عقيدة ترامب والإمبريالية الماغاوية الجديدة (3-2)

تحت العنوان الفرعي “الإمبريالية الاقتصادية وعقيدة ترامب”، يستعرض الكاتب ملامح التحول الجذري الذي تتبناه الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب تجاه النظام الاقتصادي العالمي، عبر تبنّي سياسة حمائية عدوانية تُوظف الرسوم الجمركية كأداة لإعادة رسم التوازنات التجارية والمالية بما يخدم إعادة الهيمنة الأميركية. يطرح الكاتب هذه السياسة بوصفها عقيدة إمبريالية جديدة تقوم على الابتزاز المالي، وتُدار بواسطة شبكة فكرية وإيديولوجية عابرة لمؤسسات الدولة، مدفوعة بخطاب قومي محافظ معادٍ للعولمة.
تنطلق هذه العقيدة من قرار مفصلي أعلن عنه ترامب في 2 أبريل 2025، حين أصدر ما وصفه بـ”إعلان الاستقلال الاقتصادي”، معلنًا فرض رسوم جمركية بنسبة 10٪ على جميع دول العالم، مع تعريفات أعلى بكثير على دول محددة مثل الصين (34٪ مضافة إلى 20٪ لتبلغ 54٪)، وفيتنام (46٪)، والاتحاد الأوروبي (20٪). لكن التصعيد لم يقف عند هذا الحد؛ فبعد الرد الصيني، رفع ترامب الرسوم إلى 104٪، ثم إلى 145٪، فيما يشبه إعلان حرب اقتصادية شاملة.
اللافت في هذه السياسات ليس فقط طابعها التصعيدي، بل الأسلوب العدواني الذي أُعلنت به، إذ جاء في تصريح لوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت أن “أي دولة تحاول الرد على الرسوم الأميركية الجديدة ستُعتبر مسؤولة عن التصعيد”، ما يعني أن إدارة ترامب “سترد بالتصعيد إلى درجات أعلى”. هذا التوجه يؤشر، بحسب الكاتب، إلى نزعة جديدة في إدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية، تُدار من منطلق الهيمنة الأحادية بدلًا من التعاون المتبادل.
لكن التبعات لم تكن اقتصادية فحسب؛ إذ أدّت هذه القرارات إلى حالة من الذعر في الأسواق، مع تراجع حاد في مؤشرات وول ستريت، ما كشف عن “انقسام واضح في الطبقة المالية الحاكمة مع تهاوي الأوراق المالية”، و”أجبر هذا ترامب على تجميد بعض الرسوم مؤقتًا، بينما رفعها في الوقت ذاته على الصين”. هذه الازدواجية في القرارات تعكس ارتباكًا داخليًا بين الحفاظ على دعم النخبة المالية وبين الوفاء بالتزامات الخطاب الشعبوي القومي الذي يُحرّك سياسات ترامب.
يرى الكاتب أن هذه الإجراءات ليست استجابة ظرفية أو انفعالية، بل هي تجلٍ واضح لما يسمى بـ”القومية المحافظة”، التي تتبناها مراكز أبحاث متحالفة مع حركة “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA)، مثل “أمريكان كومباس” و”معهد مانهاتن”، وصندوق التحوط الموالي لترامب “هادسون باي كابيتال مانجمنت”. هذه المؤسسات تُعيد صياغة السياسة الاقتصادية الأميركية ضمن رؤية جيوسياسية واضحة، تسعى إلى “الحرب الباردة الجديدة” مع الصين، وتحطيم القواعد الليبرالية للنظام العالمي القديم.
أحد أبرز الأصوات في هذه المنظومة هو أورين كاس، كبير الاقتصاديين في مركز “أمريكان كومباس”، الذي دعا في تقريره عام 2023 تحت عنوان “فصل حاسم مع الصين” إلى “أن تفصل أمريكا علاقتها الاقتصادية مع الصين لحماية سوقها من التخريب على يد الحزب الشيوعي الصيني”. وتتضمن هذه الدعوة إيقاف “تدفقات رؤوس الأموال، ونقل التكنولوجيا، والشراكات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين”، في موقف يقطع جذريًا مع سياسات الانفتاح والاعتماد المتبادل التي سادت لعقود.
هذه العقيدة تتجاوز الصين إلى الداخل الأميركي، حيث يخوض مركز “أمريكان كومباس” حربًا فكرية ضد ما يسميه بـ”رأس المال المستيقظ ” (woke capital)، أي المؤسسات التي تدمج مفاهيم العدالة الاجتماعية والتنوع والشمول في ممارساتها. ويرى الكاتب أن “هذا الموقف محاولة واضحة للحفاظ على الهيمنة العرقية البيضاء”، مما يُظهر تداخل السياسة الاقتصادية مع القيم الثقافية والهوياتية، في مشهد تكتسب فيه الحرب التجارية طابعًا ثقافيًا وعنصريًا ضمنيًا.
في قلب إدارة ترامب، يعود بيتر نافارو ليلعب دورًا محوريًا في تنفيذ هذه العقيدة. نافارو، المعروف بموقفه المعادي للصين، يرى أن “الرسوم الجمركية توفر تريليونات الدولارات كإيرادات للحكومة، ما يُتيح لترامب خفض الضرائب على الأثرياء”، في جمع متناقض بين الشعارات الشعبوية والسياسات النيوليبرالية لصالح النخب. ويذكّر الكاتب أن نافارو أُدين بتهمة ازدراء الكونغرس بعد دوره في الهجوم على الكابيتول، مما يُلقي بظلال سياسية على الدور الذي يلعبه في رسم السياسات الاقتصادية.
غير أن الشخصية الأبرز في صياغة الاستراتيجية الاقتصادية الدولية لترامب هي ستيفن ميران، الذي يشغل منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، وكان سابقًا كبير الاستراتيجيين في “هادسون باي كابيتال مانجمنت”، الممول الرئيسي لمنصة “تروث سوشال”. ميران هو صاحب فكرة “اتفاق مار-آ-لاغو”، وهي خطة لإعادة هندسة النظام التجاري العالمي تقوم على استخدام “الرسوم الجمركية المرتفعة والضغط الناتج عن المظلة الأمنية الأميركية لإجبار الدول على الموافقة على تخفيض كبير لقيمة الدولار الأميركي”.
هذه الاستراتيجية تستند، كما يشير الكاتب، إلى نموذج “اتفاقية بلازا” الشهيرة لعام 1985، التي أدّت إلى تخفيض قيمة الدولار مقابل الين الياباني والمارك الألماني، وأسفرت عن فقاعة اقتصادية في اليابان سرعان ما انفجرت، مُدخلة اقتصادها في ركود طويل الأمد. يقول الكاتب إن ترامب “اشترى فندق بلازا الشهير، من دون شك إعجابًا بالصفقة التي أُبرمت هناك، لكنه لاحقًا أدخل الفندق في حالة إفلاس”، وكأنها استعارة لما قد يُصيب الاقتصاد الأميركي إذا أُعيد تكرار التجربة ذاتها في سياق أقل توازنًا.
الفرق الجوهري، بحسب التحليل، هو أن “الولايات المتحدة أضعف بكثير على الصعيد العالمي مقارنةً بعام 1985″، كما أن الدول التي تمتلك أكبر احتياطيات بالدولار “ليست ضمن المظلة الأمنية العسكرية الأميركية”، مما يعني أن “الضغط عليها أو إخضاعها للإرادة الأميركية” لن يكون سهلاً، بخلاف حلفاء مثل اليابان وكندا والمكسيك الذين يمكن الضغط عليهم بسهولة نسبية.
ومن خلال الجمع بين الرسوم الجمركية وخفض العملة، تسعى إدارة ترامب إلى فرض شروطها على الحلفاء والخصوم على حد سواء، بحيث تُصبح العلاقة مع واشنطن مرهونة بالامتثال الاقتصادي والأمني. يعلق الكاتب بأن ميران يهدف من “اتفاق مار-آ-لاغو” إلى إنتاج “فاصل أوضح بكثير بين الصديق والعدو والشريك التجاري المحايد”، حيث يُكافأ الأصدقاء ويُعاقب المعارضون. وتُستخدم “سندات القرن” الأميركية، التي تستحق بعد مئة عام، كأداة لإجبار الدول على ضخ السيولة بالدولار مقابل تنازلات تجارية.
لكن هذه السياسة تأتي بمخاطر جمّة. فعلى عكس التوقعات بأن الرسوم الجمركية سترفع قيمة الدولار، فقد شهدت المرحلة الأولى انخفاضًا في قيمته، مما أدى إلى زيادة أسعار الواردات، وأثار مؤشرات التضخم. وهو ما يقود الكاتب إلى الحديث عن تصاعد ظاهرة الركود التضخمي (stagflation)، الذي “يجمع بين ارتفاع الأسعار وتراجع النمو”، في نتيجة كارثية على المستهلك الأميركي والاقتصاد العالمي على السواء.
وفي السياق الأوسع، يرى الكاتب أن هذه السياسات ستُسرّع جهود دول الجنوب العالمي، لا سيما مجموعة بريكس+، في “البحث عن بدائل للدولار”، وهو ما يُضعف من موقع الولايات المتحدة في النظام المالي العالمي. ويتهم الكاتب إدارة ترامب بأنها “غير قادرة تمامًا على استيعاب واقع ‘معضلة تريفين'”، التي تشير إلى أن استمرار العجز في الحساب الجاري ضروري للحفاظ على الدولار كعملة احتياطية، لكن هذا العجز يُقوّض الثقة بالعملة على المدى الطويل.
ويخلص المقال إلى أن ترامب، في رغبته لتفكيك التشابكات الجيو-اقتصادية القائمة، يُقامر بمستقبل النظام المالي الدولي برمّته. وهنا يستشهد الكاتب بالاقتصادي مايكل هدسون، الذي كتب:
“يعتمد ترامب في محاولته لتمزيق الروابط المتبادلة في التجارة والمالية الدولية على افتراضٍ مفاده أنه في فوضى التنافس المحموم، ستخرج أمريكا في النهاية منتصرة”. ويضيف هدسون أن ترامب يرى أن الاقتصاد الأميركي “يشبه الثقب الأسود الكوني، أي مركز جاذبية قادر على سحب أموال وفائض العالم الاقتصادي إليه”، مشددًا على أن “هذه هي الغاية الصريحة لمبدأ “أمريكا أولاً”، وأنه بذلك “يُعلن الحرب على بقية العالم”.
في ضوء ما سبق، نستخلص أن الكاتب لا يكتفي بوصف السياسات الاقتصادية لترامب، بل يضعها ضمن سردية إمبريالية موسّعة، ترى في الولايات المتحدة قوة متراجعة تُحاول فرض شروطها على عالم لم يعد يقبل الخضوع. وبينما يُقدّم ترامب هذه السياسات كسبيل لإنقاذ الاقتصاد الأميركي، يراها الكاتب مقامرة كبرى قد تُسرّع بانهيار النظام الدولي الذي لطالما استفادت منه واشنطن.

osmanhamdan72@gmail.com

عرض وتلخيص عثمان محمد حمدان

عن عثمان محمد حمدان

شاهد أيضاً

اِنْهض فِي غضب وَأمَل .. بقلم: عثمان محمد حمدان

osmanhamdan72@gmail.com اِنْهض فِي غضب وَأمَل: كَيْف يُمْكِن لِلاحْتجاجات البركانية أن تَدفَع بالقضايَا اَلملِحة إِلى مَركَز …