في تشرح العقل الرعوي (7) .. بقلم: د. النور حمد
لا تحتاج ظاهرة غلبة الثقافة الرعوية على بنيتي الوعي في السودان والصومال، في تقديري، إلى جهدٍ في إقامة الشواهد. فحال البلدين الآن، يحكي عن تجسيدهما لهذه الظاهرة، بأفضل مما يمكن أن يحكيه أي باحثٌ أو محللٌ، أو حتى مجرد واصف. فظاهرة العجز عن الامساك بالحداثة وتثبيتها في واقع القطرين، تعلن عن نفسها بوضوح، لا مجال للمراء فيه. ويتمثل طرفٌ من تجليات هذه الأزمة في السودان، بخاصة، في ظاهرة الانكار، وعدم القدرة على رؤية النقائص. وليس هذا بغريب، ففي مثل هذه البيئات، التي تسيطر عليها القيم الرعوية يتعذر النظر الموضوعي للأمور. ويصعب فصل ما هو ذاتي، عما هو موضوعي؛ إذ يختلطان اختلاطًا يجعل النظرة الموضوعية للأمور معتذرةً تماما. وبما أن بنية العقل الرعوي مؤسسة، بصورة عامة، على إنكار النقائص، فإن الإقرار بالخطأ، والاعتراف بالنقص أو القصور، من حيث هما، أمور غير مرغوبة. فهما يمثلان لدى العقل البدوي الرعوي، إقرارًا بالضعف، وإعلانًا للهزيمة. ويفسر هذا، في تقديري، تفشي ظاهرة عدم القدرة على الاعتراف بالخطأ، بيننا؛ نحن السودانيين، وضيقنا الشديد بالنقد، الذي غالبًا ما نَعُدُّه استهدافًا شخصيًا، وننطلق في التعاطي معه من هذه الزاوية. ولا غرابة إذن، أن بقيت مساجلات المثقفين السودانيين، منذ أن نشطوا في الكتابة، بُعيد الربع الأول من القرن العشرين، حافلةً، إلى اليوم، بالقسوة والمرارة، والميل الذي لا يني للانتصار للذات، والتقليل من شأن الخصم، بل والعمد إلى إهانته، والزراية به، بكل سبيلٍ ممكن.
لا توجد تعليقات
