aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
من بين الأغاني الخالدة في ذاكرة السودانيين، تتسلل إلى الوجدان كلمات الفنان الكبير أبو عركي البخيت، ابن ود مدني، حين غنّى:
“ما زمان أنا وإنت لفّينا المواني
بالقطارات والمطارات والسفن…”
كلمات تحرّك الحنين، وتستحضر مشاهد السفر والتنقل التي شكّلت جزءًا من الهوية الوطنية في زمنٍ كان فيه السودان موصولًا بالعالم عبر سكك الحديد، والموانئ، والمطارات.
وفي هذا السياق العاطفي والتاريخي، تتوالى الأخبار المبهجة حول قرب إعادة افتتاح مطار الخرطوم الدولي، بعد فترة توقف فرضتها الحرب، إذ أفادت الأنباء في الوسائط بأن الاستعدادات تسير على قدمٍ وساق لعودة المطار إلى العمل، بمواصفات حديثة تليق بمكانته كمرفق وطني سيادي.
إعادة تشغيل مطار الخرطوم لا تمثّل فقط خطوة تقنية في مجال الطيران، بل هي عودة رمزية للحياة الطبيعية، وانطلاقة جديدة نحو الاستقرار والتنمية. فمنذ تأسيسه عام 1947 كمطار عسكري أنشأته سلطات الاحتلال البريطاني، تطوّر المطار ليصبح الواجهة الجوية الأولى للسودان، وربط الخرطوم بالعالم الخارجي لعقود طويلة.
وعلى امتداد الوطن، تنتشر المطارات التي أسهمت في ربط السودان داخليًا وخارجيًا، مثل:
- مطار بورتسودان،مطار كسلا
- مطار الأبيض،مطار الفاشر
- مطار مروي،مطار دنقلا
- مطار الجنينة،مطار نيالا
هذه المطارات، إلى جانب مهابط الطيران في المناطق النائية، تلعب دورًا محوريًا في تسهيل الحركة، ونقل الإمدادات، والاستجابة للطوارئ، فضلًا عن دعم الأمن الوطني والتبادل التجاري.
مدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، ورغم كونها المدينة الثانية في السودان ومن أهم المدن السودانية، وتُعد مركزًا زراعيًا استراتيجيًا بسبب موقعها وسط البلاد واحتضانها لمشروع الجزيرة العملاق، فقد توقفت حركة الطيران فيها منذ إغلاق مطار مدني القديم، الذي تحوّل لاحقًا إلى حيٍّ سكني بات يُعرف باسم “حي المطار”. وكان إغلاق مطار مدني آنذاك قرارًا تضررت منه الولاية وإنسانها والقطاعات الإنتاجية الحيوية فيها.
وعلى مدى السنوات الماضية، ظلّ الأمل معلّقًا بإعادة إنشاء مطار جديد يخدم مدينة ود مدني والمناطق المجاورة. بل وظهرت خطوات أولية حين حُجزت مساحة لموقع جديد شرق النيل، ووضعت لافتة تشير إلى المطار المقترح، غير أن المشروع لم يرَ النور بعد.
وقد كشف توقف مطار الخرطوم عن الحاجة الملحّة لوجود مطار بديل في وسط البلاد، خاصة بعد أن أصبح مطارا بورتسودان وكسلا الخيارين الوحيدين للسفر الجوي داخل السودان وخارجه.
ومع تحرير مدينة ود مدني، عاد الحلم القديم ليتجدّد. فقد أُعلن عن خطط لتشييد مطار مدني الجديد، وسط ترحيب واسع من المواطنين، وتفاؤل بأن يشكّل هذا المشروع انطلاقة جديدة نحو التنمية المستدامة في ولاية الجزيرة وما حولها.
لا تقتصر أهمية المطارات على الرحلات الجوية، بل تُعد عصبًا حيويًا يؤثر في مختلف مناحي الحياة، حيث تُساهم في:
- دعم الاستقرار والتكامل الوطني
•تعزيز التنمية الاقتصادية والزراعية
•نقل المواد الطبية والإغاثية في الطوارئ
•تصدير الموارد الطبيعية (كالذهب، والثروة الحيوانية، والصمغ العربي)
•جذب الاستثمارات الأجنبية عبر تحسين البنية التحتية
•تنشيط السياحة واستكشاف المواقع الأثرية والطبيعية
وفي بلدٍ يعاني من ضعفٍ في شبكة الطرق البرية، تصبح المطارات هي الخيار الأسرع والأكثر أمانًا لربط المناطق المختلفة، وتقليص المسافات، وتلبية الاحتياجات اليومية للمواطنين.
وبينما ننتظر إعادة افتتاح مطار الخرطوم، بكل ما يحمله من رمزية وطنية، يظل أملنا معقودًا أيضًا على أن تمتد يد البناء إلى مدينة ود مدني، فتُستأنف فيها حركة الطيران، ويُبعث المطار من جديد كنافذة تطل بها المدينة على العالم، تمامًا كما كان يحلم به الفنانون والمواطنون منذ عقود.
فالمطارات ليست مجرد مدارج للطائرات، بل محطات للذاكرة، ومنصات للحياة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم