التعليم (5)
فلسفة التعليم (5/7)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
بيستالوزي وهربرت وفروبل
كان لروسو تأثيرٌ كبير وعظيم على فلسفة التعليم وعلى فلاسفة التعليم. ومن بين الذين تأثروا بآرائه بشدة كان كل من يوهان هاينريش بيستالوزي (Johann Heinrich Pestalozzi) (1746-1827)، ويوهان فريدريش هربرت (Johann Friedrich Herbart) (1776-1841)، وفريدريش فروبل (Friedrich Froebel) (1782-1852).
ويتجاهل العديد والكثير من فلاسفة التعليم المعاصرين أعمال هؤلاء الرجال الثلاثة الذين ذكرناهم في الفقرة الآنفة، والذين سنقوم بتناولهم بإيجاز هنا في هذه المساحة الخجولة، ولكنها غنية بهم، ولكن هناك عدد من الأسباب تدفعنا لإدراجهم في نقاشنا أو في نقاشاتنا وفي حوارنا أو في حواراتنا.
أولاً، غالباً ما يتجاهل التربويون التعليميون، وحتى المنظرون التربويون التعليميون، تاريخ التربية والتعليم، ويغفلون عن أن الكثير من الأفكار الجديدة المزعومة قد طُرحت مسبقاً أي في السابق أو في الزمان السالف؛ فأفكار أخرى لها سوابق مثيرة للاهتمام، ومن المفيد أحياناً تتبع تطورها. ثانياً، بما أننا ناقشنا أعمال روسو، فمن المنطقي النظر في تأثيره على الأعمال التي أعقبتها والتي تلتها كأعمال هؤلاء الثلاثة.
لقد كان بيستالوزي من هؤلاء الثلاثة الذين اتبعوا نهج جان جاك روسو في التوصية بتعليم الأطفال من خلال الحواس. ونجده قد صقل أفكار روسو، واتبع جون لوك، وابتكر نهجاً سماه أو يُسمى “الدرس العملي”.
يبدأ الدرس العملي بعرض شيء ما، ثم دعوة الطلاب لوصفه، وشرح كيفية عمله، وهكذا، نعم هكذا.
وعلى سبيل المثال، فقد نطرح صباح اليوم مصباح طاولة (مكتملاً بسلك، وغطاء، ومصباح) في فصل طلاب الصف السادس مثلاً، ومن ثم نستكشف مجموعة من الأسئلة معهم، كالأسئلة التالية، هل السلك آمن؟ إذا لم يكن كذلك، فكيف يمكننا جعله آمناً؟ كيف تعمل المصابيح الكهربائية؟ هل هذا المصباح ساطع بما يكفي للقراءة؟ وفي أي غرفة سنستعمل مثل هكذا مصباح؟ هل هو جذاب؟ ما المادة المستخدمة في الظلال؟ وكيف يتم توصيل المصباح؟ وبعد هذا السؤال الأخير، قد نفكك المصباح وقد نعيد توصيل أسلاكه من أول وجديد.
وقد كانت دروس بيستالوزي العملية تنتهي عادةً بعبرة أخلاقية. فقد كان مهتماً غاية الاهتمام بالتربية الأخلاقية، وكان يؤمن بأن جميع الدروس يجب أن تتضمن جانباً أخلاقياً وأيضاً جانباً معرفياً.
ومن المثير للاهتمام أن معظمنا اليوم يربط “الدرس العملي” بالجانب الأخلاقي منه فقط؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، غالباً ما نعلق على فشل شخص ما في مهمة سيئة التخطيط أو سيئة النية بقولنا.. “أعتقد أن ذلك كان درساً عملياً له”. ولم يسمع الكثيرون قط بالجانب العلمي المعرفي لمثل هذه الدروس ولمثل تلك التجارب.
وإلى جانب عمله الشيق في صقل أفكار روسو وفي ابتكار تطبيقات محددة لها، يُذكر بيستالوزي أيضاً لعمله الدؤوب مع الأطفال الفقراء. ففي مدرسته، أثبت أن الأطفال الفقراء، إذا ما حظوا برعاية جيدة وبتعليم متقن، يمكنهم التعلم بقدر ما يتعلمه الأطفال الأثرياء أبناء الأغنياء.
