محمد صالح محمد
تتلبد السماء بالغيوم وتكتسي الدنيا برداءٍ رمادي يشبه لون قلبي منذ رحيلكم. يركض الأطفال بضحكاتهم تحت الزخات الأولى وتتبادل الوجوه الابتسامات استبشاراً بالخير أما أنا فأنزوي خلف نافذتي الباردة أرقبُ قطرات المطر وهي ترتطم بالزجاج كأنها دقاتُ قلبٍ مثقلٍ بالوجع.
يقولون إن المطر حياة ولكن كيف يحيا من فقد نبضه؟
سيمفونية البكاء الصامت …
مع كل قطرة تسقط من كبد السماء تسقط من عيني دمعة حارقة تفتش عنكم في زوايا المكان للمطر رائحة تحرض الذاكرة على البكاء؛ رائحة التراب المبلل التي كانت تجمعنا يوماً والآن لا تجمعني إلا بظلالكم التي سكنت الروح ولم تغادر.
كان المطر طقساً للدفء والاجتماع والآن أصبح فصلاً للصقيع والوحدة.
كانت الضحكات تعلو فوق صوت الرعد والآن لا أسمع إلا صدى أنيني.
كانت القهوة تفيض بالحب والآن طعمها مرّ كعلقم الغياب.
مطرٌ فوق الأرض وطوفانٌ في الصدر …
لا معنى لهذا الانهمار وأنتم لستم هنا من سيشاركني مراقبة الشوارع المغسولة؟ ومن سيشدُّ على يدي حين ترتجف من البرد؟ المطر بدونكم ليس سوى ماءٍ بارد يزيد من وحشة الدرب.
أفتحُ كفيّ للسماء لا لأدعو لنفسي بل لأبثّها لوعتي و أخبرُ المطر أن يذهب إليكم و أن يبلل تربتكم بسلامي وأن يخبركم أنني هنا أذوبُ حزناً كلما ارتوت الأرض وأجفُّ شوقاً كلما انقطع الغيث.
“يا مطرُ رفقاً بقلبٍ تهالك خلف القضبان الصامتة للغياب فما عاد في الروح متسعٌ لمزيدٍ من الوجع”
تتوقف السماء عن البكاء بعد حين وتشرق الشمس لتجفف الطرقات لكنّ مطر الحنين في صدري لا ينتهي وغيمة فقدكم لا تبرح سماء عمري.
حين يجفّ المطر ويبقى الوجع …
وفي النهاية ستكفّ السماء عن البكاء وتكفّ الريح عن العويل وتجفّ الطرقات وكأن شيئاً لم يكن.. أما أنا فسأبقى عالقاً في تلك اللحظة التي رحلتم فيها أتحسس فراغ مقاعدكم الباردة.
لقد أدركتُ اليوم وأنا أرقبُ آخر قطرة مطر تنزلق على زجاج نافذتي أن المطر لا يغسل الحزن أبداً بل يسقيه ليذبل القلب أكثر و سأغلق نافذتي وأطفئ أنوار غرفتي وألتحف بصمتي.. فلا الشتاء سيعيدكم ولا الربيع سيُزهر في صدري بعدكم.
عذراً أيها المطر فكلُّ فيضك لم يستطع أن يغسل دمعة واحدة تجمدت في محجري شوقاً لمن غيبهم الهجران وأحرقهم الغياب.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم