بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
حرب السودان ليست استثناءًا . كل الحروب مفتوحة على التسويات. جميع الجبهات الساخنة والباردة تتبادل إطلاق الشروط ،عروض التنازلات والضغوط قبل بلوغ اطفاء الحرائق . هكذا هو حال الدول والشعوب منذ توقيع رمسيس الثاني ومانوشيلي أول اتفاق للسلام العام ١٢٥٩ قبل الميلاد . هذا ما يحدث حاليًا في فلسطين ،لبنان ،سوريا ،العراق،اليمن واوكرانيا .لذلك واهمٌ من ترقّب خاتمةً سعيدةً على عجل من أركان الحرب فئ الخرطوم . الآن المسألة السودانية دخلت مرحلة تبادل الكلام تحت قصف النار . مغادرةُ مستنقع الحرب عبر قوافل الإغاثة -كما رسمت أميركا وحلفاؤها- ليس بالخيار المناسب لبلوغ آفاق السلام . ربما الأسرع و الأكثر أمنا وأمانا حتى للإمدادات الإنسانية استهداف وقف النار . فإبّان الفوضى لا تصبح السبل سالكة أمام الإغاثة حتى إذا استهدفت إنقاذ ضحايا كوارث طبيعية مثل اهتزاز الأرض ،فيضان الماء او اشتعال الحرائق . السودان يعايش الفوضى قبل الحرب إذ تولى أمره زمرة لم يقرؤا قول ونستون تشرشل(السياسة هي القدرة على التنبؤ بما يحدث غدًا ). الغباء الفاضح أقحم الشعب صحراء. البؤس.
فالحديث عن رفض النطام العسكري في بورسودان عرض الرباعية لايعبر عن رؤية نافذة .النظام يتحدث بلسانين أحدهما يتكلم الرفض ومواصلة القتال . هذا الموقف لم يصدر عن مجلس الدفاع و الأمن .أما لسان المجلس يرحب بالجهود السلمية ويشيد بالمساهمة الأميركية. الترحيب في تعقيدات الداخل والخارج يعني قبولًا . بغض النظر عن موازين القوى على الأرض أو على منصات السياسة فإن التسليم بالمقترح الرباعي منذ اللحظة الأولى يمثل قفزة فوق الواقع بكل مكنونات إهترائه . ذلك ضرب من الاستسلام بمنطق قادة الحرب .لا يقلل من ذلك تلبيس الرفض عمداً مع سبق التزوير روحا وطنية . هكذا فعلت حماس -مثلا- كذلك يفعل حزب الله .عرض تأمين الإغاثة مدخلا للتفاوض يتيح المساومة أكثر مما ينبغي .في علم التفاوض أكثر من مدخل يُضيّق فرص المساومات والخلافات . من ذلك وقفُ العدائيات،وقفُ اطلاق النار، اتفاقُ ما قبل التفاوض، اتفاقُ تمهيدي .لكل اتفاق مقوماته وإجراءاته. فالاتفاق التمهيدي – مثلا – يستهدف بناء الثقة دون التدخل في قضايا النزاع.
السياسة هي عصبُ حكايةِ التاريخ .كلاهما سردية تكتبها أقلية بينما الغالبية هي الضحية دومًا . الحرب السودانية ليست استثناءًا .ثمة شريحة تستأثر بالفائض بينما الأكثرية تكابد الخذلان على حواف الكفاف وتحت الفقر . ثمة عصابات مسلحة تتجول بين أنقاض المدن وآخرون مذعورون كالفئران يتقاسمون في الفضاء شح الغذاء ، ندرة الدواء و كثيرًا من الأوجاع والأوبئة. جميعهم -المسلحون والضحايا- يتنفسون روائح الدم والموت . كلهم لا يشاركون في كتابة قرارات الحرب و اتفاقات السلام .ذلك من صنع الشريحة الضيقة المستأثرة بالفائض . هم رجال السلطة، الكهنة والأثرياء . هم أنفسهم أصحاب منصات الاستنفار و التجييش . أجهزة الاعلام فقدت صدقيتها .هي لم تعد مرآة المجتمع، بل بوق الأقليات النافذة .بعد مضي عامين وأكثر في التقتيل ،التشريد والتدمير لايبدو أيٌّ من الطرفين أقرب إلى فرض( سلام قرطاجي) على الطرف الآخر أي تركيعه.
قبول الجنجويد المعلن عرضِ الرُّباعية ينطوي على العديد من الأبعاد السياسية والعسكرية، ليس أقلها الاستثمار في تزيين صورة الميليشيا كصاحبة قضية . ليس أبعدها استقطاب تعاطفٍ سياسيي في الداخل والخارج . هو قبولٌ يستهدف تحقيق مكاسب في سوق العلاقات الدولية الفورية .هو موقفٌ يعكس وجودَ ذهنية سياسيةٍ مرنة قادرةٍ على المواكبة . ففي أحداث العنف الكبرى والحروب من الحكمة المزج بين السياسي والعسكري دون تغليب سلاح على الآخر . هذه الحكمة تتطلب من النظام العسكري قدرًا من المرونة .فالتصلّب قد يبني موقفًا مؤقتاً لكنه لا يصنع وحده مستقبلًا . هذه قراءة في ظل الأزمة المستحكمة في الداخل ومطارق الضغوط في الخارج .فالثابت عبر التاريخ السياسي إبداءُ الاستعداد لتقديم تنازلات مقابل الرغبة في تحقيق مكاسب . ربما حاول البرهان ممارسة مثلَ هذه اللعبة عندما التقى من وراء شركائه نتانياهو . لكنه اخفق في بلوغ مكاسب وطنية.
بعد مُضي عامين وأكثر في التقتيل ،التشريد والتدمير لايبدو أيٌّ من الطرفين أقرب إلى فرض( سلام قرطاجي) على الطرف الآخر أي تركيعه. الآن فإن انتشار مساحات البؤس والشقاء يقتضي اتساع الرؤى الوطنية . الشقاء لم يعد يفترس المواذن وحده .بل أصبح يهدد الوطن بحوله بعد أن طال كيان الدولة . هذا فشلٌ ماحق ،لايهم معه من ينتصر على من . فليفن كل المصطرعين في الجحيم وليبق الوطن ، طالما تعذر الخروج من مستنقع الدم . لاشيء يعلو على حقن دماء الشعب وسلامة ممتلكاته . هؤلاء الأقزام لن يستوعبوا مأزق البلد فيخفوا إلى اتفاق وقفٍ للنار يفضي بهم إلى تصالحٍ على صيغة (مؤتمر الطائف) اللبنانية. ولن يبرز منهم رجلٌ على طراز السادات يخترقُ حواجز الخوف والمألوف. هؤلاء لم يقرأوا مقولة شارل ديغول ( الوطنية تعني حب الشعب اولاً) فليذهبوا جميعا إلى الفناء ولتبقى الدولة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم