عندما تُغلق الخيارات يبقى المضي للأمام لسودان التأسيس هو الخيار

مرّ بخاطري ما حدث في فيتنام وكمبوديا ويوغندا ورواندا، وأنا أعيش يوميًا تسلسل أنباء حرب السودان التي أشعلتها الكيزان:

هي خلاصة حتمية لما فعل مشعلوها ومكذبوها من فلول الجيش المؤدلج ومليشيات البراء، إذ فعلوا ما هددوا به، ولو كذبوا عند تحمل المسؤولية.

هي ضرورية لنخبة وساسة داوموا الفشل منذ ١٩٥٦… يدبجون السطور ويشكرون بعضهم البعض (شكارتا دلاكتا) على الأفكار النيرة.

ولولا تواضع مُتلف لما صبرت على ما أقرأ، وأنا الذي زار في مهام فيتنام وكمبوديا، وتحسس الطرقات التي انتشرت فيها قوات الفيتكونغ وثوار الخمير روج!! وأنا الذي عايش التجربة الرواندية منذ هرعنا إليها كعاملين في الأمم المتحدة بعد نهاية المقتلة العنصرية التي أهلكت قرابة المليون في اندفاع مجنون للتطهير العرقي، بينما أعيش الآن التجربة اليوغندية حيث لا يزال حكيمها وقائد قواتها يوري موسيفيني يعمل لإيصال فوائدها، سواء كثرت الأخطاء أو قلت.

كما رأيت بعيني ما فعلته الحرب العراقية الإيرانية، حيث حملت عربات التاكسي آلاف التوابيت شمالًا من البصرة إلى حيث الدفن في كربلاء، وهم في نظر الشيعة شهداء. ولا أرى في هذا الغلو صدقًا، بل مخالفة لأمر الله وحديث المصطفى الواضح: اليوم أكملت لكم دينكم.. ولا أرى لمسلم إلا أن يؤدي شعائر دينه آمنًا مطمئنًا في غرفة نومه أو على شفا الجروف وترع المزارع؛ فأرض الله واسعة لمن تأمل فيها.

وماذا نحن فاعلون في سودان الخير الذي فرّ منه إخوتنا في جنوبه، حيث يأملون في حكم أنفسهم بأنفسهم، ولهم ذلك بعون الله؟

أما ما تبقى من السودان المستباح فهي ١٨ ولاية وإقليم، يخرج منها غالب الموارد: البشر والطبيعة والزراعة والثروة الحيوانية، في أراضي التأسيس المحررة؛ تحت قيادة الشاب الشيخ القائد محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي اعترف بأخطائه واعتذر عنها، وأكد مع رفيق النضال عبد العزيز الحلو وعدد لا يستهان بهم من قادة الحركات المسلحة، دمج السلاح تحت راية جيش التأسيس، وفصل الحكم عن الجيش عند تسليم البلاد إلى مشروع التأسيس السلمي الديمقراطي الفدرالي المدني.

وحسب ذاكرتي، فنحن على مشارف ما قام به كيقامي وهو يغزو رواندا بعون موسيفيني. قالا للنخبة: اكتبا دبجا سطور الصحو والغفلة كما تفعل رهطكما من نخبة السودان، ولكن بعد الانتصار الموثوق… فالبلاد لا تُحكم من خلال قصيدة عصماء أو مقال ضاف، وإنما من خلال واقع ملموس ومحسوس؛ والسلام على من اتبع هدى الرحمن.

هناك لحظات في التاريخ لا يكون فيها التقدم شجاعة… بل ضرورة.

حين تُغلق كل الطرق، ويتراكم الفشل حتى يسد الأفق، لا يبقى أمام الشعوب إلا خيار واحد: أن تمضي إلى الأمام.

في كل هذه التجارب، هناك خيط واحد: حين تفشل النخب، تدفع الشعوب الثمن.

واليوم في السودان نقف أمام لحظة مشابهة.

أما ما تبقى من السودان، فليس مجرد جغرافيا… بل ثروة كاملة لم تُستثمر بعد كما ينبغي.

بلد تتداخل فيه عناصر القوة:
الأرض الخصبة التي تمتد بلا حدود،
والزراعة التي يمكن أن تطعم القارة،
والثروة الحيوانية التي تشكل عمقًا اقتصاديًا هائلًا،
والمعادن النفيسة الكامنة في باطنه،
والبترول والغاز كرافعة سيادية للطاقة،
وفوق كل ذلك — الإنسان السوداني،
الذي ظل رغم كل شيء قادرًا على البقاء… وعلى البناء.

وفي قلب هذه اللحظة، تبرز محاولة التأسيس لكسر الحلقة: بناء مشروع جديد، دمج السلاح، وفصل الحكم عن الحرب، والانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية.

والسؤال ليس: هل الطريق سهل؟
بل: هل هناك طريق آخر؟

السلام لا يُكتب في مقال… بل يُبنى في الواقع.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس

التاريخ: ١٧ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

الوصول الإنساني وقصة التمويل الأصغر: دروس من تجربة د. محمد يونس وبنغلاديش

ليس الوصول الإنساني مجرد فتح ممرات للإغاثة، ولا مجرد إدخال الدواء والغذاء إلى مناطق الحرب. …