وبعد مرور مئتي عام ونيف، لا يزال كثيرون في مجتمعنا أو في مجتمعاتنا يشككون في صحة هذا الزعم وفي صحة هذه الفكرة. ويندِّد المصلحون المعاصرون، الذين يتفقون مع بيستالوزي، بالتفاوتات المروعة الموجودة في المدارس الفقيرة. ومثل بيستالوزي، يُنظر إلى العديد من هؤلاء المصلحين على أنهم مهووسون وذوو رؤية، وغالباً ما يُهمَل عملهم لصالح “أهداف أكثر أهمية” كما يُعتقد.
وكتعليق أخير على أساليب بيستالوزي التعليمية، تجدر الإشارة إلى حالة مثيرة للاهتمام، وهي أنه يُقال إن ألبرت أينشتاين (Albert Einstein) قد واجه صعوبة بالغة في المدارس العادية، لكنه في النهاية أصبح سعيداً وصار ناجحاً ومتفوقاً عندما التحق بمدرسة سويسرية تُشبه فهم بيستالوزي أو طبقت افكار بيستالوزي وأساليبه. وهناك، صادف ألبرت أساليب تُناسب أسلوبه في التعلم البصري -خرائط، وأدوات، ومعدات متطورة، وأشياء متنوعة.
وبصفتنا مُعلمين مُتفكرين، قد نتساءل كم من أينشتاينيين ناشئين يُعانون من الفشل في مدارس اليوم لأن الأساليب السائدة والشائعة لا تُلبي احتياجاتهم ولا تشبع حاجاتهم، وهل توجد عندنا أو لدينا أساليب؟!
وقد بنى هربرت (Herbart)، كذلك، على أفكار روسو حول الحواس ووظيفتها الحاسمة في التعليم. وكان أن وصف وظيفة العقل من حيث العروض بما يُسمى “بالكتلة الإدراكية”. ورأى هربرت أن هذه الأخيرة هي مجموعة من التجارب السابقة التي يمكن توظيفها لفهم أو لإدراك فكرة جديدة.
وكما وصفها هربرت، تُعدّ الكتلة الإدراكية (the apperceptive mass) سابقةً “للبنية المعرفية” لدي “بياجيه” (Piaget’s cognitive structure.). ويكمن الاختلاف الرئيسي بين المفهومين في أن البني المعرفية عند بياجيه هي آليات تشغيلية، بينما تحتوي الكتلة الإدراكية عند هربرت على المحتوى الفعلي للتجربة. ومع ذلك، فإن كلاهما يعمل على استيعاب مواد جديدة.
وقد كان هربرت من أوائل مناصري الأساليب العلمية في التعليم، إذ رأى أن أساليب التدريس والتعليم يجب أن تُصمَّم بما يتناسب مع طريقة عمل العقول. ويجب على المعلمين إعداد الطلاب للمواد الجديدة من خلال استحضار الخبرات ذات الصلة التي خزّنها الطلاب في ذاكرتهم. وبعد ذلك، يمكن للمعلمين وللطلاب صياغة المادة الجديدة بحيث تُرسَّخ بدقة وتكون متاحة للاستخدام المستقبلي. ويتسم أسلوبه بأنه أسلوب معرفي للغاية، ويُركِّز على نشاط المعلم أكثر من تركيزه على نشاط الطالب.
وقد حاول هربرت، على غرار بيستالوزي، أن يجعل منهجه التربوي أو التعليمي محدداً تماماً، وقد صُمم، بالطبع، ليناسب فكره الفلسفي المتعلق بالعقل وبكيفية عمله. واتباعاً لمعتقداته حول كيفية عمل عقولنا، اقترح هربرت درساً من أربع خطوات، فصّله أتباعه إلى خمس خطوات، وهي.. “التحضير”، و”العرض”، و”المقارنة” و”التجريد”، و”التعميم”، و”التطبيق”.
وقد تلاحظون بشيء من الدهشة وأيضاً من الاندهاش أن هذه الخطوات الخمس تشترك في عناصر مع “درس الخطوات الخمس” اليوم. ومع ذلك، من المشكوك فيه أن هربرت لم يكن يقصد التطبيق الضيق والصارم الذي أصرّ عليه العديد من أتباعه.
وقد أشاد جون ديوي بهربرت كتقدير جميل لإخراجه “عملية التدريس من دائرة الروتين ومن دائرة الصدفة”. وكان أن طرح هربرت العديد من الأسئلة التي لا تزال تعتبر جوهرية في فلسفة وفي علم التدريس والتعليم. لكن جون ديوي رأى أن هربرت وقع في عدد من الأخطاء، وجل من لا يخطأ.
وكان أكبر عيب في نظريته، كما رأي ديوي، هو إهماله للكائن الحي ولأهدافه أو لأغراض هذا الكائن الحي. وكان أن أصرّ ديوي على أن التدريس لا يمكن وصفه بخطوات عديدة لجميع الطلاب ولجميع المواد الدراسية. وعلى المعلمين البدء بأغراض أو بأهداف طلابهم، وتوجيههم نحو تجارب ثرية محتملة، ومراقبة علامات النمو بعناية وباهتمام بالغين. وقد كان ديوي حاداً في نقده لهيربرت…
(تُفصِح الفلسفة عن واجب المعلم في تعليم التلاميذ، لكنها تكاد تصمت عن امتيازه في التعلم. وتُشدّد على تأثير البيئة الفكرية على العقل، وتُغفل حقيقة أن البيئة تنطوي على مشاركة شخصية في التجارب المشتركة. وتُبالغ الفلسفة، بما يتجاوز المعقول، في إمكانيات الأساليب المُصاغة والمُستخدمة بوعي، وتُقلّل من شأن دور المواقف الحيوية اللا-واعية… باختصار، تُراعي كل ما هو تعليمي باستثناء جوهره – الطاقة الحيوية التي تبحث عن فرصة لممارسة فعّالة).
من موقعنا الحالي، يُمكننا استخدام أفكار ديوي لتحليل ولنقد المحاولات المعاصرة لجعل علم التربية أو علم التعليم موحداً وجعله علمياً. وهل درس الخطوات الخمس مفيد اليوم؟ هل يُتعلم كل شيء (أو يُفضّل تعلمه) من خلال التعليم المباشر؟ هل تُطبّق انتقادات ديوي لهيربرت على أساليب التعليم المعاصرة؟
أما بخصوص فروبل (Froebel)، المفكر الثالث المتأثر بروسو، فانه يُعرف اليوم بأنه “أب روضة الأطفال”. وفي نظام فروبل المجازي أو الافتراضي، كانت روضة الأطفال عبارة عن حديقةً ينمو فيها الأطفال، كالأزهار اليانعة. وينعكس مفهوم روسو عن الخير المتأصل في الطفل في تأكيد “فروبل” على الرعاية والنمو. ومن هذا المنظور، لا يعتبر الطفل شريراً وفي حاجة إلى تقويم مستمر، بل هو كامل وهو جميل، ويجب على روضة الأطفال الحفاظ على هذا الخير وعلى رعايته باهتمام وبعناية.
وقد أراد فروبل كذلك أن يتعامل الأطفال مع الأشياء وأن يلاحظوا الأشكال كجزء من تعليمهم الرياضي، لكنه لم يكتفِ بتقديم الأشكال فقط -كالدوائر والمثلثات وما شابهها- وتعلم الأطفال أسماءها وخصائصها. ولكنه أضفى على كل شكل من الأشكال معناً رمزياً غامضاً حتى يمنحه أهمية في المجالين الروحي والأخلاقي.
وقد أبدى جون ديوي إعجابه الشديد باهتمام فروبل المحب للأطفال وبكثير من أساليبه، لكنه، رأى أن مفهوم “التكشف” خطأ، وذلك لأنه يُحاكي مقولة روسو بأن الأطفال يولدون بفضيلة جوهرية، وسخر من فكرة أن الرموز الرياضية يجب أن تحمل دلالة دينية أو أخلاقية…
(قد يُشير مثال واحد إلى أسلوب [فروبل]. كل من يعرف روضة الأطفال يعرف الدائرة التي يجتمع فيها الأطفال. لا يكفي [لفروبل] أن تكون الدائرة وسيلةً سهلةً لتجميع الأطفال. بل يجب استخدامها “لأنها رمزٌ للحياة الجماعية للبشرية” بشكل عام).
يكشف هذا التعليق لجون ديوي عن جانب من النقد الذي يوجهه فلاسفة التعليم أحياناً لأعمال بعضهم البعض. ولقد لاحظنا أن ديوي قد أبدى إعجابه بشيء ما في أعمال روسو، وأعمال المتأثرين به، كبيستالوتزي، وهربرت، وفروبل، لكنه واجه أيضاً صعوبات – توصيات غير مبنية على أسس صحيحة، وتناقضات، وأفكاراً لا تتوافق مع معتقدات ديوي الأساسية المتعلقة بطبيعة الطفل، ومعنى التربية أو التعليم، ودور التدريس، وطبيعة الدروس.
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم