الخرطوم… المدينة التي كانت مهجعاً يسكّن روع الجيران في الإقليم، حتى سمّوها «عاصمة اللاءات الثلاث»، صارت ركاماً من النيران والدم. عاصمة هجرتها الطمأنينة، ولم تعد تعرف النوم، تتقلب في فراشها الملتهب منذ اندلاع الحرب. طائرات تحوم فوقها. مدافع تفتك بأحيائها. بيوت تُنهب، وأخرى تُحرق، وثالثة تتحول إلى قبور.
المدينة التي غنّى لها التجاني وعقد الجلاد (يا جمال النيل/ والخرطوم بالليل)، ما عادت كذلك. صارت أشبه بخرطوم أخرى نادها حُمّيد ذات يوم، في حسرة باكية: (يا خرطوم وينك، وينك/ شن شبّ وقَـلَبـك/ سَلبك نُوبتك بِجتك وعَربك)… أضحت شاهداً حجرياً على قبر أمة مزّقها أبناؤها قبل أن ينال منها الغرباء.
وحين جاء القرار الأخير من المجموعة الرباعية، ساعياً إلى وضع سياق دبلوماسي ينهي المأساة، جاء محمّلاً برسالة قاسية لأعداء السلام: لا مكان للكيزان في أي تسوية سياسية مقبلة. كان الإعلان أقرب إلى مرسوم طلاق بائن مع جماعة استوطنت السلطة ثلاثة عقود ونيّف، ثم سقطت تحت أقدام ثورة شعبية ملهمة.
لم يكن القرار مجرد ورقة دبلوماسية. كان صفعة على وجه منظومة ما زالت تظن أنها قادرة على العودة متخفية بثياب الجيش أو عبر صفقات الغرف المظلمة.
وقبل أن يجفّ الحبر على البيان، ارتفع العويل. علي كرتي، الوزير الهارب، خرج من مخبئه وهو يندب مصير الحركة. أحمد هارون، المطلوب للعدالة الدولية، تحدث وكأنه ضحية التاريخ. أصوات أخرى لحقت بهم: سياسيون متوارون خلف الميكروفونات، يتحدثون عن المؤامرة، عن استهداف الإسلام، عن الغرب الذي يريد تقسيم السودان. بدا المشهد أقرب إلى مأتم جماعي؛ رجال يذرفون دموع التماسيح على وطن دمروه بأيديهم.
السودانيون ومدنهم النازفة لا يبالون ببكاء الثعالب. الشوارع التي احترقت، النساء اللواتي فقدن أبناءهن، الأطفال الذين دفنوا طفولتهم في المعسكرات… هؤلاء لا تثيرهم خطابات كرتي ولا دموع هارون. الخرطوم وأخواتها يعرفن أن من ينوح اليوم هو ذاته من صفق للبشير وهو يفتح بيوت الأشباح، وهو من صنع الجنجويد وغطّى جرائم دارفور، وهو من حوّل الجيش إلى ذراع أيديولوجي بدل أن يبقيه حارساً للوطن.
بيان الرباعية كان جزءاً من مشهد أكبر. العقوبات الأميركية تطارد الكيزان واحداً تلو الآخر. جبريل إبراهيم صار اسماً على لائحة سوداء. وآخرون ينتظرون دورهم. الرسالة واضحة: نحن لا ننسى، ولا العالم سينسى. الجريمة التي ارتكبت في المدن والقرى لا تمحوها خطب الجمعة، ولا بيانات التباكي. والفساد الذي التهم خزائن البلد وخيراته لن يتأبّد في الأرشيف.
يبقى السؤال معلّقاً: هل تكفي قرارات الرباعية والعقوبات لإغلاق صفحة الكيزان إلى الأبد؟ أم أن أشباحهم ستعود من تحت الركام كما تعود الحشرات بعد زخة مطر؟
السودانيون يعرفون أن معركتهم الأعمق ليست ضد الغرب ولا بياناته، بل ضد الكيزان، ضد عقلية مُستحكمة ترى في الدولة مزرعة شخصية، وفي الدين سيفاً، وفي الشعب قطيعاً.
هذه المعركة لن تُحسم ببيان خارجي ولا بعقوبة دولية، بل بقدرة السودانيين على نزع الكيزان من جذرهم الأعمق: من الذاكرة والوعي والتاريخ.
في النهاية، ينوح الكيزان اليوم على قرار الرباعية كما ينوح الغريق على قشة أخيرة فاتته قبل أن تبتلعه الموجة. لكن نواحهم بلا أثر: لا يبني حجراً في الخرطوم، ولا يوقف رصاصة في أم درمان، ولا يعيد طفلاً إلى أمه في الفاشر. إنه مجرد صوت عارٍ، يذكّر السودانيين بأن الخراب لم يسقط عليهم من السماء، بل خرج من دواخلهم يوم صدقوا أن الدّين يمكن أن يُختزل في حزب، وأن الوطن يمكن أن يُختزل في غنيمة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم