في تفكيك مرافعة د. عبد الله علي إبراهيم عن إخوان مصر

عاطف عبدالله

يُعرف الدكتور عبد الله علي إبراهيم، الأكاديمي والمثقف المرموق، بمعاييره الأكاديمية الصارمة وقدرته الفذة على تفكيك النصوص ببرود منهجي يتجاوز الانفعالات العارضة والاصطفافات. فهو يغوص في الحدث التاريخي متسلحاً بأدوات التحليل السوسيولوجي، حيث تتقدم عنده المعايير العلمية على الأحكام الانطباعية، إيماناً منه بأن الظواهر السياسية لا تُفهم إلا بوضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي بعيداً عما يحيط بها من صخب.

في مقاله المنشور بالأصل في “الجزيرة نت” (يونيو 2017)، والذي يعود للواجهة اليوم في مارس 2026، تزامناً مع الجدل المحتدم حول تصنيف “إخوان السودان” كجماعة إرهابية؛ يقدم د. إبراهيم مرافعة فكرية لافتة لإعادة تعريف جماعة الإخوان المسلمين في مصر. يستند الكاتب في طرحه إلى دراسات غربية رصينة (كاري ويكهام وإرسك ستاكليك) ليحاول انتشال الجماعة من “وصمة الإرهاب” الجاهزة، واضعاً إياها في إطار “الحركة الاجتماعية” التي خاضت غمار التجربة الديمقراطية والنقابية بنجاح.

ومع ذلك، فإن هذه القراءة -على ما فيها من بريق منهجي وتدقيق أكاديمي- تبدو اليوم كمن يقع في أسر انتقائية تاريخية واضحة. فهي تركز بإفراط على “القشرة المدنية” التي ميزت جيلاً معيناً في حقبة زمنية خاصة، بينما تتجاهل “النواة الصلبة” والأيديولوجيا العميقة التي ظلت تتحكم في تروس التنظيم من الخلف. إن محاولة “أنسنة” التنظيم عبر بوابة العمل النقابي، رغم وجاهتها الظاهرية، تصطدم بواقع سياسي أثبت أن التكتيك الحركي للجماعة لم يكن يوماً مرادفاً لتحول استراتيجي في عقيدتها السياسية.

أولاً: تضخيم دور “الجيل الوسيط”.. هزيمة المصلحين

يرتكز المقال بشكل أساسي على تجربة “الجيل الوسيط” (أبو العلا ماضي، أبو الفتوح، العريان) في العمل النقابي والبرلماني خلال الثمانينيات. ويصورهم الكاتب كرافعة لتحول ديمقراطي حقيقي. لكن ما يغفله المقال أن هذا الجيل لم يكن يعبر عن “عقل الجماعة” الجمعي، بل كان “واجهة” استثمرتها الجماعة للتمكين المجتمعي. والحقيقة المرة أن هذا التيار هُزم شر هزيمة داخل التنظيم؛ فمكتب الإرشاد (الحرس القديم/ القطبيون) هو من أحكم قبضته على القرار، مما دفع رموز هذا الجيل (مثل أبو العلا ماضي) للانشقاق وتأسيس حزب الوسط بعد يأسهم من إصلاح البنية الشمولية للجماعة. إن محاكمة الجماعة بناءً على تجربة أشخاص انشقوا عنها أو هُمشوا فيها هي مغالطة منطقية واضحة.

ثانياً: المناخ السياسي المصنوع.. “ديمقراطية” بقرار سيادي

يستفيض د. إبراهيم في الحديث عن “التمرس النقابي والبرلماني” لإخوان مصر، لكنه يغفل السياق السياسي الذي سمح بهذا الازدهار. إن هذا الصعود ما كان ليتم لولا “تكتيكات” نظام السادات الذي فتح للجماعة الأبواب وعبّد لها الطريق (الكوبري) لضرب قوى اليسار وتصفية حضورها الشعبي عبر كتم أنفاس المعارضة الليبرالية واليسارية. هذا الفراغ المصنوع هو الذي سمح للجماعة بالمرور، مما يجعل تجربة “الجهاد النقابي” التي يمتدحها الكاتب وليدة تآمر سياسي أكثر من كونها نضجاً ديمقراطياً ذاتياً.

ثالثاً: العمل الاجتماعي.. خدمة المجتمع أم “دولة داخل الدولة”؟

يستعرض المقال نجاحات الإخوان في النقابات والخدمات كدليل على التحول لعمل مدني. لكن هذا التغلغل لم يكن يهدف إلى تعزيز قيم “المواطنة” التعددية، بل كان بناءً لما يسمى “شبكات التمكين”. لقد خلقت الجماعة مجتمعاً موازياً يدين بالولاء للتنظيم لا للدولة، واستخدمت الفقر والحاجة كأدوات للحشد السياسي. إن تقديم “الخدمة مقابل الصوت الانتخابي” هو ممارسة نفعية، تجلت في ذروة الغرور التنظيمي لاحقاً حين تفاخر قادتهم بالقدرة على حشد الجماهير لأي مرشح (ولو كان “كلباً” كما قيل في أروقتهم)، في استعلاء واضح على جوهر الاختيار الحر.

رابعاً: ازدواجية الخطاب و”التقية” السياسية

يشير الكاتب إلى تخلي الكوادر عن اللحى وارتداء الزي الإفرنجي كإشارة للانفتاح. وههنا يتم الخلط بين “المظهر” و”الجوهر”. فبينما كان الكادر الإخواني يتحدث لغة حقوق الإنسان في الجامعات والنقابات، كانت “الأسر” التنظيمية المغلقة تضخ في عقول الشباب أدبيات سيد قطب حول “الحاكمية” و”الجاهلية”. هذه الازدواجية هي التي تفسر لماذا انقلبت الجماعة على وعودها فور وصولها للسلطة في 2012؛ فالديمقراطية كانت بالنسبة لهم “وسيلة” (سلم صعود) وليست “قيمة” ثابتة.

خامساً: معضلة العنف والرحم الأيديولوجي

يحاول المقال فصل الإخوان عن جماعات العنف في التسعينيات. رغم أن التنظيم الرسمي قد لا يكون باشر العنف بيده في تلك الفترة، إلا أنه ظل يمثل “الرحم الأيديولوجي” لكل جماعات الإسلام السياسي. فكر الجماعة القائم على “أستاذية العالم” وتقسيم المجتمع إلى (فسطاط إيمان وفسطاط كفر) هو الذي وفر الغطاء الشرعي للتطرف. كما أن التاريخ سجل للجماعة استخدام العنف اللفظي والجسدي في الجامعات ضد خصومهم السياسيين، مما ينفي عنها صفة “المدنية” الخالصة.

سادساً: اختبار السلطة.. سقوط الأقنعة

يختتم الدكتور إبراهيم مقاله بالدفاع عن “الشرعية المدنية” للإخوان. لكن فات عليه إن المحك الحقيقي لأي حركة تدعي الديمقراطية هو “ممارسة السلطة”. لقد كشف عام 2012 (سنة حكم الإخوان) عن نزعة إقصائية واضحة؛ من الإعلان الدستوري المكبل للقضاء، إلى محاولات “أخونة” الدولة، وصولاً إلى خطاب المنصات التحريضي. هذه الممارسات أثبتت أن الجماعة لم تستوعب دروس “الجيل الوسيط” الذي امتدحه الكاتب، بل ارتدت إلى مربع “التنظيم الخاص” والولاء للمرشد فوق الولاء للوطن.

خاتمة: نحو رؤية أكثر واقعية

إن محاولة الدكتور عبد الله علي إبراهيم “أنسنة” الإخوان المسلمين عبر بوابة العمل النقابي تظل قراءة منقوصة؛ لأنها تقيس الظاهر وتتجاهل البنية العميقة للجماعة. إن الإخوان، تاريخياً وواقعياً، لم ينجحوا في التحول إلى “حزب سياسي مدني” لأنهم لا يزالون أسرى لتعريف أنفسهم كـ”جماعة من المسلمين” (بما تحمل من استعلاء إيماني) وليس كـ”حزب من المواطنين”.

ربما الجماعة ليست مجرد “فزاعة إرهابية” كما يصورها الإعلام الغربي، لكنها أيضاً ليست “حركة مدنية ديمقراطية” كما يصورها المقال؛ إنها تنظيم شمولي يتقن استخدام أدوات الديمقراطية لهدم الديمقراطية من الداخل. لقد سقطت الأقنعة في عام الحكم (2012) وفي مواجهة المجتمع للفن والثقافة.

atifgassim@gmail.com

عن عاطف عبدالله

عاطف عبدالله

شاهد أيضاً

رسالة مفتوحة إلى عبد العزيز بركة ساكن

atifgassim@gmail.comعزيزي عبد العزيز بركة ساكن،أكتب إليك هذه الرسالة لا من موقع الخصومة، ولا بدافع الرد …