كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
نشرت مجلة (المجلة) لقاءً صحفياً مع السيد فولكر بيرتس، المبعوث الأممي السابق للسودان، بتاريخ 15 يوليو 2025م، وقد تطرّق في هذا اللقاء إلى مؤشرات تفتّت السودان كدولة، وإلى عدم اهتمام المجتمع الدولي بالسودان بالشكل الكافي… وهنا تكمن مفارقة عجيبة: المتحدث نفسه كان أكبر دليل على اهتمام المجتمع الدولي بالسودان، كونه شغل منصب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لمساعدة السودان في قضايا الانتقال. وقد ترك السودان وهو يشهد أكبر نكسة، كان فولكر نفسه أحد أهم أسبابها.
في تجارب الأمم المتحدة مع حالات الانتقال السياسي في الدول الخارجة من أزمات متطاولة أو من قبضة أنظمة قمعية، غالباً ما يُشكّل تفويض البند السادس من ميثاق المنظمة الإطار الأرفع للدبلوماسية الناعمة، حيث تُمنح البعثة الأممية الوسائط الفنية والدبلوماسية كافة، لمساعدة الدولة المعنية، دون مساس بسيادتها أو اللجوء إلى وسائل الإكراه. يقتضي هذا النوع من التفويض قدرراً عالياً من الكفاءة والخبرة من المبعوث الأممي، في توظيف الأدوات المتاحة له لتحقيق أهداف واضحة ومحددة، تتّصل مباشرة بإسناد الانتقال المدني وترسيخ دعائم التحول الديمقراطي.
في الحالة السودانية، كان يُنتظر من فولكر بيرتس أن يُجسّد واحدة من أنجح هذه التجارب، لا سيّما وقد حظيت بعثته بدعم سياسي صريح من الحكومة الانتقالية، التي بادرت بطلب الدعم الأممي وفق البند السادس، واضعةً بذلك ثقتها في المؤسسة الدولية وفي قدرة آلياتها على تقديم المساعدة الفنية اللازمة، بعيداً عن أي وصاية أو تدخل خارجي. وقد كانت تلك خطوة ذكية من السيد عبد الله حمدوك رئيس الوزراء آنذاك كمحاولة لتحصين الانتقال من القوى التي كانت تتربص به.
غير أن فولكر بيرتس لم يكن في مستوى التطلعات. فقد أخفق، لا بسبب صعوبة الواقع السوداني فحسب، بل لأسباب ترتبط مباشرة بضعف أدواته كمبعوث، وبفقدانه القدرة على استشراف المخاطر الجوهرية التي تهدد عملية الانتقال. ولم يتمكن حتى من رسم خريطة لتلك المخاطر، ولو في سره.
إن جوهر الفشل لا يكمن فقط في تقاعسه عن دفع المهام الجوهرية للانتقال بطرح معالجات على مستوى السياسات الكلية التي تمهد الطريق للإنتقال السلس — مثل المساعدة في التعداد السكاني لبلد مترامي الأطراف كالسودان. ووضع مسودة للدستور الدائم تكون مرجعية حقيقية لأي سلطة قادمة، وصياغة قانون للإنتخابات الذي يُتوّج به مسار الإنتقال — بل يتجلّى بوضوح أكبر في عجزه عن التعامل مع اللحظة الفارقة التي تمثلت في انقلاب 25 أكتوبر 2021. ذلك الانقلابُ الذي كان أمام ناظريه، يُجهز على ما تبقّى من أفق الانتقال المدني الديمقراطي، دون أن يُحسن فولكر استخدام تفويضه لتحريك أدوات الأمم المتحدة، أو لدفع مجلس الأمن الدولي لتحمل مسؤوليته.
لقد بدا فولكر عاجزاً حتى عن تقديم إشارات إنذار مبكرة للخطر المحدق، فضلًا عن عجزه عن طرح مقترحات سياسية فاعلة تُسهم في كبح الانقلاب وردّه على أعقابه. وتحت مظلة البند السادس، كان بوسعه أن يفعل الكثير عبر أدوات القوة الناعمة، لكنه آثر الاكتفاء بتقارير روتينية وخطابات مترددة، بينما كانت اللحظة تتطلّب مبادرة وحزماً وإجراءات استباقية للمخاطر لا انتظار الكارثة.
لقد خرج فولكر من السودان وهو يُجرّ خلفه واحدة من أوضح إخفاقات الأمم المتحدة الحديثة في توظيف البند السادس، بعدما تحوّل وجود البعثة من فرصة لتثبيت التحول المدني إلى حضورٍ باهتٍ يراقب انهيار ما كان يمكن إنقاذه.
وما يجعل هذا الفشل مضاعفاً، أن بعثة الأمم المتحدة برئاسته أضاعت على المؤسسة الأممية فرصة لإثبات جدوى أدواتها الناعمة في دعم حالات مماثلة للانتقال الديمقراطي.
فقد كان من الواضح والجلي أمام الجميع أن هنالك ثمة قوى محلية وإقليمية تتكالب وتتربص لمنع تحوّل السودان نحو الحكم المدني. كان بوسع فولكر لو امتلك رؤية أكثر نضجاً، أن يستثمر وجود البعثة لتثبيت الأسس الفنية الصلبة التي تدعم أي انتقال مدني، بدل أن يهدر مقدرات الأمم المتحدة التي رُصِدت لدعم مهمته، فخرج منها بتقارير لم يجْنِ منها السودان ولا المنظمة الأممية سوى الخيبة.
وبينما يتنقّل فولكر اليوم في المنتديات بوصفه “خبيرًا” في الشأن السوداني، يغفل أن ما يحذّر منه الآن — من خطر تفكك الدولة واندلاع الحروب الأهلية — كان تحديداً ما فشل في منعه حين كان في قلب المسؤولية الأممية. لقد أضاع ليس فقط فرصة شخصية في سجل المبعوثين، بل أضاع على الأمم المتحدة فرصة تاريخية لتُسجل في دفاترها أن دبلوماسيتها الناعمة نجحت يوماً، في مساعدة بلد معقد على العبور إلى برّ الاستقرار والتحول الديمقراطي.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم