فشل العسكر والديمقراطية المشوهة والإسلام السياسي في حكم السودان

فشل العسكر والديمقراطية المشوهة والإسلام السياسي في حكم السودان: الأسباب والنتائج والمخرج الممكن
بقلم: م. جعفر منصور حمد المجذوب
Gaafar.hamad@gmail.com
المقدمة
منذ استقلال السودان عام 1956م، ظلّت البلاد في حلقة مفرغة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية. تباينت التجارب بين حكم عسكري، ديمقراطية مدنية قصيرة العمر، وتجربة الإسلام السياسي، لكن النتيجة النهائية كانت واحدة: فشل في بناء دولة مستقرة وعادلة.
فشل فى خلق هوية سودانية ودستور يحقق العدالة لكل مواطن دونما أى تمييز عرقي أو قبلى أو جندرى أو دينى.
يهدف هذا المقال إلى محاولة تحليل الأسباب الجوهرية لفشل هذه التجارب، واستعراض النتائج التي ترتبت عليها، ثم البحث عن المخرج الممكن نحو بناء دولة مدنية حديثة.
المحور الأول: فشل الحكم العسكري في السودان

  1. غياب المؤسسية: المؤسسة العسكرية لم تُبنَ على عقيدة وطنية صلبة، بل على تحالفات عشائرية وسياسية.
  2. الانقلابات كآلية للحكم: منذ انقلاب عبود (1958) مروراً بنميري (1969) ثم البشير (1989)، تكرر السيناريو ذاته: تعليق الدستور، حل الأحزاب، عسكرة الحياة العامة.
  3. الأولوية لأمن السلطة وليس التنمية: ركّزت الأنظمة العسكرية على البقاء عبر القمع بدل الإصلاح، ما أدى إلى تدهور الاقتصاد والبنية التحتية.
  4. الفساد المالى والسياسى وهذا القاسم المشترك بين كل فترات الحكم ولكن تعمق أكثر فى الأنظمة العسكرية واكثر واكثر تحت ظل الاسلام السياسي.
    5.إضعاف المؤسسات المدنية: تسييس الخدمة المدنية والنقابات، مما عطّل مسار الدولة الحديثة.
    المحور الثاني: فشل الديمقراطية المدنية
  5. ضعف البنية الحزبية: معظم الأحزاب قائمة على زعامة طائفية أو شخصية، دون برامج وطنية واضحة.
  6. الانقسام السياسي: الخلافات الشخصية والانشقاقات عطلت أي إمكانية للاستقرار البرلماني.
  7. غياب الثقافة الديمقراطية: داخل الأحزاب نفسها تغيب الممارسة الديمقراطية، مما جعلها عاجزة عن إدارة الدولة.
  8. العجز عن معالجة القضايا القومية: لم تستطع الحكومات الديمقراطية معالجة جذور الحرب الأهلية في الجنوب، أو قضايا الهوية والتنمية المتوازنة.
    المحور الثالث: فشل الإسلام السياسي
  9. استخدام الدين كأداة سلطة: الإسلام السياسي في السودان، عبر تجربة “الإنقاذ”، لم يقدّم نموذجاً أخلاقياً أو تنموياً، بل جعل الدين وسيلة للتمكين السياسي.
  10. الإقصاء والتمكين: سياسات التوظيف الحزبي (التمكين) خلقت دولة حزبية ضيقة بدل الدولة الوطنية.
  11. الفساد البنيوي: تحوّل المشروع إلى شبكة مصالح اقتصادية وسياسية مرتبطة بالسلطة.
  12. تفتيت المجتمع: من خلال تقسيم الناس إلى “مؤمنين” و”علمانيين”، مما عمّق الانقسام.
  13. الفشل في تحقيق العدالة والتنمية: رغم الخطاب الديني، ازداد الفقر والظلم وانتهت التجربة بسقوط مدوٍّ في ثورة ديسمبر 2019. ثم عودة بعد انقلاب اكتوبر ومن ثم الحرب التى لم تنته حتى الآن
    المحور الرابع: النتائج المترتبة على هذا الفشل
    انهيار الدولة: ضعف الخدمة المدنية، تآكل البنية التحتية، انهيار العملة.
    الحروب الأهلية: استمرار النزاعات في الجنوب سابقاً، ثم دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
    تغليب وتحذر الانتماءات الجهوية والقبلية على مفهوم المواطنة.
    العزلة الدولية: العقوبات، الحصار، تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب لعقود.
    فقدان الثقة الشعبية: الشعب لم يعد يثق لا في العسكر، ولا الأحزاب، ولا الإسلاميين.
    المحور الخامس: المخرج الممكن
  14. بناء دولة مدنية دستورية:
    التوافق على دستور يقوم على المواطنة. دون أى تمييز دينى أو عرقي أو قبلى أو جندرى
    فصل السلطات واستقلال القضاء.
    ضمان الحريات الأساسية.
  15. إصلاح المؤسسة العسكرية:
    إعادة هيكلة الجيش ليصبح مهنياً وطنياً بعيداً عن السياسة.
    دمج المليشيات والقوات الموازية في جيش واحد.
    الاستعانة بقوات دولية لفترة لتحقيق ذلك لأنه ثبت بما لا يدع مجالا للشك فى عدم قدرة ورغبة الجيش المستلب من تنظيم سياسى والمليشيات لتحقيق ذلك
  16. إصلاح الحياة الحزبية:
    بناء أحزاب برامجية لا طائفية وإصدار قانون تسجيل أحزاب ترعاه لجنة تتبع للمحكمة الدستورية مباشرة. وفى مقال سابق بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٩ كتبت عن قانون لتسجيل الأحزاب
    تدريب كوادر شبابية ونسائية.
    إدخال آليات ديمقراطية داخل الأحزاب نفسها.
  17. تحرير الدين من السياسة:
    الدين كقيمة روحية وأخلاقية، لا كأداة للتمكين.
    بناء دولة محايدة تجاه الأديان، تحمي حرية المعتقد.
  18. مشروع وطني جامع:
    التركيز على التنمية (التعليم والتقنية، الصحة، البنية التحتية).
    العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
    معالجة جذور النزاعات عبر التنمية المتوازنة.
  19. الاستفادة من التجارب الدولية:
    جنوب أفريقيا (المصالحة والعدالة الانتقالية).
    تونس (التوافق الدستوري).
    رواندا (إعادة بناء الدولة بعد الحرب الأهلية).
    الخاتمة
    فشل العسكر، والديمقراطية المشوهة، والإسلام السياسي في حكم السودان ليست محض صدفة، بل نتيجة لغياب المشروع الوطني الجامع والمؤسسية. الطريق للخروج من الأزمة يمر عبر دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة والعدالة والتنمية، بعيداً عن العسكرة والطائفية وتسييس الدين. إن بناء هذه الدولة يتطلب وعياً جديداً، وقيادة مؤهلة، وشراكة شعبية واسعة، وإلا سيظل السودان أسير الحلقة المفرغة.

عن جعفر منصور حمد المجذوب

شاهد أيضاً

تقديس الأفراد في السودان… المسكوت عنه منذ دولة سنار إلى اليوم

بقلم: م. جعفر منصور حمد المجذوبGaafar.hamad@gmail.comمنذ قرون طويلة ظلّ المجتمع السوداني أسير ثقافة تقديس الساسة …