد المنقذ، وشعب مطلوب منه أن يخاف ويطيع أكثر مما يطلب من السلطة أن تحكم وتحاسب. لا توجد فكرة جديدة ولا مراجعة حقيقية ولا اعتراف بالأخطاء ولا حتى محاولة لفهم كيف وصل السودان إلى هذا الخراب. فقط إعادة تدوير مستمرة لخطاب استهلك حتى فقد صلاحيته.
لكن السبب الأعمق لعجزهم ليس موت الخطاب وحده، وإنما فشلهم الكامل في صناعة جيل يحمل مشروعهم إلى المستقبل. فكل الحركات السياسية التي تعيش طويلا تنجح في إنتاج أجيال جديدة قادرة على مراجعة الإرث وتطويره وتقديمه بصورة مختلفة. أما الكيزان فقد فشلوا حتى في ذلك. لم يربّوا جيلاً يحمل نفس القناعات التي ادعوا أنهم يحملونها يوم كانوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب رسالة. لم يربّوا جيلاً يؤمن بأن السلطة وسيلة. لم يربّوا جيلاً مستعدًا للتضحية من أجل فكرة. لم يربّوا جيلاً يرى نفسه خادما للمجتمع فالذي أنتجته الإنقاذ كان شيئًا آخر تمامًا.
لقد جاء الآباء إلى السلطة بشعارات دينية وسياسية صدّقها كثيرون أما الأبناء فقد نشأوا داخل السلطة نفسها. لم يعرفوا حياة المعارضة ولم يعرفوا تكلفة النضال ولم يعيشوا التجارب التي صنعت الجيل الأول. كل ما عرفوه هو الامتيازات والنفوذ وقرب الدولة ومغانم السلطة ولذلك لم يرثوا الأفكار التي أعلن آباؤهم أنهم يؤمنون بها ولكن ورثوا الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها.
نشأ جيل يرى أن السلطة ليست وسيلة لتحقيق مشروع ولكن هي المشروع نفسه. جيل تربى وهو يشاهد كيف يمكن للنفوذ أن يفتح الأبواب المغلقة وكيف يمكن استغلال الدين لتبرير السياسة وكيف يمكن استخدام الدولة لخدمة الجماعة بدل خدمة المجتمع. رأى كيف يكافأ الولاء أكثر من الكفاءة وكيف تحمى المصالح أكثر مما تحمى المبادئ.
ولهذا فإنك عندما تناقش كثيرا من شبابهم اليوم لا تجد أمامك دعاة فكرة بقدر ما تجد حراس مصالح لأنهم حقيقة أبناء مرحلة الانحطاط لا أبناء مرحلة الصعود.
الجيل الأول على الأقل كان يملك رواية فكرية وقدرة على الإقناع بصرف النظر عن سقوطهم في امتحان السلطة. أما الأجيال التي جاءت بعده فقد وُلدت داخل السلطة حتى فقدت القدرة على التمييز بين الفكرة والامتياز. نشأت وهي ترى الدولة ملكية خاصة وترى النفوذ حقا مكتسبا وترى الحكم غاية نهائية لا وسيلة لتقديم خدمة عامة.
وهنا تكمن الكارثة الكبرى فالكيزان لا يعجزون فقط عن إقناع الشعب ولكن يعجزون حتى عن إقناع أبنائهم بفكرة تتجاوز حب السلطة. ولهذا نرى الفقر الفكري الهائل في خطابهم الحالي حيث لا يوجد مفكرون جدد ولا توجد مراجعات فكرية جدية. لا توجد أطروحات مختلفة ولا يوجد إنتاج سياسي أو فلسفي أو أخلاقي جديد. توجد فقط رغبة مستمرة في استعادة النفوذ المفقود. ولهذا يعودون دائمًا إلى الخو لأن الخوف هو آخر ما يملكون ولأن من لا يملك فكرة يصنع عدوا ومن لا يملك مشروعا يصنع مؤامرة ومن لا يملك إنجازا يصنع بطلاً ومن لا يملك شرعية يصنع شرعية الاحتماء بالدين.
لهذا تتكرر مفردات المؤامرة على الإسلام واستهداف العقيدة وحماية الشريعة، ليس لأنها تفسر الواقع ولكن لأنها آخر بضاعة متبقية في مخزن سياسي فارغ. والسؤال الذي يرعبهم أكثر من أي شيء آخر هو لماذا لم تعد هذه الشعارات تعمل كما كانت تعمل سابقًا؟
الإجابة بسيطة لأن الشعب السوداني دفع الثمن بنفسه. ثلاثون سنة من الحكم باسم الدين ثم ثورة ثم حرب ثم دماء ونزوح وانهيار اقتصادي واجتماعي. ملايين السودانيين لم يعودوا ينظرون إلى الخطاب السياسي بالطريقة نفسها. لقد أصبحت التجربة أقوى من الدعاية فالإنسان الذي فقد بيته لا تقنعه الشعارات والإنسان الذي فقد أبناءه لا تقنعه الخط والإنسان الذي عاش الخراب لا تقنعه صناعة الأعداء الوهميين.
لقد اكتشف السودانيون أن الذين وعدوا بحماية الوطن ساهموا في تدميره وأن الذين احتكروا الحديث باسم الدين ليسوا أوصياء عليه وأن الذين رفعوا راية الكرامة أوصلوا البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث في تاريخها الحديث.
ولهذا يبدو خطابهم اليوم كأنه حديث صادر من زمن منته وإنهم يتحدثون إلى شعب لم يعد موجودا وانهم يحاولون إحياء مخاوف ماتت ويستدعون شعارات فقدت معناها ويعيدون تمثيل مشهد يعرف الناس نهايته مسبقًا.
الحقيقة التي لا يريد الكيزان الاعتراف بها هي أن أكبر هزيمة تعرضوا لها ليست خسارة السلطة لكن هي خسارة القدرة على الإقناع. فحين يفقد المشروع قدرته على إنتاج فكرة جديدة ويفقد قدرته على إنتاج جيل جديد ويفقد قدرته على إقناع مجتمع تغيّر وعيه وتجربته فإنه يتحول إلى مجرد صدى للماضي. ولهذا لا يتغير خطابهم لا لأنهم لا يريدون التغيير ولكن لأنهم لم يعودوا قادرين عليه.
إن أزمة الخطاب الكيزاني ليست أزمة لغة أو شعارات فحسب بقدر ماهي أزمة منظومة فشلت حتى في إنتاج جيل قادر على مراجعة أخطائها أو تجاوز إرثها. فالتغيير الحقيقي لأي خطاب لا يبدأ بتبديل المفردات، وإنما يبدأ بتكوين الإنسان الذي يحمل هذا الخطاب. ولذلك فإن تجديد الخطاب الكيزاني كان يحتاج إلى جيل يحمل في داخله قيم الإنسانية وقيم الحياة وجيلاً يبحث عن الحقيقة أكثر مما يبحث عن السلطة وجيلا يرى في خدمة الناس غايةً أسمى من التمسك بالحكم.
كان يحتاج إلى جيل يفهم أن الدين ليس أداةً للتعبئة السياسية ولا وسيلة لاحتكار الحقيقة ولكن هو منظومة أخلاقية تقوم على العدل والرحمة وصيانة كرامة الإنسان. جيلاً يدرك أن الإسلام لا يبيح الظلم ولا الإقصاء ولا السحل ولا قتل الأبرياء وأنه لا يمكن تحويل المظالم والانتهاكات إلى أعمال بطولية بمجرد إلباسها ثوباً دينياً.
وكان يحتاج إلى جيل يعرف أن التكبير فوق أجساد الضحايا من المسلمين ليس جهاداً وأن إطلاق الرصاص على صدور المسلمين ليس جهادا وأن تمزيق حياة الناس وتشريدهم وتبرير الفظائع باسم العقيدة لا يمكن أن يتحول إلى فضيلة مهما ارتفعت الأصوات بالشعارات. جيلاً يدرك أن كرامة الإنسان مقدمة على شهوة السلطة وأن الدين لا يكسب شيئاً حين يستخدم لتبرير القتل والكراهية
كان يحتاج إلى جيل يمتلك الشجاعة الأخلاقية الكافية ليتخلى عن السلطة إذا أصبحت السلطة سبباً في ظلم الآخرين أو قهرهم أو تشريدهم. جيلاً يرى أن البقاء في الحكم ليس قيمة مطلقة وأن الوصول إلى السلطة لا يبرر الاحتفاظ بها بأي ثمن وأن حياة الناس وحقوقهم أهم من أي مشروع سياسي أو تنظيمي.
لكن المعضلة الكبرى أن هذا الجيل لم يظهر داخل البنية الكيزانية. فبدلاً من إنتاج جيل يحمل قيما أوسع وإنسانية أعمق أنتجت التجربة أجيالاً ورثت الولاء للسلطة أكثر مما ورثت الولاء للمبادئ وتعلمت الدفاع عن النفوذ أكثر مما تعلمت الدفاع عن الحقيقة. ولهذا ظل الخطاب يدور في الحلقة نفسها وظلت الشعارات القديمة تستدعى كلما اهتزت الأرض تحت أقدام أصحابها.
إن عجز الكيزان عن إنتاج خطاب جديد هو في جوهره عجز عن إنتاج إنسان جديد إنسان قادر على الاعتراف بالأخطاء وعلى تقديم العدالة على الولاء والحقيقة على الدعاية والإنسان على السلطة. ولذلك بقي خطابهم أسيراً للماضي وبقي مشروعهم عاجزا عن التجدد لأن الجيل الذي كان يمكن أن يراجع المسار ويصحح الانحراف لم يوجد أصلاً داخل السلسلة الكيزانية. فكانت النتيجة أن ورثة المشروع لم يكونوا ورثة للفكرة بقدر ما كانوا ورثة للسلطة ومغانمها ولهذا يتكرر الخطاب ذاته وسوف يتكرر إلى ما شاء الله كلما تغيّرت الوجوه بينما يبقى الجوهر على حاله.
إنها أزمة مشروع استنفد نفسه ثم فشل حتى في صناعة الورثة القادرين على إنقاذه من موته البطيء. ولذلك لم يعد خطابهم بالنسبة لكثير من السودانيين سوى نعيٍ طويل لمشروع انتهى ولم يدرك أصحابه أنه انتهى.
عبدالله جعفر
