عودة “الصيحة” تحقق بعضاً من مطلوبات الحوار الوطني .. بقلم: إمام محمد إمام

مما لا ريب فيه، أنّ التوجيه الذي أصدره الأخ الرئيس عمر البشير إلى الجهات المختصة للعمل على رفع تعطيل صدور صحيفة “الصيحة”، كان قراراً رئاسياً موفقاً، وتزامن مع أحداثٍ جسامٍ يشهدها الحراك السياسي السوداني هذه الأيام. وأحسبُ أنه من الضّروري أن نبسط القولَ في أنّ رفع تعطيل صدور صحيفة “الصيحة”، يرفع عن كاهل النظام مُضاغطاتٍ سياسيةٍ داخليةٍ وخارجيةٍ، متعلقةٍ بالحُريات التي ينبغي أن تسبق مداولات الحوار الوطني، ولكن ليس من الضّرورة أن تكون هذه المُضاغطات السياسية لإحداث انفراجٍ في الحريات، بدءاً بحرية الممارسة السياسية الحزبية، ومروراً بحرية التعبير، وانتهاءً بحرية الصّحافة، باعتبار أن هذه الحُريات وغيرها من حريات أُخر، تُسهم إسهاماً فاعلاً في تسريع خُطى الحوار الوطني، وبلورة بعض الأجندات الوطنية التي يجد أطرافُ هذا الحوار الوطني لا مناص من مناقشتها في سبيل معالجة الوضع السياسي والاقتصادي الرّاهن المأزوم.
ما أن علمتُ بهذا الخبر المُفرح المتعلق برفع تعطيل صدور “الصيحة”، صباح أمس (الجمعة)، حتى سارعتُ بالاتصال بالأخ الطيب مصطفى ناشر الصحيفة، مهنئاً بخبر معاودة صدورها، خاصةً بُعيد يومٍ واحدٍ من وقفةٍ احتجاجيةٍ نظمها العاملون في صحيفة “الصيحة” أمام مقر المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية أول من أمس (الخميس)، احتجاجاً على إيقاف صحيفتهم دون معرفة حيثياتِ وأسبابِ التعطيل طوال هذه الفترة.
وفي رأيي الخاص، أن توجيه الأخ الرئيس عمر البشير المتعلق برفع تعطيل صدور صحيفة “الصيحة”، أحسبه من الخطوات المُهمة في السعي الحثيث لإحداثِ قدرٍ من الانفراجات في مطلوبات الحوار الوطني، ومن أهمها الحُريات، لا سيما حرية الصّحافة التي لا شكّ في أنها تُسهم في تشكيل رأيٍّ عامٍ مؤيدٍ للحوار الوطني، باعتباره المخرج الأهم – إن لم يكن الوحيد – لما نحن فيه من أزمةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ، وإنْ أنكرها البعضُ، وهي غيرُ منكورةٍ لدى كثيرٍ من السودانيين داخل السودانِ وخارجه.
وأكبرُ الظنِّ عندي، أنّ هذا التوجيه الرئاسي، تولد عند الأخ الرئيس عمر البشير، بعد كثير نظرٍ، وطويل تفكيرٍ، دعماً لتهيئة الأجواء المناسبة المُفعمة بالحرياتِ والحراك السياسي لتسريع خُطى الحوار الوطني. وقصد من هذا التوجيه الرئاسي أيضاً أنه يُؤمِّلُ الكثير من الوسائط الصّحافية والإعلامية في دعم الحوار الوطني، بالرُّؤى والأفكار من خلال ما يُطرح ويُناقش فيها، من قضايا وموضوعات مختلفة، تصبُّ في مُنتهاها لمصلحة العباد والبلاد.
أخلصُ إلى أن ما يردده البعضُ من أن توجيه الأخ الرئيس عمر البشير إلى الجهات المختصة برفع تعطيل صحيفة “الصيحة”، جاء نتيجةَ مُضاغطة سياسية خارجية، بل ذهب بعضُهم إلى أنها مُضاغطة ساسية أميركية، بدعوى أن الولايات المتحدة الأميركية، ترهنُ معالجة قضايا السودان الشَّائكة بالحوار الوطنيِّ، بعد أن يئست في مغالبة نظام الإنقاذ بالسلاح عبر الحركات المسلحة، وأخفقت في زعزعته بالمعارضة المدنية، ولذلك ستبذل قُصارى جهدها لإقناع المعارضة المدنية والحركات المسلحة إلى الانخراط في هذا الحوار الوطني، باعتباره المأمول منه معالجة توافقية، وفقاً لأجندات وطنية للمُشكل السوداني. فأرادت أن تُشكل مُضاغطةً على مؤسسة الرئاسة؛ لإحداث انفراجات معلومة في الحريات، لا سيما حُرية التعبير وحرية الصّحافة، ولكن أهلَ هذا الرأي لم يقدموا حيثيات قوية، وأدلةً قاطعة على أن الأمر مثل ما ذهبوا إليه. على كلٍّ نحنُ من الذين يؤيدون الحوار الوطني بلا تحفظ، وندعو مُخلصين إلى مشاركةِ الأحزاب والقُوى السياسية والحركات المسلحة، باعتبار أنّ اعتصام هؤلاء بحبلِ الحوار الوطنيِّ، سيؤدي في نهاية المطاف إلى وفاقٍ وطنيٍّ يُعالج المُشكل السودانيِّ بتوافقِ أجنداتٍ وطنيةٍ. فمن هنا نرى أن ما حدث من رفعٍ لتعطيل صحيفة “الصيحة” أمس (الجمعة) يُمثل بُشريات رئاسية لتهيئةِ أجواء، يُمكن معها إنفاذ مطلوبات الحوار الوطنيِّ، في انتظارٍ مشوب بالتفاؤل لمُخرجاته ومآلاته مستقبلاً.
ولنستذكر في هذا الصّدد، قول الله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”.
وقول أمير الشعراء أحمد بك بن علي بن أحمد شوقي:
إِلامَ   الخُلفُ  بَينَكُمُ   إِلاما وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكيدُ  بَعضُكُمُ   لِبَعضٍ وَتُبدونَ  العَداوَةَ  وَالخِصاما
وَأَينَ    ذَهَبتُمُ   بِالحَقِّ  لَمّا رَكِبتُم  في قَضِيَّتِهِ   الظَلاما
لَقَد صارَت لَكُم حُكماً وَغُنماً وَكانَ شِعارُها المَوتَ الزُؤاما
وَثِقتُم   وَاِتَّهَمتُم  في  اللَيالي فَلا  ثِقَةً  أَدَمنَ  وَلا   اِتِّهاما
شَبَبتُم  بَينَكُم في القُطرِ ناراً عَلى   مُحتَلِّهِ   كانَت  سَلاما
إِذا ما  راضَها  بِالعَقلِ قَومٌ أَجَدَّ  لَها  هَوى قَومٍ  ضِراما
i.imam@outlook.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً