عنب سناء حمد… محاولة غسل الدم بمجازٍ ريفي

نزار عثمان السمندل

الكارثة لا تبدأ من فوهة البندقية، وإنما من الجملة التي تُقال بثقة باردة فيما البلاد تتشقق تحت أقدام أهلها، ومن العبارة التي تُلقى على الهواء كحكمة، بينما تخفي وراءها عشرات المقابر.
في مقابلتها على “الجزيرة مباشر”، جلست سناء حمد، القيادية في الحركة الإسلامية السودانية، أمام الصحافي أحمد طه، وقدّمت خطاباً هادئ الإيقاع، أعادت فيه تلميع الخراب الذي صنعتْه سياسات حركتهم على أنه “سوء تفاهم تاريخي”.. كأن السودان يعيش نقاشاً فكرياً عادياً، لا انهيار دولة يتساقط على رؤوس شعبها.
لا ارتباك أخلاقي، لا رجفة اعتذار، ولا اعتراف بكلفة الخيارات. الخطورة كلّها في هذا الهدوء؛ الكلمات تمضي ناعمة، فيما الوقائع ثقيلة حدّ السحق.
انفصال الجنوب عرضته السيدة سناء كخيار عقلاني، اختصرت كلّ سنوات الحرب، ومحت تاريخاً طويلاً من التعبئة العقائدية والإقصاء السياسي وصناعة الانقسام.
ملايين البشر الذين دُفعوا إلى حافة الفقد حوّلتهم إلى هامش في رواية متفائلة عن «قرار صائب». هنا تمارس اللغة دورها الأخطر: إعادة تعريف المأساة حتى تبدو نتيجة طبيعية لمسار مشروع عُدّ «رسالياً»، لا حصيلة هندسة قسرية للدولة والمجتمع.

عند الحديث عن نشأة قوات الدعم السريع، استدعت سناء حمد تشبيهاً ريفياً وديعاً: العنب والتمر. مجاز بسيط في ظاهره، قاتل في جوهره.
في هذا التشبيه تُمحى المسؤولية، ويُختزل العنف في سوء استخدام منتج بريء. تختفي لحظة القرار، يغيب فعل التسليح، يتوارى التفويض السياسي. يبقى المجاز نظيفاً، خفيفاً، صالحاً للعرض التلفزيوني. صناعة وحش خارج الدولة تتحول إلى حكمة شعبية، والقتل يغدو خطأ في الوصفة لا جريمة في الفكرة.

وحين اقترب الحديث من أخطاء النظام السابق، اتّسع المسرح فجأة. جرى استدعاء الولايات المتحدة، ورمي الأحزاب بالموبقات، وفُتح أبواب المؤامرات. تقنية كيزانية مألوفة: كلما اقترب السؤال من الداخل، قفز الجواب إلى الخارج.

السودان، يا هداكِ الله، لم يصل إلى ما وصل إليه بفعل ضغط خارجي، وإنما عبر هندسة داخلية لسلطة متعجرفة، أعادت تشكيل الدولة وفق منطق التمكين، وخلطت بين الولاء والمؤسسة، وأضعفت الجيش الوطني لصالح مليشيات موازية، ثم تبرأت من نتائجها.

الأشد وقاحة في خطاب السيدة سناء هو الادعاء بأن الحركة الإسلامية تقف خارج دائرة الحرب الحالية. ادعاء لا يصمد أمام التاريخ ولا أمام الحاضر. فسجل الحركة منذ 1989 مكتوب بالوقائع: من هندس الدولة الأمنية، وأضعف الجيش، وفتح الأبواب أمام الميليشيات، لا يملك رفاهية الادعاء بأنه خارج النار. من يزرع البنادق لا يحق له التظاهر بالدهشة حين تنفجر، ومن يضع الأساسات لا يحق له ادعاء الحياد حين ينهار البناء.
في هذا السياق، تحوّل الدين إلى رصيد تعبوي، مظلة تحتمي بها السلطة، وأداة لتكثيف البنية الأمنية وتضييق المجال العام. الإيمان، الذي يفترض أن يسمو فوق الصراع، أُدخل إلى قلبه، فاختلطت القداسة بالحسابات اليومية.
ما طُرح في المقابلة يعكس ذهنية ترى الخراب تعثّراً طبيعياً في تطبيق مشروع كبير، ويتعامل مع الدم باعتباره كلفة مؤجلة يمكن تجاوزها بمزيد من التمسك بالشعار نفسه.

السودان اليوم يدفع ثمن خيارات محددة، اتُخذت بأسماء معروفة وتحت رايات واضحة. القرى المحروقة، المدن المدمرة، الملايين الذين عبروا الحدود بحثاً عن ملاذ، ليسوا أرقاماً في تقرير، بل شهوداً على مسار سياسي لم يكن تفصيلاً في جدل نظري.
المقابلة كشفت عن فجوة فادحة بين خطاب مطمئن وواقع منكوب، فجوة تمثل جوهر الأزمة. إعادة إنتاج الرواية ذاتها تعني استمرار الدوران في الحلقة نفسها.

لم يكن الدين جوهر الحكم في السودان، بقدر ما كان أداته. استُخدم ستاراً لتبرير السرقة، ومظلة لحماية الفساد، ولغة لإذلال الناس، ومفردات لشرعنة القمع. السياسة لم تُهذَّب بالإيمان، بل أُطلقت باسمه. التمسك بخلط الدين بالسياسة اليوم لا يعكس شجاعة فكرية، إنما يرسّخ عجزاً عن الاعتراف بأن “المشروع الحضاري” تحوّل إلى ماكينة تدمير، وما يحدث لا يعدو أن يكون إعادة تدوير للخطاب القديم ذاته.
ما قالته سناء حمد يتجاوز شخصها؛ إنه صوت تيار يرفض مغادرة المسرح، ويصرّ على العودة إلى المشهد بلا فاتورة أخلاقية. يرى في الحرب عارضاً، وفي الدم هامشاً، وفي الدولة مساحة تجربة.
سؤال المحاسبة لا يحتاج إلى محكمة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة تسمية. من يصرّ على هذا الخطاب لا يحمي الإيمان، بل يحمي امتيازاً وتاريخاً من الإفلات. الحرب ليست لغزاً، هي نتيجة… والنتائج لا تُمحى بالمجاز، ولا تُطهَّر بالخطاب، ولا تُلغى بإعلان البراءة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …