الجزء الثالث من دراسة جون بيلامي فوستر (The Trump Doctrine and the New MAGA Imperialism) المنشورة في من دورية منثلي رفيو، المجلد 77، العدد 2 ( يونيو 2025). الجزء الرابع يتناول موضوع الحرب ضد الصين، لا يشتمل عليه هذا العرض. راجع رابط المقال أسفل المنشور.
النازية الجديدة والإمبراطورية:
يبدأ الكاتب هذا الجزء من المقال بتحليل التحالفات الطبقية الجديدة التي تقف وراء التحولات الجذرية في السياسة الخارجية والعسكرية للولايات المتحدة، والتي يجري تنفيذها في ظل ما يُعرف بـ”عقيدة ترامب”، المرتبطة بصعود حركة “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا” ذات الطابع الفاشي الجديد. يُشير الكاتب إلى أن هذه التحالفات – رغم ما تنطوي عليه من تناقضات – تتشكل أساسًا من طبقة المليارديرات المسيطرة، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، ورأس المال الاستثماري الخاص، والنفط. وإلى جانبهم تقف الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، التي تضم أصحاب المشاريع الصغيرة، وملاك المنازل الصغار، ومديري الشركات في المستويات الدنيا، وكذلك بعض الجماعات الأصولية الدينية، والمزارعين من ملاك الأراضي في المناطق الريفية، إضافةً إلى بعض الفئات الأكثر امتيازًا داخل الطبقة العاملة.
ويؤكد الكاتب على أن هذه الشريحة من الطبقة الوسطى الدنيا “تتكون – بنسبة عالية – من البيض وتتسم بالعنصرية”، وهو ما يمنحها قابلية للتماهي مع خطابات التفوق العرقي. ويربط هذا التحالف بتحليل ماركسي يرى أن الفاشية تنشأ من تحالف بين رأس المال الاحتكاري وهذه الفئات الاجتماعية الدنيا من الطبقة الوسطى، التي غالبًا ما تلعب دورًا حاسمًا في دفع المجتمعات نحو الأنظمة الفاشية. كما يُشير الكاتب إلى نجاح دونالد ترامب في حشد دعم معظم الناخبين الذين لم يحصلوا على شهادة جامعية – وهم بالأساس من أبناء الطبقة الوسطى الدنيا وبعض فئات العمال الأكثر امتيازًا – خلال انتخابات 2024، موضحًا أن هذه الفئة شكلت قاعدة صلبة لحركة “MAGA”. ويعلق الكاتب بقوله إن “الطبقة الوسطى الدنيا، أو البرجوازية الصغيرة، تمثّل تاريخيًا فئة تميل إلى التفوق العرقي، وتتبنى توجهات أبوية ومحافظة صارمة تجاه قضايا النوع والعلاقات الجنسية والجندرية.” ويضيف أن هذه الطبقة غالبًا ما تكون بمثابة “درع دفاعي” للنظام الرأسمالي، حيث يمكن تعبئتها في مشاريع سياسية فاشية بفضل أيديولوجيتها “الفطرية” القومية والانتقامية، التي تتطلع إلى استعادة صورة مثالية للدولة القومية كما تتخيلها. وفي إطار مقارنته التاريخية، يستشهد الكاتب برأي الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ حول صعود النازية في ثلاثينيات القرن العشرين، حين وصف الفئات الداعمة لها بأنها تتميز ب “عدم معاصرة رجعية” (regressive non-contemporaneity)، أي أنها تعيش في “زمنٍ غير معاصر”، وتسعى إلى استعادة ماضٍ مثالي متخيل، تتمثل في الحالة النازية بـ”الماضي الآري النقي”. هذا الطموح الرجعي، كما يوضح الكاتب، يشكّل جوهر الرؤية التي تتبنّاها حركة “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا” في نسختها الأمريكية المعاصرة.
يتناول الكاتب بالنقد الأيديولوجيا التي تستند إليها حركة “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا (ماغا) “، مشيرًا إلى أنها تستمد قوتها الأساسية مما يُعرف بـ”الحرب الأهلية الباردة” ضد النخب الليبرالية من الطبقة المتوسطة العليا، وضد قطاعات واسعة من الطبقة العاملة. ويرى أن هذه الحركة ترتكز على خليط من المعتقدات القومية المتطرفة، والارتباط العقائدي بما يسميه “دين مالكي العبيد” لدى بعض التيارات الإنجيلية البيضاء، بالإضافة إلى تمجيدها للإمبريالية الأمريكية السابقة، واحتفائها بالعنف السياسي المتطرف، ونزعتها العنصرية والشوفينية، إلى جانب نزعة أبوية متجذرة. هذه العناصر كلها، برأيه، تتماهى مع عقيدة “أمريكا أولًا” التي تشكل حجر الأساس لسياسات ترامب.
على الصعيد الدولي، تتجلى هذه الأيديولوجيا في رفض القوة الناعمة وتقديم أي مساعدات أمريكية خارجية، من خلال الدعوة إلى تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومعارضة الدعم العسكري لأوكرانيا. فوفقًا لمنظورها، تخدم الحرب في أوكرانيا مصالح النخب الأوروبية أكثر مما تخدم الولايات المتحدة، بل إنها تشتت انتباه واشنطن عن خصومها الرئيسيين في آسيا، وعلى رأسهم الصين، والعالم الإسلامي.
كما يشير الكاتب إلى أن الطابع القومي الديني للحركة قد أدى إلى تأييد واسع للاتفاق الذي أبرمه ترامب مع بنيامين نتنياهو، والذي يهدف – بحسب وصفه – إلى “إبادة أو تهجير للفلسطينيين من غزة”، مقابل حصول الولايات المتحدة على امتيازات اقتصادية، تشمل مشاريع ملكية، مثل “منتجع ريفييرا أمريكي”، إضافة إلى عقود نفطية تفضيلية.
وفي مقارنة مثيرة للتأمل، يستدعي الكاتب مشاهد من التاريخ النازي ليوضح التشابه بين بعض الأفكار التي تتبناها هذه الحركة وتلك التي روج لها النظام النازي. يستشهد بمقطع للمفكر الماركسي جورج لوكاش، أشار فيه إلى أن “هتلر لم يكن رافضا لسياسات “الألمنة” باستيعاب ودمج الشعوب المحتلة وحسب، بل دعا إلى الإبادة الكاملة للسكان (في المستعمرات)، معتبرًا أن التوسع الإمبريالي لا يجب أن يُمارس على البشر، بل على الأرض نفسها عبر طرد أو قتل سكانها الأصليين. وبنبرة مشابهة، يؤكد “مركز تجديد أمريكا” – وهو مركز أبحاث تابع لحركة MAGA أسسه راسل فوت، مدير مكتب الميزانية في إدارة ترامب – أن الفلسطينيين لا يمكن دمجهم لا في إسرائيل ولا في الولايات المتحدة، ويجب ترحيلهم أو إبادتهم، ومصادرة أراضيهم لصالح “سكان أكثر تحضّرًا”. ويضيف المركز أن الفلسطينيين، بسبب “ثقافتهم القائمة على الكراهية والعنف وعبادة الموت”، لا يتفقون مع “قيمنا المتجذرة في التاريخ الغربي والفكر الكتابي”.
ولتوضيح تغلل النزعة والايدولوجيا القومية الإنجيلية البيضاء عميقا في إدارة ترامب، يستشهد الكاتب بتمجيد وزير دفاع ترامب، بيت هيغسيث، “الحروب الصليبية المسيحية ضد الإسلام في القرن الثاني عشر” وتلميحه إلى أن ترامب “ينبغي أن يكون “رئيسًا صليبيًا”. وأحتوى كتاب هيغسيث American Crusade على فصلٍ كامل بعنوان “اجعل الصليبي العظيم يعود مرة أخرى”، يشير إلى حرب صليبية على الإسلام – يُمدّدها عالميًا لتشمل حربًا على “اليسارية” وكل الآراء التي تُعامِل المسيحيين كـ”كفّار”. يستشهد الكاتب كذلك بتصريحات ترامب بصدد القضاء المبرم على جماعة الحوثيين ردا على هجمات جماعة أنصار الله على سفن مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، احتجاجا على حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وفي 15 مارس 2025، أصدرت إدارة ترامب أوامر بشن غارات جوية واسعة النطاق على اليمن، معلنة نيتها خوض “حرب بلا رحمة”. وقد ترافقت هذه الحملة مع تخفيف القيود التي كانت إدارة بايدن قد فرضتها سابقًا على مثل هذه العمليات، مما أدى إلى تصاعد في عدد الضحايا المدنيين. وتعهد ترامب بالقضاء التام على جماعة الحوثيين، مصرحًا بأن “تطهير الحوثية” سيُنفّذ عبر “إبادتهم بالكامل.”
إعجاب ترامب العلني بجيمس ك. بولك – الرئيس الحادي عشر للولايات المتحدة (1845-1849) المعروف بدعمه الشديد للعبودية والتوسع الإمبريالي، لا سيما من خلال الحرب المكسيكية الأمريكية – يعكس الرؤية العدوانية والانتقامية التي يتبناها. وكما يشير الكاتب، فإن “تمجيد ترامب الرسمي لبولك المؤيد للعبودية والإمبريالية” يعكس الأساس الأيديولوجي لطموحات إدارته الإمبريالية. وانطلاقًا من هذا المنظور، أكد فريق ترامب أن على الولايات المتحدة أن “تستعيد قناة بنما” وأن تستحوذ على غرينلاند “بأي وسيلة كانت”. وقد زعمت منشورات يمينية مرتبطة بحركة MAGA أن نقل السيطرة على قناة بنما إلى دولة بنما لم يكن قانونيًا من جانب الأخيرة، مما يجعل استعادتها من قبل الولايات المتحدة أمراً مشروعًا. وفي مواجهة هذه التهديدات، اتخذت بنما خطوات لخفض اعتمادها على الصين، حيث انسحبت من مبادرة “الحزام والطريق” وأعربت عن قلقها بشأن إدارة شركات صينية للقناة. ومع ذلك، اعتبرت إدارة ترامب أن هذه الخطوات غير كافية، وأصرت على “الملكية والسيطرة المباشرة” على منطقة قناة بنما، بل وأصدر ترامب أوامر للجيش الأمريكي بوضع خطط لغزو محتمل. وفي أبريل 2025، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقًا مع بنما يسمح لها بإعادة احتلال جميع قواعدها العسكرية السابقة في منطقة القناة. ومع بدء تحرك القوات الأمريكية إلى تلك القواعد، استمرت واشنطن في إنكار سيادة بنما على القناة. ووفقًا لنقّاد بنميين، فإن ما حدث يُعد “غزوًا مقنعًا”، حيث “استولت الولايات المتحدة على منطقة قناة بنما دون إطلاق رصاصة واحدة.
في سياق سياساته التوسعية، يمارس ترامب ضغوطًا متعددة للاستحواذ على غرينلاند، من بينها اقتراح “شراء محتمل” يُقدَّم لسكانها، كما يشير الكاتب. وتستند أيديولوجية MAGA في هذا إلى أن غرينلاند، باعتبارها ضمن نصف الكرة الغربي، “تقع ضمن نطاق النفوذ الأميركي” حسب مبدأ مونرو، وبالتالي “لا ينبغي أن تكون إقليمًا ذاتي الحكم تابعًا للدنمارك”، على حدّ تعبير الكاتب. ثرواتها الهائلة وموقعها الاستراتيجي يجعلانها، كما يقول، هدفًا مناسبًا لـ”قرن القطب الشمالي الأميركي الجديد”.
في الوقت نفسه، وضمن محاولاته المستمرة لإسقاط النظام البوليفاري في فنزويلا، هددت إدارة ترامب بفرض “تعرفة جمركية بنسبة 25٪ على أي دولة تشتري النفط الفنزويلي”، كما يورد الكاتب. وبقيادة روبيو، بدأت الخارجية الأميركية بفرض عقوبات على الدول التي تستقدم خدمات طبية من كوبا، وحرمان مسؤوليها من التأشيرات، رغم أن كوبا ترسل أكثر من 24,000 طبيب إلى 56 دولة. ورغم هذه المساهمات الإنسانية، تَصِف واشنطن، كما يلاحظ الكاتب بسخرية، هذه البعثات بأنها “عمالة قسرية” و”اتجار بالبشر”.
ويُبرز الكاتب البعد العنصري الفجّ في السياسة الخارجية المرتبطة بحركة MAGA من خلال هجومها على حكومة جنوب أفريقيا، خاصة بعد إقرار قانون إصلاح الأراضي الذي يسعى لمعالجة إرث الفصل العنصري، حيث ما زال 7٪ فقط من السكان (البيض) يملكون حوالي 72٪ من الأراضي. في المقابل، اتهم ترامب وروبيو وإيلون ماسك الحكومة بـ”العنصرية ضد البيض”، خاصة بعد أن اتهمت جنوب أفريقيا إسرائيل بالإبادة في غزة أمام محكمة العدل الدولية، والتي أصدرت لاحقًا قرارًا أوليًا لصالح جنوب أفريقيا. يزعم ترامب، كما يقول الكاتب، أن جنوب أفريقيا “تصادر الأراضي من البيض دون تعويض أو إجراءات قانونية”، مدعيًا أن “اللاجئين البيض” من جنوب أفريقيا “ضحايا تمييز عنصري غير عادل”، ومرحبًا بهم في الولايات المتحدة. وردد روبيو هذا الخطاب، واتهم جنوب أفريقيا بـ”مصادرة الملكية الخاصة”، بينما روّج إلون ماسك لتعرض المزارعين البيض “للإبادة جماعية”، متحدثًا عن “قوانين ملكية عنصرية” و”قتل واسع النطاق للمزارعين البيض”.بناءً على هذه المزاعم، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بوقف كافة المساعدات المالية لجنوب أفريقيا، والتي كانت تذهب بمعظمها لمكافحة الإيدز. كما طرد روبيو السفير الجنوب أفريقي إبراهيم رسول، عقب تقرير نشره موقع “برايتبارت” عن مشاركته في ندوة تحدث فيها، كما تنقل “أسوشيتد برس”، “بلغة أكاديمية عن حملات إدارة ترامب ضد التنوع والهجرة”، مشيرًا إلى إمكانية تحوّل الولايات المتحدة إلى بلد “لن يكون فيه البيض الأغلبية بعد الآن”، وفق تعبير الكاتب.
أيديولوجيا “أمريكا أولًا” القومية تكمن أيضا وراء انسحاب إدارة ترامب من اتفاق باريس للمناخ لعام 2015، ومن منظمة الصحة العالمية، حيث تم تبرير ذلك بالحاجة إلى استعادة “السيادة الأميركية”، كما يشير الكاتب. وتمتد هذه النزعة القومية والإمبريالية، التي تندرج ضمن شعار “أميركا أولًا”، إلى ما هو أبعد من الحدود الأميركية؛ إذ طالبت إدارة ترامب الشركات الأوروبية بإلغاء جميع سياسات التنوع والعدالة والشمول إذا كانت ترغب في الاستمرار في التعامل مع الولايات المتحدة. أدت هذه المواقف المتطرفة إلى خلق فجوة بين إدارة ترامب ومجلس العلاقات الخارجية، الذي يُوصف غالبًا بـ”العقل المدبر للإمبراطورية” و”مركز فكر وول ستريت”، كما يذكر الكاتب. وكان هذا المجلس، الذي يحظى بتأييد الحزبين الديموقراطي والجمهوري، من القوى المهمة في رسم الاستراتيجية الجيوسياسية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، لكنه اصبح اليوم في صدام مباشر مع تيار MAGA. وقد عبّر وزير الدفاع بيت هيغسيث، عن خلافه باستقالته منه، متهِمًا إياه بـ”الليبرالية العالمية”. وفي داخل المجلس نفسه، ظهرت أصوات ناقدة لما يُعرف بعقيدة ترامب. فقد كتب جيمس إم. ليندسي، من وجهة نظر ليبرالية عالمية، واصفًا هذه العقيدة بأنها “تحوُّل مُربك ومزعزع” نحو “سياسات القوة ونطاقات النفوذ في القرن التاسع عشر”. واتهم ترامب بتبنّي “رؤية ثوسيديدية للعالم Thucydidian worldview، ترتكز على القوة والطموح والمصلحة الذاتية حيث “يفعل الأقوياء ما يشاؤون، ويقاسي الضعفاء ما يجب عليهم أن يعانوه”. لكن، كما يلاحظ الكاتب، فإن الليبراليين العالميين مثل ليندسي لا يعارضون أهداف ترامب الكبرى في السياسة العالمية، بل ينتقدون افتقارها إلى المهارة والفعالية، مقارنةً بـ”الأساليب الحذقة” التي اتبعها المخططون التقليديون للإمبراطورية الأميركية.
https://monthlyreview.org/2025/06/01/the-trump-doctrine-and-the-new-maga-imperialism/
osmanhamdan72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم