على أعتاب الدولة المدنية (4 ـ 4)

على أعتاب الدولة المدنية (4 ـ 4)
معركة الوعي: منابر يحتاجها المشروع المدني
نزار عثمان السمندل

السياسة في جوهرها معركة أفكار قبل أن تكون معركة سلطات. الدول تُبنى حين تنجح فكرة ما في إقناع المجتمع بجدواها، وحين يجد الناس أنفسهم داخل الرواية التي تشرح لهم ماضيهم وتفتح أمامهم أفق المستقبل. والسودان، الذي يكابد للخروج من عقود طويلة من الاستقطاب والصراع الأيديولوجي، يقف اليوم أمام معركة من هذا النوع: معركة الوعي.
المشروع المدني الذي تسعى إليه القوى الديمقراطية، وفي مقدمتها مجموعة صمود، يحتاج إلى أكثر من برنامج سياسي وخطة انتقال. يحتاج إلى منبر قادر على مخاطبة المجتمع السوداني بلغة واضحة، يشرح له معنى الدولة المدنية، ويعيد الثقة في السياسة باعتبارها أداة لخدمة الناس لا وسيلة للهيمنة عليهم.
تجارب العقود الماضية أظهرت أن الحركات السياسية التي تملك خطاباً إعلامياً منظماً تستطيع أن تفرض حضورها في الوعي العام. الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أداة لصناعة السردية التي تفسر ما يحدث في البلد. ومن ينجح في صياغة هذه السردية ينجح غالباً في كسب معركة السياسة نفسها.
لهذا تبدو الحاجة ملحة أمام القوى المدنية للتفكير بجدية في بناء مشروع إعلامي متكامل يواكب مشروعها السياسي. قناة فضائية أو منصة إعلامية واسعة الانتشار يمكن أن تشكل مساحة للحوار الوطني المفتوح، ومنبراً لشرح البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وجسراً يربط النخب السياسية بالمجتمع الذي تسعى لتمثيله. السودان بلد شاب، وطاقته الاجتماعية الهائلة تحتاج إلى خطاب يفتح أمامها أفق المشاركة بدل أن يتركها أسيرة الإحباط.
الإعلام المدني القادر على أداء هذا الدور ينبغي أن يبتعد عن لغة الدعاية المباشرة. المجتمع الذي خرج في ثورة كبرى بحثاً عن الحرية يمتلك حساسية عالية تجاه الخطاب التعبوي القديم. ما يحتاجه السودانيون هو إعلام يحترم عقولهم، يفتح المجال للنقاش، ويقدم السياسة بوصفها عملاً عاماً يشارك فيه الجميع.
وجود منصة إعلامية قوية للمشروع المدني يمكن أن يؤدي دوراً آخر لا يقل أهمية: مواجهة الفوضى المعلوماتية التي ترافق عادة مراحل التحول السياسي. الشائعات والدعاية السياسية تجد بيئة خصبة في المجتمعات التي تمر بانتقالات مضطربة. خطاب إعلامي مهني وشفاف يستطيع أن يخلق مرجعية موثوقة للمعلومة والتحليل، ويعيد شيئاً من التوازن إلى المجال العام.
السودان اليوم يحتاج إلى أكثر من تغيير في السلطة؛ يحتاج إلى تغيير في الثقافة السياسية نفسها. ثقافة جديدة تقوم على النقاش الحر، وعلى احترام التنوع، وعلى الإيمان بأن مستقبل البلاد يصنعه الحوار الوطني الواسع. الإعلام المستقل والمسؤول يمثل أحد الأعمدة الأساسية لهذه الثقافة.
المرحلة المقبلة من تاريخ السودان لن تُحسم فقط في غرف السياسة أو على طاولات التفاوض، بل ستتحدد أيضاً في الفضاء العام حيث تتشكل قناعات الناس وتتبلور رؤيتهم للمستقبل. هنا بالضبط تبدأ معركة الوعي التي ستحدد شكل الدولة القادمة.
مشروع الدولة المدنية الذي يحلم به السودانيون يحتاج صوتاً واضحاً يرويه ويشرح معناه، ويمنح الناس القدرة على رؤية المستقبل ممكنا. ذلك الصوت هو منبر الإعلام المدني الذي يمكن أن يولد من رحم هذه اللحظة التاريخية، ويصبح مساحة يلتقي فيها السودانيون حول سؤالهم الأكبر: كيف نبني وطناً يليق بتضحياتهم وآمالهم؟.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

السؤال الذي يخشاه “بيان بورتسودان”

نزار عثمان السمندل توترٌ ظاهر في لغة السلطة. بيانٌ خرج من بورتسودان يحمل مطلباً بتصنيف …