مقالات نبض الواقع مرجعيه من بطون كتب
في كل مرة يقفز الذهب إلى العناوين،
يظن البعض أننا على أعتاب تحول تاريخي في النظام النقدي العالمي.
لكن السؤال الأعمق ليس لماذا يرتفع الذهب، بل لماذا — رغم كل شيء — لا يسقط الدولار؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،
تشكل النظام المالي العالمي حول اتفاقية اتفاقية بريتون وودز، التي منحت الدولار موقع القلب في الاقتصاد العالمي.
وحتى بعد انهيار قابلية تحويله إلى ذهب عام 1971 بقرار من ريتشارد نيكسون، لم يفقد الدولار مكانته، بل ازداد نفوذاً.
اليوم، حين يعود الذهب إلى الواجهة، يُقرأ ذلك غالباً كإشارة ضعف في النظام الورقي.
لكن الواقع أكثر تعقيداً.
أولاً:
لماذا يرتفع الذهب؟
الذهب يرتفع في ثلاث حالات كبرى:
– عند تصاعد التوترات الجيوسياسية.
– عند ارتفاع التضخم وتآكل القوة الشرائية.
– عند اهتزاز الثقة في الاستقرار المالي.
هو ليس بديلاً كاملاً للنظام، بل مؤشر قلق داخله.
يشبه جهاز إنذار مبكر، لا بديلاً عن البنية التحتية.
ثانياً:
لماذا لا يسقط الدولار؟
رغم كل الحديث عن “نهاية الهيمنة”، لا يزال الدولار العملة الأساسية في التجارة العالمية، وتسعير النفط، واحتياطيات البنوك المركزية،
وأسواق الدين.
القوة هنا لا تكمن في الورق ذاته، بل في شبكة كاملة من المؤسسات:
– عمق الأسواق المالية الأمريكية.
– قوة النظام القانوني.
– حجم الاقتصاد.
– الثقة التاريخية المتراكمة.
الاقتصادي جون ماينارد كينز كان يرى أن النظام النقدي لا يقوم على المعدن،
بل على الثقة والتنظيم.
والثقة، حتى الآن، ما زالت تميل لصالح الدولار.
ثالثاً:
هل الذهب منافس حقيقي؟
الذهب أصل محدود، لا يمكن توسيع عرضه بسهولة.
وهذا ما يجعله جذاباً كخزان للقيمة، لكنه غير عملي كنظام نقدي حديث يعتمد على الائتمان والتمويل المعقد.
في كتابه “التنمية كحرية”، شدد أمارتيا سن على أن التنمية تتطلب مرونة مالية وقدرة على تمويل الاستثمار والخدمات العامة.
نظام جامد قائم على معدن نادر قد يقيّد هذه المرونة.
بمعنى آخر:
الذهب يحمي الثروة، لكنه لا يدير اقتصاداً معقداً يضم مئات الملايين من المعاملات اليومية.
رابعاً:
تعددية قطبية أم قلق دوري؟
صحيح أن بعض الدول زادت احتياطياتها الذهبية،
وصحيح أن هناك محاولات لتنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار.
لكن ذلك أقرب إلى إدارة مخاطر، لا إعلان قطيعة.
النظام النقدي العالمي ليس قراراً سياسياً لحظة واحدة،
بل شبكة مصالح عميقة.
والانتقال منه يحتاج بديلاً متكاملاً، لا مجرد معدن لامع.
خامساً:
قراءة في العمق
الذهب يعود عندما يقلق العالم.
لكنه يتراجع عندما تستعيد الأسواق توازنها.
الاقتصادي والمؤرخ نيال فيرغسون وصف المال بأنه قصة ثقة جماعية.
طالما بقيت القصة مقنعة، يبقى الدولار مركزها.
لذلك يمكن القول إن عودة الذهب ليست ثورة، بل استراحة قلق.
استراحة تعكس توتراً، لكنها لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً.
الخلاصة
الذهب صوت الخوف.
والدولار صوت النظام.
قد يرتفع الذهب مع كل أزمة،
لكن حتى الآن، لا يزال العالم يدير تجارته، ديونه، واحتياطياته بالدولار.
السؤال الحقيقي ليس هل يرتفع الذهب،
بل: متى يفقد الدولار شبكة الثقة التي تحمله؟
إلى أن يحدث ذلك — إن حدث —
سيظل الذهب ملاذاً،
ويظل الدولار العمود الفقري.
وفي مقالنا القادم انشاء الله يمكن أن نناقش:
هل يمكن أن يظهر بديل حقيقي للدولار؟
أم أن العالم محكوم بشبكة لا يمكن كسرها بسهولة؟
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في أفريقيا
sanhooryazeem@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم