باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 26 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

غزو السودان عام ١٨٩٦: هيمنة القرار البريطاني ومحدودية النفوذ المصري

اخر تحديث: 25 أكتوبر, 2026 11:07 مساءً
شارك

غزو السودان عام ١٨٩٦: هيمنة القرار البريطاني ومحدودية النفوذ المصري — تحليل كمي يقدّر المساهمة المصرية بنحو ٢٢٪ في مجمل العملية و١٠٪ في صناعة القرار

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

ينطلق المقال من سؤال محدد: إلى أي حد شاركت مصر في قرار غزو السودان عام ١٨٩٦ وما دوافعها مقارنةً بدوافع بريطانيا؟ والمقصود قرار الغزو لا قرار الحكم. ويخلص إلى أن النفوذ المصري في صنع القرار كان محدوداً جداً، ويقدّره تقريباً بنحو عُشر وزن القرار في نطاق يتراوح بين خمسة وخمسة عشر في المئة. ومع ذلك كانت مصر أداة لا غنى عنها في التنفيذ، إذ وفّرت الجيش والخزينة والغطاء القانوني، فارتفعت حصتها في الجهد الكلي إلى نحو اثنين وعشرين في المئة. وتختلف الدوافع، فبريطانيا تحرّكت بدافع أمن النيل وتنافسها مع فرنسا وإيطاليا، ومصر الرسمية تحرّكت بدافع المصلحة المائية والأمنية والسيادية داخل حدود رسمها الاحتلال. وتعتمد الدراسة منهج السرد التحليلي، وتنبّه إلى أن الوثائق البريطانية تهيمن على الأدلة وأن الشهادات المصرية شحيحة، فالتقدير استدلالي جزئياً والأرقام تقريبية، وتستفيد كذلك من قراءات سودانية حديثة تُنقَّح بمصادرها.

وتبدأ الدراسة بتحقيق التاريخ والتسمية، فالقرار اتُّخذ في مارس ١٨٩٦ بعد هزيمة الإيطاليين في عدوة في أول مارس، وأذن مجلس الوزراء البريطاني بالتقدم نحو دنقلا في الثاني عشر منه، وتلقى السردار كتشنر أوامره بين الثاني عشر والرابع عشر، ودخلت قواته السودان في الثامن عشر. وتميّز بين ثلاثة قرارات متداخلة: قرار دنقلا وهو موضوع المقال، وقرار مواصلة الزحف إلى بربر والخرطوم بعد أبو حمد في أغسطس ١٨٩٧ وعطبرة في أبريل ١٨٩٨ وأم درمان في الثاني من سبتمبر ١٨٩٨، وقرار صيغة الحكم الثنائي في يناير ١٨٩٩. وتبيّن أن القرار تطوّر تدريجياً من تحرك تحويلي محدود إلى مشروع شامل، وأن لندن طمأنت باريس بأنه لن يتجاوز دنقلا.

وتعرض الجذور بدءاً بالحكم التركي المصري منذ ١٨٢٠ وإبادة جيش هكس نحو عشرة آلاف جندي في شيكان في نوفمبر ١٨٨٣ وسقوط الخرطوم في يناير ١٨٨٥. وتستدل باستقالة رئيس الوزراء المصري شريف باشا عام ١٨٨٤ اعتراضاً على سياسة الإخلاء على أن الوزارة المصرية كانت تملك رأياً ولا تملك قراراً. ثم استقرت الحدود عند وادي حلفا، وأعاد جرنفل بناء الجيش بضباط بريطانيين فانتصر في توشكي في أغسطس ١٨٨٩، وأتاح تحويل الدين عام ١٨٩٠ احتياطياً مالياً، وبلغت الإيرادات نحو عشرة ملايين جنيه مع فائض قياسي. وكانت الدولة المهدية قد استُنزفت بحروبها مع إثيوبيا من نهب قندر عام ١٨٨٨ إلى مقتل يوهنس الرابع في القلابات عام ١٨٨٩، ثم بمجاعة وأوبئة بين ١٨٨٩ و١٨٩٢، وبانتصارات الإيطاليين في أغوردات وكسلا عامي ١٨٩٣ و١٨٩٤. وكان كرومر متردداً ماليا، ورأى أن السودان لا يستحق الإفلاس، وطمأنته الحكومة في نوفمبر ١٨٩٥ بأنه لا خطة للغزو. وأظهر صدام الخديوي عباس حلمي الثاني مع كتشنر في يناير ١٨٩٤ واعتذاره بضغط كرومر أن الخديوي لا يملك الاعتراض في شأن الجيش، وأن معارضة مصطفى كامل المقيم صيفاً في فرنسا كانت موجّهة إلى الجلاء لا إلى السودان.

ويفصّل السياق الأوروبي في مارس ١٨٩٦. فهزيمة عدوة وحصار حامية كسلا الإيطالية دفعا روما إلى طلب إلهاء عسكري، وساهم تقدير لندن للملكية الإيطالية وللحلف الثلاثي في الاستجابة. وفي الخلفية سباق فرنسي نحو النيل بدأت فكرته عام ١٨٩٣، وتحذير غراي في مارس ١٨٩٥ من أن أي تقدم فرنسي نحو النيل عمل غير ودّي، وبعثة ماركان التي أبحرت من بوردو في يونيو ١٨٩٦ وبلغت فاشودة في يوليو ١٨٩٨. وتلاحظ الدراسة أن قرار دنقلا سبق إبحار ماركان بثلاثة أشهر، فبعثته ليست الحدث الذي حرّك القرار بل التهديد المتوقع. وتضيف أن إيطاليا سلّمت كسلا سلماً في ديسمبر ١٨٩٧. وتتناول دبلوماسية ١٨٩٤: ادّعاء بريطانيا أعالي النيل نيابةً عن مصر في فبراير، ثم اتفاقيتها مع الكونغو الحرة في مايو التي أجّرت بحر الغزال لليوبولد، ثم شطب مادة الممر في يونيو احتجاجاً ألمانياً، ثم المعاهدة الفرنسية الكونغولية في أغسطس التي قصرت مطالبه على جيبة لادو التي ضُمّت إلى السودان عام ١٩١٠. ولم تكن مصر طرفاً في شيء من ذلك، وهو دليل مبكر على أن الصفة المصرية للسودان كانت أداة بريطانية.

وفي هندسة القرار تبيّن الدراسة أن مراكز القرار الحاسمة بريطانية: سالزبوري رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية، ومعه هيكس بيتش وبلفور وتشمبرلين، وكرومر قنصلاً عاماً يتحكم عملياً في الوزارة المصرية، وكتشنر سرداراً منذ ١٨٩٢. وفي الجانب المصري الخديوي ورئيس وزرائه مصطفى فهمي القريب من كرومر. وبينهما صندوق الدين العام بمفوضيه الستة والمحاكم المختلطة والسلطان العثماني. ويؤكد تصريح بلفور في يوليو ١٨٩٦ أن الحكومة المصرية هي المسؤولة رسمياً عن الحملة بينما تعير بريطانيا ضباط أركان بلا مقابل وتتحمل نقل قواتها، أن المسؤولية القانونية نُسبت إلى مصر وبقيت الفاعلية بريطانية.

وفي تسلسل الوقائع، أمر كتشنر في الرابع عشر من مارس بإعادة احتلال أكاشا. وبرّر وكيل الخارجية الحملة أمام مجلس العموم في السادس عشر بخطر الدراويش وبمصلحة مصر الدائمة وبأهمية دنقلا مخزناً للحبوب، ووصفتها المعارضة بأنها عملياً قوة إنجليزية. وفي الثلاثين من مارس أُعلن أن تفسير الخديوي للسلطان مطابق تماماً لتفسير الحكومة البريطانية. وصوّت في أواخر مارس أربعة من مفوضي الصندوق، البريطاني والألماني والنمساوي والإيطالي، لصرف خمسمئة ألف جنيه مصري من الاحتياطي، وعارض الفرنسي والروسي. ووصلت قوة هندية إلى سواكن في الثلاثين من مايو فحررت كتائب مصرية وسودانية. وبحلول الرابع من يونيو جمع كتشنر نحو تسعة آلاف رجل معظمهم مصريون وسودانيون، ثم وقعت معركة فركة في السابع من يونيو وأُسر فيها نحو خمسمئة انضم بعضهم إلى الكتائب السودانية. وفي منتصف يونيو أعلن سالزبوري أن السياسة إعادة الأراضي إلى مصر بموارد مصر وأن دنقلا طريق الخرطوم وأن السرعة محكومة بالمال. ثم جاءت حفير في السابع عشر إلى التاسع عشر من سبتمبر ودخول دنقلا في الثالث والعشرين، ثم الدبة في الثالث من أكتوبر ومروي وكورتي.

وفي الدوافع البريطانية خمس مجموعات: جيوسياسية تجعل أعالي النيل مفتاح مصر وقناة السويس وطريق الهند، وتنافسية مع فرنسا وشبكة إيطاليا وألمانيا والنمسا، وظرفية هي طلب إيطاليا النجدة، وسياسية داخلية تتصل بمقتل غوردون والثأر والمكانة وحسابات الحكومة الائتلافية، وإدارية مالية تتصل بالفائض والاحتياطي وبمعلومات الفيضان من مقاييس المنسوب الجديدة. وتؤكد أن كرومر لم يكن صاحب المبادرة ولا متحمساً لها بل انتقل إلى القبول ثم صار ضابط النفقات. وتعرض الخلاف بين الباحثين: فمن يقدّم الزناد الإيطالي يرى أن الحرب نشأت من رغبة سالزبوري في تلبية الحاجة الإيطالية وأن أهداف كتشنر كانت في البداية محدودة بدنقلا، ومن يقدّم فشودة والنيل يرتّب الدوافع بوضع مياه النيل أولاً ثم منع فرنسا ثم الخط الأحمر من الكاب إلى القاهرة ثم الثأر والهيبة ثم نجدة إيطاليا ثم المغانم الاقتصادية، ويستشهد بالأوامر المختومة التي فُضّت بعد أم درمان وبسرعة بلوغ فشودة في ستة عشر يوماً بعد عامين ونصف من التقدم البطيء. وترى الدراسة أن القراءتين متكاملتان زمنياً، فالأولى تفسر لحظة القرار والثانية تفسر اتساعه، وأن الأوامر المختومة تخص ١٨٩٨ فلا تثبت وحدها دوافع ١٨٩٦، وأن المبادرة في الحالين لندنية.

وفي الدوافع المصرية تفرّق الدراسة بين مستويات. فالخديوي موقفه مزدوج بين رمز التبعية في جيش بقيادة بريطانية ورغبة في هيبة العرش، وأنشأ وسام السودان في فبراير ١٨٩٧، ولا دليل موثقاً على أنه بادر بالحملة أو عارضها علناً، وتبقى فرضية أنه أراد توظيف الطموح الفرنسي ضد الاحتلال مجرد فرضية. والوزارة تنفّذ ما يقرره كرومر. والضباط ربما رأوا فرصة مهنية، والجنود يخشون ذاكرة هكس والتجنيد القسري، وتتفاوت مدة الخدمة بين ست سنوات للمصريين ومدى الحياة للسودانيين الذين جُنّدوا قبل ١٩٠٣. وأقوى الدوافع الموضوعية النيل ثم الحدود الجنوبية ثم طرق التجارة ثم الحجة السيادية التي دافع عنها مؤرخون مصريون. لكن الأدلة على الرأي العام المصري ضعيفة، فالصحافة مراقبة والجمعية العمومية والمجلس التشريعي استشاريان ولا دليل على استشارتهما. وقد رفع الخطاب البريطاني نفسه مصلحة مصر إلى مرتبة التبرير الأول، وفي قراءة سودانية لكتاب لويس يظهر الخديوي قناعاً لا طرفاً. فالدافع المصري موجود لكنه ثانوي في ترتيب الأسباب ومستخدم لتغطية الدافع البريطاني.

وتتتبع الدراسة خمس قنوات للنفوذ المصري. الأولى الشرعية القانونية، فالسودان في الرواية الرسمية أرض مصرية، وكان الغزو الحامل للعلم المصري أصعب على الفرنسيين الطعن فيه، وقرّر كرومر في ديسمبر ١٨٩٦ إبقاء العلم المصري. وقد سبقت هذه الورقة القرار في ١٨٩٤ وتواصلت إلى فشودة وبلغت غايتها في اتفاقية ١٩ يناير ١٨٩٩ التي وقّعها كرومر عن بريطانيا وبطرس غالي عن مصر وعرّفت السودان بما جنوب خط العرض ٢٢ وأسندت السلطتين العسكرية والمدنية إلى حاكم عام يعيّنه الخديوي بتوصية بريطانية واستبعدت المحاكم المختلطة والقناصل. والثانية الجيش، فقوة الغزو الأولى بين تسعة آلاف وأحد عشر ألفاً مصرية سودانية تقريباً كلها، وفي أم درمان بلغ نصيب المصريين والسودانيين بين خمسة وستين وتسعة وستين في المئة من قوة بين ثلاثة وعشرين ألفاً وخمسة وعشرين ألفاً ومئة وثمانمئة. والثالثة المال، فالاحتياطي مصري وإن لزمت موافقة الصندوق الأوروبي. والرابعة الموافقة الشكلية من الخديوي والوزارة وردّه على السلطان. والخامسة القيد المالي الذي حدّد وتيرة الحملة وأخّر الزحف من دنقلا إلى الخرطوم عاماً ونصفاً.

وفي القياس الكمي التقريبي، وهو اجتهاد تحليلي شفاف لا قياس تجريبي، تُقسَّم عناصر القرار إلى ستة أبعاد بأوزان: المبادرة وتحديد الهدف ثلاثون في المئة، والتوقيت والنطاق عشرون، والقيادة والتعيينات عشرة، والإذن المالي والتمويل خمسة عشر، والتأطير القانوني والدبلوماسي عشرة، والتنفيذ البشري والعتاد خمسة عشر. ويقدَّر نصيب مصر في كل بعد بالترتيب: اثنان في المئة، وثلاثة، وعشرة، وخمسة وعشرون، وخمسة وعشرون، وتسعون. فيكون نصيبها الإجمالي نحو اثنين وعشرين في المئة، ونصيبها في القرار وحده نحو عشرة في المئة، ويتراوح بين خمسة وخمسة عشر عند مضاعفة الافتراضات أو تنصيفها، فتبلغ حصة بريطانيا من القرار بين خمسة وثمانين وخمسة وتسعين في المئة. ويعزّز ذلك مؤشر مالي: بلغت كلفة دنقلا نحو سبعمئة وثلاثة وثلاثين ألف جنيه، أي نحو سبعة في المئة من الإيرادات السنوية، وسلّف الصندوق خمسمئة ألف جنيه مصري، ثم قضت المحكمة المختلطة في يونيو ١٨٩٦ بإعادتها وأيّدت الاستئناف ذلك في الثاني من ديسمبر، فسُدّد نحو خمسمئة وخمسة عشر ألفاً وستمئة جنيه في الثامن منه بقرض بريطاني قدره ثمانمئة ألف جنيه أُسقط لاحقاً. وإن صحّ ذلك فقد انتقل نحو سبعين في المئة من العبء النهائي إلى الخزانة البريطانية، وهو استنتاج حسابي لا رقم موثق، ولا يناقض الرواية الرسمية عن تمويل مصر عند الانطلاق. وفي التقييم النوعي كانت قوة وضع الأجندة بريطانية تقريباً بالكامل، وقوة الفيتو منعدمة، وقوة الموارد مرتفعة، وقوة الإضفاء الشرعي متوسطة إلى مرتفعة، وقوة القيد البنيوي متوسطة، فالنفوذ المصري نفوذ وسيلة لا نفوذ فاعل يقرر.

وتمثّل قضية الصندوق والمحاكم المختلطة اختباراً حدّياً: فحين رفعت فرنسا وروسيا اعتراضهما وأقام حملة السندات الفرنسيون دعوى ضد الصندوق والوزراء، كانت بريطانيا هي التي تدافع عن القرار، وانحنت الحكومة المصرية لنصيحتها وأعادت الدفع، وتدخّل كرومر بنفسه لتقديم القرض. واقترح في ديسمبر ١٨٩٦ أن يدير كتشنر دنقلا نيابة عن الحكومة البريطانية إلى حين سداد المال مع بقاء العلم المصري، فلم يلق حماساً من سالزبوري. فصارت مصر ساحة لصراع أوروبي على أرضها وبمالها لا طرفاً. وتفسّر محدودية نفوذها أربعة عوامل: بنيوي هو الاحتلال منذ ١٨٨٢ ووجود المستشارين، ومؤسسي هو قيادة الجيش البريطانية، ومالي هو سيطرة الصندوق الأوروبي على الاحتياطي، وسياسي هو انشغال المعارضة بالجلاء.

وفي البعد السوداني تبيّن أن السودانيين كانوا حاضرين بلا صوت: ست كتائب سودانية من ست عشرة كتيبة مشاة، أي نحو ثمانية وثلاثين في المئة، بوضع قانوني غامض بين العتق والتجنيد الدائم، وبعضهم جُنّد من أسرى المهدية والفارّين منها، وتكشف تجربة الجهادية أن الرقيق العسكري كان يغيّر الراية ولا يغيّر المهنة. وقد سبق الغزو خراب اجتماعي داخلي من أبرز مظاهره مذبحة المتمة في الأول من يوليو ١٨٩٧ التي دفعت أعداداً من الجعليين إلى الانضمام إلى كتشنر. ويُقدَّر السودانيون في صفه بنحو سبعة إلى ثمانية آلاف تقريباً. وبعد الغزو انتقل النموذج إلى الحكم: جهاز لم يتجاوز رجاله البريطانيون نحو أربعمائة على امتداد عمره، ومصر تسدّ عجز الميزانية في السنوات الأولى، وسقط القناع المصري بعد اغتيال لي ستاك في نوفمبر ١٩٢٤ وإنذار أللنبي وسحب الوحدات المصرية وتمرد الكتيبة السودانية ومقتل الماظ، ثم إنشاء قوة دفاع السودان عام ١٩٢٥، وهو ما يوصف بأنه بيادق البيادق. وناقش مجلس العموم البريطاني نبش قبر المهدي في يونيو ١٨٩٩، لا الخديوي ولا الوزارة المصرية. وتخلص الدراسة إلى ستة دروس: أن تعدد الفاعلين الرسميين لا يعني تعدد مراكز القرار وأن الشرعية القانونية قد تُستعار من طرف ضعيف، وأن القيد المالي يحدد إيقاع الحرب فيجب تتبع من يموّل ويتحمل الكلفة، وأن نقل الكلفة بين الأطراف يكشف مالك القرار الحقيقي، وأن الأهداف المعلنة المحدودة قد تكون مرحلة أولى وأن لغة التطور الرسمية أدق من البيان الأول، وأن غياب الصوت السوداني مع تحميل السودانيين كلفة التنفيذ يخلق مشكلة شرعية طويلة تستدعي آليات مشاركة حقيقية، وأن الحدود التي تُرسم في العواصم الأجنبية تبقى بعد زوال راسميها، فقد صار خط إداري جنوبي حدّاً دولياً في التاسع من يوليو ٢٠١١، وصارت فشودة بلدة في دولة أخرى.

وتختم الدراسة بخاتمة نقدية تؤكد أن القرار كان بريطانياً في مبادرته وتوقيته وهدفه وأن حضور مصر كان حضور الأداة والغطاء لا الشريك، مع الإقرار بحدود التقدير: فالأوزان اجتهادية، والمصادر البريطانية الغالبة قد تنتقص من الدور المصري، وغياب الأرشيف المصري يمنع الجزم بما دار في القاهرة، ومفهوم النفوذ نفسه إشكالي، إذ يمكن القول إن توفير مصر شروط التنفيذ نفوذ على القرار، وهي حجة وجيهة لكنها تصف شرط الإمكان لا شرط الاتخاذ. وتحذّر من قراءة قومية تجعل مصر ضحية محضة، فللنخبة المصرية مصالح موضوعية في النيل والحدود والسيادة، لكنها لم تكن المحرّك. وتبقي خلاف الباحثين قائماً بين من يقدّم الزناد الإيطالي ومن يقدّم فشودة والنيل، وتراهما متكاملين من حيث الزمن، فالأولى تفسّر اللحظة والثانية تفسّر الاتساع، وفي الحالين تقع المبادرة في لندن. وتنبّه إلى أن بعض أدلة الرواية النيلية متأخر عن الحدث، فخبر الأوامر المختومة يخص ١٨٩٨ ويعتمد على مدوّنة، وفرضية توظيف الخديوي للطموح الفرنسي لم تُسنَد بوثيقة، وتقدير عدد السودانيين في صف كتشنر اجتهاد تقريبي، فهذه القراءات تؤيد اتجاه الاستنتاج ولا تُبنى عليها الأرقام. وتظل القضية درساً في صناعة القرار تحت الاحتلال: مبادرة من الخارج، وتنفيذ بأدوات محلية، وغطاء قانوني من كيان تابع، وتكلفة تُحمَّل للمجتمعات المنفذة، وقد كان السودان ميدان المعركة وغاب عن مائدة القرار.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

يتناول هذا المقال سؤالاً يتكرر في الأدبيات السودانية والمصرية: إلى أي حد شاركت مصر في اتخاذ قرار غزو السودان عام ١٨٩٦، وما دوافعها مقارنةً بدوافع بريطانيا؟ والمقصود هنا قرار الغزو لا قرار الحكم، أي قرار مارس ١٨٩٦ بالتحرك نحو دنقلا، وهو ما سيُفصل عن اتفاقية الحكم الثنائي الموقعة في ١٩ يناير ١٨٩٩. وتخلص الدراسة إلى أن النفوذ المصري في صنع القرار كان محدوداً جداً، وتقدّره تقديراً تقريبياً بنحو عُشر وزن القرار، في نطاق يتراوح بين ٥٪ و١٥٪. غير أن مصر كانت أداة لا غنى عنها في التنفيذ، إذ وفّرت الجيش والخزينة والغطاء القانوني، فارتفعت حصتها في الجهد الكلي إلى نحو الخُمس أو أكثر بقليل. أما الدوافع فكانت متباينة. فبريطانيا تحرّكت بدافع أمن النيل وتنافسها مع فرنسا وإيطاليا في أفريقيا الشرقية. ومصر، أو بالأحرى نخبتها الرسمية، تحرّكت بدافع المصلحة المائية والأمنية والسيادية، لكنها فعلت ذلك داخل حدود رسمها الاحتلال.

وقد رُتّبت فصول المقال وفق منهج السرد التحليلي المتدرج المعتاد في الدراسات التاريخية. يبدأ بتحقيق السؤال والتاريخ والتسمية، ثم يعرض الجذور السياقية، فبنية القرار وتسلسله، ثم الدوافع البريطانية والمصرية كلاً على حدة، فقنوات النفوذ المصري الفعلية، ثم قياسه كمياً ونوعياً، ثم حدوده، ثم ما يعنيه ذلك للسودان. وينبغي التنبيه إلى أن الأدلة المتاحة غير متكافئة. فالوثائق البريطانية، من محاضر مجلس العموم وتقارير كرومر والمراسلات الدبلوماسية، تهيمن على الصورة، بينما تبقى الشهادات المصرية الرسمية والخاصة شحيحة. لذلك فإن تقدير النفوذ المصري استدلالي في جانب منه، والأرقام المعروضة هنا تقريبية، غايتها ضبط المقارنة لا الادعاء بدقة قياس لا تسمح بها المصادر.

وتستفيد الدراسة، إلى جانب هذه المصادر، من إسهامات سودانية حديثة نُشرت في سودانايل خلال أكتوبر ٢٠٢٦، تقرأ حملة ١٨٩٦–١٨٩٨ من زاوية أهل البلاد لا من زاوية المتسابقين عليها، وتعيد ترتيب الدوافع البريطانية بوضع فشودة ومياه النيل في أولها، وتتتبع كيف انتقل الغطاء المصري من واجهة قانونية للغزو إلى واجهة لحكمٍ بريطانيٍّ خالص (خليفة، ٢٠٢٦ج؛ خليفة، ٢٠٢٦د). وتُعامَل هذه الإسهامات هنا بوصفها قراءات محكّمة بالمصادر التي تستند إليها، فحيث تتفق مع الوثائق الأولية يُستشهد بها، وحيث تنفرد بروايةٍ لا سند لها سوى مدوّنةٍ أو مقالٍ يُنبَّه إلى ذلك صراحة.

الفصل الأول: ١٨٩٦ لا ١٨٩٩: ثلاثة قرارات متداخلة يجب ألا تُخلط

يتأكد من المصادر أن ١٨٩٦ هي سنة القرار. فقد وقعت هزيمة الإيطاليين أمام منليك الثاني في عدوة في ١ مارس ١٨٩٦ (Britannica, 2024)، وأذن مجلس الوزراء البريطاني بالتقدم نحو دنقلا في ١٢ مارس، وتلقى السردار هربرت كتشنر أوامره بين ١٢ و١٤ مارس، ودخلت قواته الأراضي السودانية في ١٨ مارس (Holt, 2011). ويقتضي التحليل التمييز بين ثلاثة قرارات. الأول هو قرار مارس ١٨٩٦ بالتحرك إلى دنقلا، وهو موضوع المقال. والثاني هو قرار العام التالي بمواصلة الزحف إلى بربر والخرطوم بعد معركة أبو حمد في ٧ أغسطس ١٨٩٧، ثم معركة عطبرة في ٨ أبريل ١٨٩٨، وصولاً إلى أم درمان في ٢ سبتمبر ١٨٩٨. والثالث هو قرار صيغة الحكم الثنائي بعد ذلك بأشهر. وتزداد أهمية هذا التمييز لأن كثيراً من الروايات تُسقط ما صار معلوماً عام ١٨٩٩ على ما كان غامضاً عام ١٨٩٦. ففي مارس ١٨٩٦ كان الهدف المعلن محدوداً بدنقلا، وطمأنت لندن باريس بأن الأمر لن يتجاوزها (Sanderson, 1965)، ثم تبيّن خلال أشهر أن دنقلا حلقة أولى في مشروع أكبر. وبذلك فإن «القرار» نفسه تطور تدريجياً من تحرك تحويلي محدود إلى مشروع إعادة فتح شامل، ولا يصح البحث عن لحظة واحدة قُرّر فيها كل شيء.

الفصل الثاني: من أطلال هكس إلى معركة توشكي: جذور تجعل «العودة» ممكنة وتجعل مصر أداتها

بدأ الحكم التركي المصري في السودان عام ١٨٢٠، وانتهى عملياً مع الثورة المهدية وسقوط الخرطوم في ٢٦ يناير ١٨٨٥ (Hill, 1959). وكانت الخطوة المفصلية قبل ذلك إبادة جيش هكس المصري، وهو نحو عشرة آلاف جندي، في شيكان بين ٣ و٥ نوفمبر ١٨٨٣. وقد أظهرت الأزمة التي تلتها طبيعة العلاقة بين القاهرة والاحتلال. فحين فرضت لندن سياسة الإخلاء في مطلع ١٨٨٤، استقال رئيس الوزراء المصري شريف باشا اعتراضاً عليها، وحلّ محله من يقبلها. وتدل الواقعة على أن الوزارة المصرية كانت تملك رأياً لكنها لا تملك قراراً، وأن الاحتلال يحوّل الاعتراض إلى استقالة لا إلى تعديل في السياسة. ثم استقرت الحدود عند وادي حلفا، وأعاد السردار جرنفل بناء الجيش المصري بضباط بريطانيين، وحقق نصراً على قوات النجومي في توشكي في ٣ أغسطس ١٨٨٩ (Daly, 1986)، فبرهن على أن الجيش المُعاد تنظيمه يختلف عن جيش الفلاحين المساقين بالسلاسل الذي انهار قبل ست سنوات. ومن جهة المال، أفضى تحويل الدين عام ١٨٩٠ إلى احتياطي مالي لدى صندوق الدين العام، وبلغت إيرادات الدولة في تلك السنوات نحو عشرة ملايين جنيه مصري مع فائض وصفه تقرير كرومر لعام ١٨٩٥ بأنه الأكبر (The Spectator, 1896a)، فتهيأت بذلك أدوات الحملة: جيش منظم بقيادة بريطانية، وخزينة تتوافر لها سيولة، وحدود جنوبية مستقرة نسبياً.

وفي المقابل كانت الدولة المهدية قد استُنزفت من الداخل قبل أن تصل إليها الجيوش من الشمال. فقد غزا جيش الأمير حمدان أبو عنجة إثيوبيا ونهب قندر في يناير ١٨٨٨، ورفض الخليفة في ديسمبر من العام نفسه عرض الإمبراطور يوهنس الرابع بإنهاء الحرب وتوحيد الجهود في وجه الأوروبيين، فتحرّك الإمبراطور بنفسه وقُتل في معركة القلابات في مارس ١٨٨٩ (خليفة، ٢٠٢٦أ). ثم جاءت هزيمة النجومي في توشكي بعد خمسة أشهر، وتلتها مجاعة وأوبئة أنهكت السكان والخزينة بين ١٨٨٩ و١٨٩٢ (خليفة، ٢٠٢٦د)، وبعدها انكشفت الجبهة الشرقية للدولة أمام الإيطاليين، فانتصر الكولونيل أريموندي على جيش مهديٍّ في أغوردات في ٢١ ديسمبر ١٨٩٣، واستولى الحاكم باراتييري على كسلا في يوليو ١٨٩٤ (خليفة، ٢٠٢٦د). وهذه الخلفية تفسّر لماذا بدا التحرك نحو دنقلا عام ١٨٩٦ ممكناً بكلفة محدودة، فالدولة التي ستُهاجَم كانت قد أنفقت رصيدها في حروبها وفتنها الداخلية، ولم تكن تلك الحروب من صنع القاهرة ولا من صنع لندن.

وفي هذه المرحلة تتضح مفارقة. فمن أراد تسويق قرار إعادة السودان قال إن مصر ستستعيد ما فقدته. وكان كرومر نفسه متردداً. فقد رأى أن السودان ثمين لمصر لكنه لا يستحق الإفلاس ولا ضرائب مرهقة، وأعلن حذره من الانسياق إلى تحرك سابق لأوانه تدفع إليه فئة صغيرة نافذة من الرأي العام، وكانت الحكومة قد طمأنته في ١٥ نوفمبر ١٨٩٥ بأنه لا خطة لغزو السودان (Cromer, 1908). وقد ظلت هذه المحاذير المالية قائمة بعد القرار وحكمت إيقاعه.

وهناك سياق مؤسسي مهم يتصل بالخديوي الجديد عباس حلمي الثاني، الذي تولى الحكم عام ١٨٩٢. ففي يناير ١٨٩٤، أثناء تفقده الحامية الجنوبية، وجّه انتقادات علنية للوحدات المصرية التي يقودها ضباط بريطانيون، فعرض كتشنر الاستقالة، وأصر كرومر على أن يتراجع الخديوي ويعتذر. ومنذ ذلك الحين لم يعد عباس يعارض البريطانيين علناً، بل اتجه إلى دعم الحركة الوطنية سراً (Owen, 2004). وتدل هذه الواقعة على أن صاحب السلطة الشرعية الأعلى في مصر لم يعد يملك فعلياً قدرة الاعتراض على سياسات تتصل بالجيش، وهو الميدان الذي سيجري فيه الغزو بعد عامين. كما أن الخديوي كان يرعى مصطفى كامل ويموّل دراسته في تولوز، وكان كامل منذ ١٨٩٥ يقضي صيفه في فرنسا ويخاطب الرأي العام الأوروبي ضد الاحتلال (Fahmy, 2008)، فإن المعارضة المصرية كانت موجّهة أساساً إلى مسألة الجلاء، لا إلى مسألة السودان بالذات.

الفصل الثالث: أوروبا في مارس ١٨٩٦: عدوة، وكسلا، وبعثة ماركان، وسباق النيل

جاء الحدث الذي حرّك القرار من الخارج الأفريقي لا من القاهرة. ففي ١ مارس ١٨٩٦ سحق الإمبراطور منليك الثاني الجيش الإيطالي في عدوة، وكانت القوة الإيطالية نحو ثمانية عشر ألف رجل بست وخمسين قطعة مدفعية موزعين على أربعة ألوية (Britannica, 2024). وكانت إيطاليا تحتل كسلا منذ ١٨٩٤ بموجب تفاهمات سابقة مع بريطانيا هدفها إضعاف الدراويش، وصارت حاميتها الآن معزولة ومهددة. فتوجهت روما إلى لندن تطلب تحركاً يحوّل أنظار الأنصار. والمرجح أن تقدير بريطانيا لحال الملكية الإيطالية ولتحالف إيطاليا مع ألمانيا والنمسا في الحلف الثلاثي شجّعها على الاستجابة، إذ ذكرت مجلة السبكتاتور أن ألمانيا والنمسا وإيطاليا لن تعترض على التحرك لأسباب تتصل بسلامة الملكية الإيطالية (The Spectator, 1896a). وقد أنهت إيطاليا مغامرتها السودانية بعد ذلك بعشرين شهراً حين سلّمت كسلا سلماً إلى القوات الأنجلو-مصرية في ديسمبر ١٨٩٧ (خليفة، ٢٠٢٦د)، فكأن الذريعة المعلنة للحملة، أي تخفيف الضغط عن الحامية الإيطالية، انتهت بتسلّم الحلفاء موقعها لا بإنقاذها.

أما الاعتبار الأعمق فكان فرنسا. فقد أنتجت باريس منذ ١٨٩٣ فكرة حملة تعبر أفريقيا من الغرب إلى النيل الأبيض، وردّت لندن بتحذير صريح، إذ أعلن وكيل الخارجية السير إدوارد غراي في مجلس العموم في ٢٨ مارس ١٨٩٥ أن أي تقدم فرنسي نحو وادي النيل سيُعدّ «عملاً غير ودّي» (Hansard, 1895)، وقد شُبّه هذا التحذير بأنه أغرى الفرنسيين أكثر مما ردعهم (خليفة، ٢٠٢٦د). ثم وجهت باريس بعثة جان باتيست ماركان، فأبحرت من بوردو في ٢٠ يونيو ١٨٩٦ ونزلت في لوانغو على الأطلسي في ٢٣ يوليو، وبلغت بانغي في ١ أبريل ١٨٩٧، ووصلت فاشودة على النيل الأبيض في ١٠ يوليو ١٨٩٨ بنحو مئة وخمسين رجلاً، جلّهم من الرماة الأفارقة (خليفة، ٢٠٢٦د). وتبيّن هذه الرزنامة نقطة تحليلية دقيقة: فقرار دنقلا في مارس ١٨٩٦ سبق إبحار ماركان بثلاثة أشهر، أي إن بعثته لم تكن الحدث المباشر الذي حرّك القرار، بل التهديد الذي كانت لندن تتوقعه منذ سنوات، وهو ما يمنح الحجة القائلة بأن الزناد كان إيطالياً والبندقية كانت نيلية وجاهتها. وكانت بريطانيا تعرف نيات فرنسا قبل ذلك بوقت، وتخشى أن يملأ آخرون الفراغ الذي أحدثته الثورة المهدية في وادي النيل. ولذلك أكد سالزبوري لفرنسا أن الحملة لن تتجاوز دنقلا، وهو تطمين مقصود لتقليل ردة الفعل الفرنسية. كما أن احتمال تحالف بين منليك والخليفة عبد الله ضد الأوروبيين أضاف دافعاً أمنياً. وبذلك كان القرار نتاج تقاطع ثلاثة ضغوط في أسبوعين: انهيار الوكيل الإيطالي، والتهديد الفرنسي، والحاجة إلى تحرك سريع ومنخفض الكلفة. وكلها ضغوط تدور في فلك السياسة الأوروبية، وتقع خارج نطاق ما يمكن للقاهرة أن تؤثر فيه.

وتزداد الصورة وضوحاً بالنظر إلى دبلوماسية ١٨٩٤ التي سبقت القرار بعامين. ففي فبراير ١٨٩٤ ادّعت بريطانيا منطقة أعالي النيل «نيابةً عن مصر»، وفي ١٢ مايو من العام نفسه وقّعت مع دولة الكونغو الحرة، المملوكة شخصياً للملك ليوبولد الثاني، اتفاقية أجّرت بموجبها له مدى حياته مديرية بحر الغزال وما جاورها جنوب خط العرض العاشر، مقابل ممرٍّ ضيق يمرّ عبره خط «الكاب إلى القاهرة»، ثم سُحبت مادة الممرّ في ٢٢ يونيو احتجاجاً ألمانياً، وأرغمت فرنسا ليوبولد في ١٤ أغسطس على معاهدة فرنسية-كونغولية قصرت مطالبه على جيبة لادو التي ضُمّت إلى السودان الأنجلو-مصري عام ١٩١٠ (خليفة، ٢٠٢٦د؛ Collins, 1962). ولم تكن مصر طرفاً في أيٍّ من هذه الصفقات، بل جرى التصرف في أرضٍ يُفترض أنها مصرية الملكية دون أن تُستشار الحكومة المصرية، وهو دليل مبكر على أن الصفة المصرية للسودان كانت أداة في الدبلوماسية البريطانية لا قيداً عليها.

الفصل الرابع: هندسة القرار: لمن كانت الكلمة الأخيرة؟

ينبغي تحديد مراكز القرار لتقدير الوزن النسبي لكل مركز. كان اللورد سالزبوري يجمع بين رئاسة الوزارة ووزارة الخارجية، ومعه في الحكومة هيكس بيتش وزيراً للخزانة وبلفور زعيماً لمجلس العموم وتشمبرلين وزيراً للمستعمرات. وكان كرومر القنصل العام في القاهرة، يتحكم عملياً في الوزارة المصرية عبر المستشارين البريطانيين، وكان السردار كتشنر قائداً للجيش المصري منذ ١٨٩٢ (Encyclopaedia Britannica, 1911). وعلى الجانب المصري، كان الخديوي عباس حلمي الثاني ورئيس وزرائه مصطفى فهمي باشا، وقد اشتهر بقربه من كرومر. وفي الوسط، صندوق الدين العام وفيه ستة مفوضين يمثلون بريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وروسيا، وله حق الموافقة على صرف الاحتياطي المالي. ثم المحاكم المختلطة التي تنظر في الدعاوى ضد الحكومة. وأخيراً السلطان العثماني صاحب السيادة الاسمية على مصر.

ويُلاحظ من هذا التوزيع أن بوابات القرار الحاسمة بريطانية في أصلها، فالمبادرة من مجلس الوزراء، والتنفيذ تحت سردار بريطاني، والمال يمر عبر صندوق يملك البريطانيون أحد أصواته الستة لكن حلفاءهم الأوروبيين يمنحونهم الأغلبية. وفي هذا البناء لا مكان فعلياً لرأي مصري مستقل. ويعزز ذلك ما ذكره بلفور في مجلس العموم في ٦ يوليو ١٨٩٦ من أن الحكومة المصرية هي المسؤولة عن إدارة الحملة، ولذلك لم تُطلب منها تفاصيل الإنفاق من قبل، في حين تعير بريطانيا ضباط أركان بلا مقابل وتتحمل نقل قواتها من القاهرة إلى وادي حلفا (Hansard, 1896c). فهنا تُنسب المسؤولية رسمياً إلى مصر، وتنشأ منها مسافة قانونية تتيح لبريطانيا الفعل دون تحمل التبعة المباشرة.

الفصل الخامس: ثلاثة أسابيع صنعت الغزو: تسلسل الوقائع من مارس إلى ديسمبر ١٨٩٦

بعد أن أذن مجلس الوزراء في ١٢ مارس، أمر كتشنر في ١٤ مارس بإعادة احتلال أكاشا على بعد نحو خمسين ميلاً جنوب سرس، ومد السكة الحديدية من سرس (Encyclopaedia Britannica, 1911). وفي ١٦ مارس برّر وكيل وزارة الخارجية الحملة أمام مجلس العموم بأمرين: خطر زحف الدراويش على الحدود المصرية، وكون الخطوة مناسبة لمصلحة مصر الدائمة، مشيراً إلى أهمية دنقلا بوصفها من مخازن الحبوب في حوض النيل الأعلى. وردّت المعارضة بأن القوة المصرية هي «من الناحية العملية قوة إنجليزية»، وأن إيطاليا لا تُنصر بهذه الوسيلة (Hansard, 1896a). وفي ٣٠ مارس سأل نواب الحكومة عما إذا كان تفسير الخديوي للسلطان، الذي طلب بيان وجهة نظره، مطابقاً لتفسير الحكومة البريطانية، فأجاب الوزير بأن التفسيرين «متطابقان تماماً» (Hansard, 1896b)، وهو جواب يدل على أن صياغة الموقف المصري أمام الباب العالي جاءت متسقة مع الموقف البريطاني، وأن الخديوي أخبر السلطان بأن الحكومتين البريطانية والمصرية اتفقتا على أن التحرك مناسب لإعادة دنقلا إلى الإدارة المصرية.

وفي أواخر مارس صوّت أربعة من مفوضي الصندوق، وهم البريطاني والألماني والنمساوي والإيطالي، لصرف خمسمئة ألف جنيه مصري من الاحتياطي، وصوّت الفرنسي والروسي ضد ذلك (The Spectator, 1896b). وفي ٣٠ مايو وصلت قوة هندية إلى سواكن، فحلّت محل كتائب مصرية وسودانية أمكن تحريرها للحملة (Holt, 2011). وبحلول ٤ يونيو كان كتشنر قد جمع نحو تسعة آلاف رجل، هم عشر كتائب مشاة وخمس عشرة سرية من الفرسان والهجانة وثلاث بطاريات مدفعية، وجميعهم مصريون أو سودانيون عدا بضع مئات من فوج شمال ستافوردشاير وفرق المدافع الرشاشة، وقد فصّلت تنظيم هذه القوة ومراحلها رواية ألفورد وسورد المعاصرة للأحداث (Alford, 1898). ووقعت معركة فركة في ٧ يونيو ١٨٩٦، وأُسر فيها نحو خمسمئة من الأنصار، وطلب عدد منهم الانضمام فوراً إلى كتائب السودانيين في الجيش المصري، وهي واقعة ذات دلالة اجتماعية سنعود إليها. وفي منتصف يونيو أعلن سالزبوري في مجلس اللوردات، رداً على روزبري، أن سياسته إعادة الأراضي إلى مصر بموارد مصر، وأن السرعة محكومة بقدرتها المالية، وأن أهمية دنقلا في كونها الطريق إلى الخرطوم، وأن مصر لن تعود إلى وضعها الآمن «حتى يرفرف العلم المصري على الخرطوم». وحين ذكّره روزبري بأن هيكس بيتش تعهد بعدم إعادة فتح السودان، ردّ بأن ذلك لن يحدث قبل توافر المال (The Spectator, 1896b). ثم جاءت معركة حفير في ١٧–١٩ سبتمبر، ودخل كتشنر دنقلا في ٢٣ سبتمبر دون مقاومة بعد انسحاب ود بشارة، وأعقب ذلك احتلال الدبة في ٣ أكتوبر ثم مروي وكورتي (Encyclopaedia Britannica, 1911). وتتضح من هذه المراحل خصائص القرار. فهو تدريجي، ومحكوم بالمال، ومبرَّر في المحافل العامة بمصلحة مصرية، ومنفَّذ بقوة مصرية سودانية تحت قيادة بريطانية.

الفصل السادس: لماذا أرادت لندن السودان؟ دوافع الإمبراطورية بين النيل والأمن والسمعة

يمكن تصنيف الدوافع البريطانية في خمس مجموعات متداخلة. الأولى جيوسياسية، وهي أن السيطرة على أعالي النيل تعني عملياً السيطرة على مصر، التي كانت بدورها مفتاح قناة السويس والطريق إلى الهند. وقد جعلت هذه الفكرة، التي رسخها روبنسون وغالاغر في تحليلهما للعقل الرسمي للإمبريالية، ما يجري على النيل مسألة أمن إمبراطوري لا شأناً محلياً (Robinson, 1961). والثانية تنافسية بين القوى. فقد كانت فرنسا خصماً صريحاً في وادي النيل، وحرصت بريطانيا على ألا تترك لها منفذاً سياسياً هناك، في حين شكّلت إيطاليا وألمانيا والنمسا شبكة مصالح تتقاطع مع الخيار البريطاني (Sanderson, 1965). والثالثة ظرفية مباشرة، هي طلب إيطاليا النجدة بعد عدوة وخشية انتشار الدراويش على حدود إريتريا، فوفر ذلك مبرراً ظاهراً لحملة قررت لندن في داخلها أنها تخدم غاية أبعد. والرابعة سياسية داخلية، فقد ظل مقتل غوردون في الخرطوم عام ١٨٨٥ ذكرى حية تضغط على الرأي العام، وكان في بريطانيا بحسب الباحثين تيار مؤثر يطالب باستعادة السودان بدافع الثأر والمكانة، وهو ما جعل الحكومة المحافظة الائتلافية ترى في الحملة مكسباً سياسياً (Daly, 1986). والخامسة إدارية مالية: فقد تحسنت مالية مصر، وصار الفائض يتيح التمويل، وأتاح الاحتياطي الذي تراكم منذ ١٨٩٠ قاعدة لصرف الأموال دون ضرائب جديدة، ورأى كرومر أن احتلال دنقلا يتيح معلومات أبكر عن فيضان النيل بفضل مقاييس المنسوب الجديدة (Tvedt, 2004)، وهو مكسب عملي يخص إدارة مياه مصر لا مياه السودان.

ويتضح من هذه المجموعات أن الدافع البريطاني كان استراتيجياً في الأساس وإقليمياً في صياغته، وأن الذريعة المعلنة، وهي الدفاع عن مصر ومساعدة إيطاليا، أضيق من الدافع الفعلي. وقد عبّرت عن ذلك صراحة تصريحات سالزبوري الصيفية، حين ربط دنقلا بالخرطوم وبرهن على أن الحملة ليست تحويلة مؤقتة. ومن اللافت أن كرومر نفسه، الذي وُصف بأنه مهندس الانسحاب البريطاني بعد المهدية، لم يكن صاحب مبادرة الغزو ولا متحمساً لها في بدايتها (Cromer, 1908). فقد انتقل من الحذر المالي إلى القبول بعد أن حسمت لندن الأمر، ثم صار الإداري البارع الذي ضبط النفقات، ولا سيما بعد أن أخذ على عاتقه الإشراف على كتشنر ماليا خلال الحملة (Daly, 1986). وهذا يعني أن حتى الشخصية البريطانية الأقرب إلى مصر لم تكن مصدر القرار، وأن مركز الثقل كان في لندن.

غير أن ترتيب هذه الدوافع موضع خلاف بين الباحثين، وهو خلاف يهم موضوع المقال لأنه يحدد ما إذا كانت مصر ذات صلة بالقرار من الأصل. فيرى ستيفن ميلر أن الحرب لم تنشأ من الثأر ولا من الدعاية كما قال بعضهم، بل من رغبة حكومة سالزبوري في تلبية الرغبة الاستراتيجية لإيطاليا وتخفيف الضغط عن حاميتها المحاصرة في كسلا، وأن أهداف كتشنر كانت في البداية محدودة بضربة في دنقلا، ثم اتسعت لاحقاً (Miller, 2021). وفي المقابل يضع الرشيد خليفة فشودة ومياه النيل في صدارة الأسباب، ويرتب ما بعدها على النحو الآتي: منع فرنسا، ثم حلم الخط الأحمر من الكاب إلى القاهرة، ثم هيبة الإمبراطورية والثأر لغوردون، ثم نجدة إيطاليا، ثم المغانم الاقتصادية (خليفة، ٢٠٢٦د). ويستشهد بما أورده مدوّنة مكتبة الكونغرس من أن كتشنر تسلّم أوامر مختومة من سالزبوري لم يُؤذن له بفضّها إلا بعد حسم المعركة الكبرى، فإذا فيها أمر التوجه إلى فشودة، وأنه غادر أم درمان في ٩ سبتمبر ١٨٩٨ وبلغ فشودة في ١٨ منه بخمس بوارج ونحو ألف وخمسمئة جندي، أي بعد ستة عشر يوماً من كرري، بعد أن استغرق التقدم من دنقلا إلى كرري نحو عامين ونصف (خليفة، ٢٠٢٦د). ويفسّر خليفة هذا التباين بأن فشودة كانت الجائزة المقصودة من البداية. والأقرب إلى المنهج النقدي أن يُجمع بين القراءتين لا أن تُرجَّح إحداهما: فالزناد القريب في مارس ١٨٩٦ كان إيطالياً، كما يرى ميلر، والدافع العميق الذي جعل لندن تقبل المخاطرة وتوسّع الحملة بعد ذلك كان نيلياً وفرنسياً، كما يرى سانديرسون وخليفة، وتأتي شهادة الأوامر المختومة من عام ١٨٩٨ لا ١٨٩٦، فلا تثبت بذاتها دوافع قرار مارس. وفي الحالين لا يظهر للقاهرة موضع.

الفصل السابع: ماذا أرادت مصر؟ دوافع مُقيَّدة بالاحتلال ومتعددة المستويات

ليست «مصر» كياناً واحداً في هذا المشهد، وإنما مستويات متباينة. فالخديوي عباس حلمي الثاني كان موقفه مزدوجاً. فمن جهة، يوفر الجيش الذي يقوده بريطانيون رمزاً للتبعية، ومن جهة أخرى قد تعيد استعادة الأراضي الجنوبية لمصر شيئاً من هيبة العرش، ولهذا أنشأ الخديوي بعد الحملة بقليل، في ١٢ فبراير ١٨٩٧، وسام السودان الذي منحه للمشاركين (Fahmy, 2008). ويضيف خليفة قراءة لم تُوثَّق في المصادر التي رجعنا إليها، وهي أن الخديوي تمنّى استغلال الطموح الفرنسي لإخراج البريطانيين من القاهرة (خليفة، ٢٠٢٦د)، وهي فرضية معقولة بالنظر إلى ارتباط الخديوي بالدوائر الفرنسية ورعايته لمصطفى كامل، لكنها تبقى فرضية. ولا يوجد دليل موثق على أنه بادر بالحملة أو عارضها علناً، بل أبلغ السلطان بأنها اتفاق مع بريطانيا. أما الوزارة برئاسة مصطفى فهمي فكانت أقرب إلى تنفيذ ما يقرره كرومر، ولا تظهر في المصادر المتاحة مبادرة وزارية مستقلة. والضباط المصريون، الذين تعاملوا مع الجيش الجديد بوصفه مجالاً للترقي والأوسمة، ربما رأوا في الحملة فرصة مهنية. غير أن معظم الجنود كانوا يخشون الحملة، فالذاكرة الجماعية عن هكس وعن التجنيد القسري كانت حاضرة، وكانت مدة الخدمة للمجندين المصريين ست سنوات، بينما كان السودانيون الذين جُنّدوا قبل ١٩٠٣ يُجنّدون مدى الحياة أو حتى العجز (Holt, 2011)، مما يكشف تفاوت الوضع القانوني داخل الجيش نفسه.

وأقوى الدوافع المصرية الموضوعية هو النيل. فمياه النيل شريان الاقتصاد الزراعي المصري، وكل ما يحدث في أعاليه يمس الري في الدلتا والصعيد. وتتصل بذلك المصلحة الأمنية: فالحدود الجنوبية عند وادي حلفا كانت عرضة لغارات الأنصار طوال عقد كامل. وهناك المصلحة التجارية في طرق الجنوب وفي سلع مثل الصمغ والعاج والماشية. وهناك الحجة السيادية: فقد رأى مؤرخون مصريون، منهم محمد فؤاد شكري، أن السيادة على السودان حق مصري تاريخي لا يسقط بالثورة المهدية (شكري، ١٩٤٦). وفي الصحافة والنخبة المصرية بدا هذا الخطاب مألوفاً. لكن ينبغي الحذر من التعميم، فالأدلة على موقف الرأي العام المصري عام ١٨٩٦ ضعيفة، والصحافة كانت خاضعة لرقابة، والجمعية العمومية والمجلس التشريعي استشاريان ولا دليل على أنهما استُشيرا، وحركة مصطفى كامل لم تتبلور بعد في حزب جماهيري. لذلك فإن الأمر الآمن علمياً هو القول إن الدوافع المصرية الموضوعية حقيقية لكنها لم تتحول إلى فعل سياسي مستقل.

وفوق ذلك، فإن الخطاب البريطاني نفسه هو الذي رفع «مصلحة مصر» إلى مرتبة التبرير الأول. فقد جاء في مجلس العموم أن التحرك مناسب لمصلحة مصر الدائمة، وفي مجلس اللوردات أن المقصود إعادة الأرض إلى مصر بمواردها. وبذلك فإن الحجة المصرية جاءت في كثير من الأحيان على لسان البريطانيين، وهو ما يقلل من استقلالية الدافع المصري بوصفه سبباً مستقلاً للقرار، ويجعله جزءاً من الإطار التبريري. وهذا ما تعبّر عنه قراءة سودانية لكتاب ديفيد ليفرن لويس، حين ترى في عنوان فصله «الخليفة والخديوي وكتشنر» ثالوثاً لا يتكافأ أطرافه: فالخديوي فيه «قناع» لا طرف، رُفع علمه إلى جانب العلم البريطاني في فشودة لأن بريطانيا كانت تطالب بالأرض باسم مصر لا باسمها (خليفة، ٢٠٢٦ب؛ Lewis, 1987). والخلاصة أن الدافع المصري كان موجوداً لكنه ظل ثانوياً في ترتيب الأسباب المؤدية إلى القرار، وأن الدافع البريطاني كان هو المحرك، وأن الأول استُخدم لتغطية الثاني قانونياً وسياسياً.

الفصل الثامن: أين تسللت مصر إلى القرار؟ خمس قنوات للنفوذ

مع أن المبادرة بريطانية، لم يكن النفوذ المصري صفراً. فهناك خمس قنوات يمكن تتبعها. القناة الأولى هي الشرعية القانونية. فالسودان، في الرواية الرسمية، أرض مصرية سقطت بثورة، وبريطانيا تقول لفرنسا إنه مصري خالص، وهذا يمنح مصر موقعاً رمزياً لا يمكن الاستغناء عنه، لأن الغزو الذي يحمل علماً مصرياً أصعب على الفرنسيين الطعن فيه من غزو بريطاني صريح. ولذلك قرّر كرومر في ديسمبر ١٨٩٦ أن يواصل كتشنر رفع العلم المصري (Daly, 1986). ولم تكن هذه الورقة وليدة ١٨٩٦، فقد استُعملت قبلها في ١٨٩٤ حين ادّعت بريطانيا أعالي النيل باسم مصر قبل أن تؤجّره لليوبولد، وبعدها حين ظل العلمان البريطاني والمصري يرفرفان معاً في فشودة (خليفة، ٢٠٢٦د). وبلغت هذه الصيغة غايتها في اتفاقية ١٩ يناير ١٩٩٩ حين وقّع كرومر عن بريطانيا وبطرس غالي عن مصر، وعُرّف السودان بأنه الأرض جنوب خط العرض ٢٢، وأُسندت السلطتان العسكرية والمدنية إلى حاكم عام يعيّنه الخديوي بتوصية من الحكومة البريطانية، واستُبعدت ولاية المحاكم المختلطة من السودان كله عدا سواكن، ومُنع اعتماد القناصل فيه إلا بموافقة بريطانية (Metz, 1992; Daly, 1986). فالغطاء المصري كان يتيح للإدارة أن تتخلص من قيود الامتيازات الأجنبية التي لم يستطع كرومر نفسه التحرر منها في مصر، ولم يكن مصرياً في مضمونه بعد ذلك.

القناة الثانية هي الجيش. فبدون الجنود المصريين والسودانيين لما أمكن إطلاق الحملة بكلفة محدودة ولا بحجم قوة الاحتلال البريطاني المتاح في مصر، وقد بلغ حجم القوات الأولى نحو تسعة آلاف إلى أحد عشر ألفاً (Holt, 2011). وفي أم درمان عام ١٨٩٨ كانت القوة نحو ٢٥ ألفاً، منها ثمانية آلاف بريطاني وسبعة عشر ألفاً مصري وسوداني، أي نحو ٦٨٪ من القوة، بينما كان الجيش في دنقلا ١٨٩٦ مصرياً سودانياً في أغلبه الساحق (Holt, 2011). وتتراوح التقديرات الأخرى للقوة الكلية بين ٢٣ ألفاً (Miller, 2021) و٢٥٫٨ ألف منهم ٨٫٦ ألف بريطاني (Metz, 1992)، ما يجعل نصيب المصريين والسودانيين بين ٦٥٪ و٦٩٪ في الحالتين. القناة الثالثة هي المال، إذ كان الاحتياطي ملكاً لخزينة مصر، وإن كان صرفه يتطلب موافقة الصندوق الأوروبي. القناة الرابعة هي الموافقة الشكلية، فالخديوي والوزارة أعطيا الغطاء الرسمي، وردّ الخديوي على السلطان. القناة الخامسة هي القيد المالي نفسه، إذ حدّد ضعف مالية مصر وتيرة الحملة، فتأخر الزحف من دنقلا إلى الخرطوم عاماً ونصف العام، وقال سالزبوري صراحة إن الأمر منوط بتوافر المال (The Spectator, 1896b). وهذه قناة غير مباشرة لكنها مؤثرة، فهي تجعل قدرة مصر المالية متغيراً في القرار، حتى لو لم يكن لمصر صوت في تحديد ما يُفعل بهذه القدرة.

الفصل التاسع: قياس النفوذ: تقدير كمّي تقريبي وتقييم نوعي

يمكن تحويل ما سبق إلى تقدير كمّي تقريبي شفاف، مع التأكيد على أنه أداة تحليلية قائمة على اجتهاد الباحث لا قياس تجريبي. تُقسَّم عناصر القرار إلى ستة أبعاد مع أوزان نسبية. المبادرة وتحديد الهدف ٣٠٪، والتوقيت والنطاق ٢٠٪، والقيادة والتعيينات ١٠٪، والإذن المالي والتمويل ١٥٪، والتأطير القانوني والدبلوماسي ١٠٪، والتنفيذ البشري والعتاد ١٥٪. ثم يُقدَّر نصيب مصر في كل بُعد من الأدلة المذكورة. ففي المبادرة ٢٪ لأن القرار صدر من مجلس الوزراء البريطاني بعد عدوة دون دليل على مبادرة مصرية. وفي التوقيت والنطاق ٣٪ لأن لندن حددت الموعد والهدف المرحلي والتطمين الدبلوماسي. وفي القيادة ١٠٪ لأن السردار بريطاني لكن الخديوي يعيّنه شكلاً. وفي الإذن المالي ٢٥٪ لأن الأموال مصرية والتصويت أوروبي. وفي التأطير القانوني ٢٥٪ لأن لمصر شخصية قانونية لا غنى عنها، لكن صياغتها بريطانية. وفي التنفيذ ٩٠٪ لأن الجنود المصريين والسودانيين شكّلوا القوة الضاربة تقريباً.

ينتج من ذلك أن حصة مصر الإجمالية نحو ٢٢٪ (٠٫٦ + ٠٫٦ + ١٫٠ + ٣٫٧٥ + ٢٫٥ + ١٣٫٥ ≈ ٢٢)، وأن حصتها في القرار وحده، أي باستبعاد التنفيذ، نحو ١٠٪ (٨٫٤٥ مقسومة على ٠٫٨٥). وعند تعديل الافتراضات بحيث تُرفع حصة مصر في كل بُعد قرارِيّ بما يعادل ضعفه أو يُخفض إلى نصفه، يتراوح الناتج بين ٥٪ و١٥٪ تقريباً، وهو الهامش المعتمد في هذا المقال. وبذلك تكون حصة بريطانيا من القرار بين ٨٥٪ و٩٥٪، ومن الجهد الكلي بين ٧٥٪ و٨٠٪ تقريباً.

وهناك مؤشر مالي يعزز هذا التقدير. فقد قدّر أن كلفة حملة دنقلا بنحو ٦٥٠ ألف جنيه في أكتوبر ١٨٩٦، ثم قال وزير الخزانة في فبراير ١٨٩٧ إنها بلغت نحو ٧٣٣ ألف جنيه، منها ٥١٢٫٥ ألف جنيه إسترليني (خمسمئة ألف جنيه مصري) سلّفها الصندوق من احتياطي كان يبلغ وقت الحملة نحو ٢٫٧٥ مليون جنيه بحسب ما ورد في المناقشة (Hansard, 1897). وتعادل الكلفة نحو ٧٪ من إيرادات مصر السنوية التي بلغت نحو عشرة ملايين جنيه، وهو عبء محتمل لخزينة تحقق فائضاً. غير أن المحكمة المختلطة قضت في يونيو ١٨٩٦ بإعادة المبلغ، وأيدت محكمة الاستئناف ذلك في ٢ ديسمبر ١٨٩٦، فسددت الحكومة المصرية نحو ٥١٥٫٦ ألف جنيه للصندوق في ٨ ديسمبر بعد أن قدّمت لها بريطانيا قرضاً قدره ثمانمئة ألف جنيه (Royle, 1900; Cromer, 1908). ثم تخلّت بريطانيا لاحقاً عن المطالبة بسداد القرض (Royle, 1900). فإذا كان القرض هو الذي موّل السداد وجرى إسقاطه، فإن صافي العبء النهائي عن دنقلا انتقل تقريباً إلى الخزانة البريطانية بنسبة تقارب ٧٠٪ من كلفتها (٥١٥٫٦ من ٧٣٣)، وهو استنتاج حسابي لا رقم موثق، لكنه يدل على اتجاه الوقائع: أصبح الجهد المصري الشكلي مموّلاً في صورته النهائية من بريطانيا. وهذا الاستنتاج لا يتعارض مع الرواية الرسمية التي تقول إن بريطانيا وفّرت الرجال والعتاد بينما موّلت مصر الحملة (Metz, 1992)، لأنها تصف التمويل المعلن عند الانطلاق، بينما يصف الحساب المذكور صافي الحصيلة بعد اللجوء إلى القرض ثم إسقاطه.

أما التقييم النوعي فيمكن صياغته بتمييز أنواع القوة. قوة وضع الأجندة، وهي القدرة على تحديد ما يُقرر، كانت بريطانية بالكامل تقريباً. قوة الفيتو، أي القدرة على منع القرار، كانت منعدمة عملياً، وتدل عليها استقالة شريف باشا عام ١٨٨٤ واعتذار الخديوي عام ١٨٩٤. قوة الموارد، أي توفير الأدوات اللازمة للتنفيذ، كانت مرتفعة. قوة الإضفاء الشرعي، أي منح القرار قبولاً قانونياً ودبلوماسياً، كانت متوسطة إلى مرتفعة. وقوة القيد البنيوي، أي أثر محدودية الإمكانات في إيقاع التنفيذ ونطاقه، كانت متوسطة. وهذا التوصيف يبيّن أن النفوذ المصري لم يكن نفوذ فاعل يقرر، وإنما نفوذ وسيلة لا يتحقق القرار من دونها، وأن الفارق بين النوعين هو لب المسألة.

الفصل العاشر: قضية الصندوق والمحاكم المختلطة: اختبار حدّي لحدود الإرادة المصرية

تقدّم قضية الصندوق مثالاً تطبيقياً على هذا التحليل. فحين أُجيز صرف الخمسمئة ألف جنيه، رفعت فرنسا وروسيا اعتراضهما، وأقام حملة السندات الفرنسيون دعوى أمام المحكمة المختلطة ضد الصندوق والوزراء (The Spectator, 1896b)، وحجتهم أن الاحتياطي لا يُمس إلا بإجماع المفوضين وأن الحملة ليست نفقة استثنائية. وقد دافعت بريطانيا بأن الصندوق قرّر بأغلبية أن الحملة نفقة استثنائية جائز تمويلها من الاحتياطي، لكن محكمة الاستئناف المختلطة قضت بإعادة المبلغ مع الفائدة (Hansard, 1897). والدلالة السياسية للواقعة أن مصر لم تكن هي من تدافع عن القرار، بل بريطانيا، وأن الحكومة المصرية، كما وصفها رويل، «انحنت بإذعان» لنصيحة بريطانيا وأعادت الدفع (Royle, 1900). وقد تدخل كرومر بنفسه لإقناع حكومته بتقديم القرض. وحين خشي من تبعات إضافية، اقترح في ديسمبر ١٨٩٦ أن يعلن كتشنر أنه يدير مديرية دنقلا نيابة عن الحكومة البريطانية إلى أن يُسدَّد المال المسلَّف لمصر، مع بقاء العلم المصري مرفوعاً، وهو اقتراح لم يُقابل بحماس من سالزبوري حينها (Daly, 1986). وهذه التفاصيل تكشف أن القرار المالي كان في يد لندن، وأن البعد القضائي الذي تقوده فرنسا وروسيا حوّل الغزو إلى معركة بين القوى الأوروبية على أرض مصرية وبمال مصري، وأن مصر كانت ساحة لا طرفاً.

ويُفسَّر محدودية النفوذ المصري بعوامل أربعة. الأول بنيوي، هو الاحتلال منذ ١٨٨٢ ووجود المستشارين في الوزارات. والثاني مؤسسي، هو أن الجيش بقيادة السردار البريطاني، وقد أظهرت أزمة ١٨٩٤ أن الخديوي لا يستطيع مسّه. والثالث مالي، هو أن الصندوق وسيطرة القوى الأوروبية على الاحتياطي تجعل التصرف في أموال مصر خارج إرادتها. والرابع سياسي، هو أن معارضة الاحتلال كانت منشغلة بقضية الجلاء ولم تكن لها وسائل تأثير في سياسة الجيش. وهذه العوامل مجتمعة تجعل من الصعب تصور مبادرة مصرية مستقلة في الظرف نفسه.

الفصل الحادي عشر: الصوت الغائب: السودانيون بين الأنصار والجنود، ودروس قابلة للتنفيذ

كان السودانيون حاضرين في حملة ١٨٩٦ لكن من غير أن يكون لهم صوت. فمن بين ست عشرة كتيبة مشاة في الجيش المصري عند بدء الحملة كانت ست كتائب سودانية، أي نحو ٣٨٪ (Encyclopaedia Britannica, 1911)، وكان وضعهم القانوني في الجيش غامضاً بين العتق والتجنيد الدائم. ومن جهة الأنصار، فإن انضمام عدد من أسرى فركة إلى الكتائب السودانية يدل على أن الولاءات في تلك المرحلة لم تكن قطعية، وأن الجندية كانت خياراً معيشياً لا يقل أثراً عن الاعتقاد السياسي. ويكشف تاريخ الجهادية، وهم الجنود السود الذين نشأت نواتهم في الجيش التركي المصري من رقيق مجنّدين من الجنوب وجبال النوبة ثم قاتلوا في صفوف المهدية، أن الرقيق العسكري في السودان «كان يغيّر الراية ولا يغيّر المهنة» (خليفة، ٢٠٢٦أ؛ Johnson, 1989)، فالكتائب السودانية في الجيش المصري جُنّد كثير من أفرادها من أسرى المهدية والفارّين منها، وعاد بعض من قاتلوا الخليفة في حروبه الأولى يقاتلونه في أتبرا وكرري تحت راية أخرى. وفي المقابل كانت الدولة المهدية تعاني ضغوطاً داخلية وعزلة، ولم يكن لسكان الشمال الذين صارت دنقلا في قلب الحملة سوى أن يتكيفوا مع القوة الجديدة. ويؤكد ذلك أن الخراب الذي أنزلته دولة الخليفة بنسيجها الاجتماعي سبق الغزو، ومن أبرز مظاهره مذبحة المتمة في ١ يوليو ١٨٩٧، حين اقتحم محمود ود أحمد مدينة الجعليين وقتل زعيمها وآلافاً من أهلها، فانضمت أعداد من الجعليين، يقدّرها خليفة (٢٠٢٦أ) بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف رجل، إلى القوة غير النظامية التي عملت على الضفة الشرقية للنيل إلى جانب كتشنر، ويقدّر المصدر نفسه مجموع السودانيين في صف كتشنر بنحو سبعة إلى ثمانية آلاف، أي قرابة ربع الجيش أو أكثر قليلاً، وهو تقدير تقريبي تتفاوت فيه المصادر. ومن ثم فإن من يُقاتَل ومن يقاتل كانوا سودانيين في غالبيتهم، ومن يقرر كان في لندن.

وبعد الغزو انتقل النموذج نفسه إلى الحكم. فقد حكمت بريطانيا السودان من كرري في ٢ سبتمبر ١٨٩٨ إلى إنزال العلمين في ١ يناير ١٩٥٦ بجهاز لم يتجاوز مجموع رجاله البريطانيين على امتداد عمره نحو أربعمائة رجل (Kirk-Greene, 1982؛ خليفة، ٢٠٢٦ج)، وكانت الفكرة الحاكمة أن يدفع المحكوم ثمن حكمه، فتسدّ مصر عجز ميزانية السودان في سنواته الأولى (Daly, 1986)، وأن يظل التمييز بين الحاكم الفعلي والغطاء الدستوري قائماً. وقد لخّص دالي ذلك بأن بريطانيا كانت تدير ومصر كانت تدفع، ولخّصه خليفة بأنه «لم تكن هناك شراكة متكافئة» (خليفة، ٢٠٢٦ج). ثم سقط القناع المصري عملياً بعد اغتيال السير لي ستاك في القاهرة في ١٩ نوفمبر ١٩٢٤ وإنذار أللنبي الذي قضى بسحب الوحدات المصرية من السودان، فتمرّدت كتيبة سودانية تضامناً مع الوحدات المصرية، وقُتل قائدها عبد الفضيل الماظ، وأنشأت الإدارة قوة دفاع السودان عام ١٩٢٥ بولاءٍ للحاكم العام لا للقاهرة (خليفة، ٢٠٢٦ب). ويصف خليفة هذا المشهد بأنه «بيادق البيادق»: فالبيدق المصري تحرك بأمر لندن، والبيدق السوداني تحرك من أجل البيدق المصري ودفع الثمن وحده، وهو توصيف يعيد إلى عام ١٩٢٤ ما كان قد بدأ عام ١٨٩٦. وتؤكد أحداث ما بعد الغزو الدلالة نفسها: فحين نُبش قبر المهدي في أم درمان وأُلقيت عظامه في النيل وحُفظت جمجمته، كان من ناقش ذلك أمام الرأي العام هو مجلس العموم البريطاني في ٥ يونيو ١٨٩٩، فسأل جون مورلي «متى؟» وبرّر بلفور الفعل، لا الخديوي ولا الوزارة المصرية (Hansard, 1899؛ خليفة، ٢٠٢٦ب).

وتخرج من هذه الحالة دروس عملية للسودان. الدرس الأول أن تعدد الفاعلين الرسميين لا يعني تعدد مراكز القرار، فالدولة الوسيطة قد تكون ممراً لا فاعلاً، وأن الشرعية القانونية للتدخل قد تُستعار من طرف ضعيف لتغطية قرار قوة كبرى. والدرس الثاني أن القيد المالي يحدد إيقاع الحرب أكثر مما يحدده الخطاب، فقد تحكمت حدود المال في وتيرة الغزو عاماً ونصف العام، وهو ما يستوجب تتبع من يموّل ومن يتحمل الكلفة في أي نزاع. والدرس الثالث أن نقل الكلفة بين الأطراف، كما حدث حين تحولت ديون مصر إلى منحة بريطانية، يكشف مالك القرار الحقيقي أكثر مما تكشفه التصريحات. والدرس الرابع أن الأهداف المعلنة المحدودة، مثل «دنقلا فقط»، قد تكون مرحلة أولى، وأن قراءة التطور في اللغة الرسمية، كما في خطاب سالزبوري الصيفي، أجدى من الاكتفاء بالبيان الأول. والدرس الخامس أن غياب الصوت السوداني عن القرار ثم تحميل السودانيين كلفة تنفيذه يخلق مشكلة شرعية طويلة الأمد، وهو ما يستدعي بناء آليات مشاركة حقيقية في أي ترتيب لاحق يمس مستقبل البلاد. والدرس السادس أن الحدود التي تُرسم في العواصم الأجنبية تبقى حدوداً للدولة بعد زوال راسميها، فقد رُسم جسد السودان الحديث في لندن وباريس وبروكسل والقاهرة وأديس أبابا بين ١٨٩٩ و١٩١٦، ثم صار خط إدارة جنوبي حدّاً دولياً بين دولتين في ٩ يوليو ٢٠١١، وصارت فشودة نفسها بلدة في دولة أخرى (خليفة، ٢٠٢٦ب؛ خليفة، ٢٠٢٦د).

خاتمة نقدية

يتبين من العرض أن القرار الذي أطلق غزو السودان عام ١٨٩٦ كان قراراً بريطانياً في مبادرته وتوقيته وهدفه، وأن حضور مصر فيه كان حضور الأداة والغطاء لا حضور الشريك. وقد قدّرنا نفوذها في القرار بنحو ١٠٪ (من ٥٪ إلى ١٥٪) وفي الجهد الكلي بنحو ٢٢٪. غير أن هذه الأرقام تحمل حدوداً ينبغي تسجيلها بأمانة. فالأوزان المعتمدة اجتهادية، والمصادر البريطانية الغالبة قد تنتقص من الدور المصري، وغياب الأرشيف المصري المتاح، من وثائق قصر عابدين ومجلس النظار، يمنع الجزم بما دار داخل القاهرة. كما أن مفهوم «النفوذ» نفسه إشكالي: فقد يُقال إن تقدير مصر قدرتها على التنفيذ هو بحد ذاته نفوذ على القرار، لأن لندن ما كانت لتقرر لو لم تجد جيشاً ومالاً جاهزين. وهذه حجة وجيهة، لكنها تصف شرط إمكان القرار لا شرط اتخاذه، وهو فارق يحافظ على الاستنتاج الأساسي. وفي المقابل ينبغي عدم الوقوع في قراءة قومية تفترض أن مصر كانت مجرد ضحية، فللنخبة المصرية مصالح موضوعية في النيل والحدود والسيادة، وقد اقتنعت بالمشروع واستفادت من نتائجه، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن هذه المصالح لم تكن هي التي حركت القرار.

ويبقى خلاف الباحثين حول الدافع البريطاني الأول قائماً: فمن يقدّم الزناد الإيطالي، كما فعل ميلر (Miller, 2021)، يخفض قيمة الحجة النيلية الفرنسية في تفسير قرار مارس بالذات، ومن يقدّم فشودة والنيل، كما فعل سانديرسون (Sanderson, 1965) وخليفة (٢٠٢٦د)، يعطي الحجة الإيطالية وزن الذريعة. والرأي الذي ينتهي إليه هذا المقال أنهما متكاملان من حيث الزمن، فالأولى تفسّر اللحظة والثانية تفسّر الاتساع، وفي الحالتين تقع المبادرة في لندن لا في القاهرة. ومن الإنصاف أيضاً التنبيه إلى أن بعض أدلة الرواية النيلية تتأخر عن الحدث: فخبر الأوامر المختومة يخص عام ١٨٩٨ ويعتمد على مدونة، وفرضية أن الخديوي أراد توظيف الطموح الفرنسي ضد الاحتلال لم تُسند بوثيقة، وتقدير عدد السودانيين في صف كتشنر اجتهاد تقريبي، ولذلك فإن هذه القراءات تؤيد الاتجاه العام للاستنتاج ولا تُبنى عليها الأرقام.

وتظل القضية، في النهاية، درساً في كيفية صناعة القرار في ظل الاحتلال: مبادرة من الخارج، وتنفيذ بأدوات محلية، وغطاء قانوني من كيان تابع، وتكلفة تُحمَّل للمجتمعات المنفذة قبل أن تتحول إلى حساب بين القوى. وللسودان خصوصية في هذا الدرس، فقد كان ميدان المعركة وغاب عن مائدة القرار.

المراجع

المراجع الإنجليزية

  1. Alford HSL, Sword WD. The Egyptian Soudan: its loss and recovery. London: Macmillan; 1898.
  2. Britannica. Battle of Adwa [Internet]. Encyclopaedia Britannica; 2024 [cited 2026 Oct 24].
  3. Collins RO. The Southern Sudan, 1883–1898: a struggle for control. New Haven: Yale University Press; 1962.
  4. Cromer E Baring, Earl of. Modern Egypt. Vol 2. London: Macmillan; 1908.
  5. Daly MW. Empire on the Nile: the Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge: Cambridge University Press; 1986.
  6. Encyclopaedia Britannica. Egypt: history. 11th ed. Cambridge: Cambridge University Press; 1911.
  7. Fahmy Z. Francophone Egyptian nationalists, anti-British discourse, and European public opinion, 1885–1910: the case of Mustafa Kamil and Yaʿqub Sannuʿ. Comp Stud South Asia Afr Middle East. 2008;28(1).
  8. Hansard (House of Commons Debates). England and France in Africa. 1895 Mar 28;32 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  9. Hansard (House of Commons Debates). Military expedition to Dongola. 1896 Mar 16 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  10. Hansard (House of Commons Debates). Dongola expedition. 1896 Mar 30;39:386–7 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  11. Hansard (House of Commons Debates). Dongola expedition. 1896 Jul 6;42 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  12. Hansard (House of Commons Debates). Egyptian expedition. 1897 Feb 5;45 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  13. Hansard (House of Commons Debates). Supply. 1899 Jun 5 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  14. Hill R. Egypt in the Sudan, 1820–1881. London: Oxford University Press; 1959.
  15. Holt PM. The Mahdist state in the Sudan, 1881–1898: a study of its origins, development and overthrow. 2nd ed. Oxford: Clarendon Press; 1970.
  16. Holt PM, Daly MW. A history of the Sudan: from the coming of Islam to the present day. 6th ed. Harlow: Pearson; 2011.
  17. Johnson DH. The structure of a legacy: military slavery in Northeast Africa. Ethnohistory. 1989;36(1):72–88.
  18. Kirk-Greene AHM. The Sudan Political Service: a preliminary profile. Oxford; 1982.
  19. Lewis DL. The race to Fashoda: European colonialism and African resistance in the scramble for Africa. New York: Weidenfeld & Nicolson; 1987.
  20. Metz HC, editor. Sudan: a country study [Internet]. Washington (DC): Federal Research Division, Library of Congress; 1992 [cited 2026 Oct 24].
  21. Miller SM. Queen Victoria’s wars: British military campaigns, 1857–1902. Cambridge: Cambridge University Press; 2021.
  22. Owen R. Lord Cromer: Victorian imperialist, Edwardian proconsul. Oxford: Oxford University Press; 2004.
  23. Robinson R, Gallagher J, Denny A. Africa and the Victorians: the official mind of imperialism. London: Macmillan; 1961.
  24. Royle C. The Egyptian campaigns, 1882 to 1899. London: Hurst and Blackett; 1900.
  25. Sanderson GN. Contributions from African sources to the history of European competition in the upper valley of the Nile. J Afr Hist. 1962;3(1):69–90.
  26. Sanderson GN. England, Europe and the Upper Nile, 1882–1899. Edinburgh: Edinburgh University Press; 1965.
  27. The Spectator. News of the week. 1896 Mar 28 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  28. The Spectator. News of the week. 1896 Jun 20 [Internet] [cited 2026 Oct 24].
  29. Tvedt T. The River Nile in the age of the British: political ecology and the quest for economic power. London: I.B. Tauris; 2004.

المراجع العربية

  1. خليفة ر. تاريخ المهديّة الاجتماعي، الجزء الثاني [الإنترنت]. سودانايل؛ ٢٠٢٦ أكتوبر ٥ [تاريخ الوصول: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦].
  2. خليفة ر. «السباق نحو فشودة» لديفيد ليفرن لويس، قراءةٌ سودانية [الإنترنت]. سودانايل؛ ٢٠٢٦ أكتوبر ٢٠ [تاريخ الوصول: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦].
  3. خليفة ر. السودان في قبضة الإمبراطورية، كيف أحكمت بريطانيا سيطرتها عليه بحفنة من الرجال [الإنترنت]. سودانايل؛ ٢٠٢٦ أكتوبر ٢٣ [تاريخ الوصول: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦].
  4. خليفة ر. فشودة، السبب الخفي والرئيسي لاستعمار بريطانيا للسودان [الإنترنت]. سودانايل؛ ٢٠٢٦ أكتوبر ١٧ [تاريخ الوصول: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦].
  5. الرافعي ع. مصطفى كامل: باعث الحركة الوطنية. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية؛ ١٩٣٩.
  6. شقير ن. جغرافية وتاريخ السودان. القاهرة؛ ١٩٠٣.
  7. شكري م ف. مصر والسيادة على السودان. القاهرة؛ ١٩٤٦.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

مزمل أبو القاسم
الزعيم يحاصر الخرطوم
منبر الرأي
من يحمي المواطن لو عجزت الدولة عن دورها الامني و العدلي
منبر الرأي
ما بعد انتخابات 2015 (4): النزاع في دارفور من الشؤون الداخلية لامريكا وألمانيا وفرنسا. عرض: محمد علي خوجلي
Uncategorized
حمور زيادة.. عودة إلى “شوق الدرويش”
الأخبار
السودان: 6.9 مليون طفل خارج المدارس و12 مليوناً يُواجهون عدم استقرار في التعليم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الهيمنة الحزبية لاتحاد نقابات عمال السودان !! .. بقلم: صلاح التوم كسلا

طارق الجزولي
منبر الرأي

هل يصلح العطار ما أفسده نافع؟ .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

د. عبد الوهاب الأفندي
منبر الرأي

هل أصدر العثمانيون وعداً مشابهاً لوعد بلفور ؟ .. بقلم: خالد هاشم خلف الله/ مراسل تلفزيونى

طارق الجزولي
منبر الرأي

انتكاسة الميزان

مرتضى القسم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss