في جنوب الضوء: الفقر كطقس يومي ومسرح للغياب

بقلم: إدوارد كورنيليو

في جنوبٍ لا يزال يكتب اسمه بالدم والزيت، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الذاكرة، لا يُقاس الفقر بالأرقام. إنه ليس نسبةً تُدرج في تقارير، بل هو طقسٌ يومي، مسرحٌ للغياب، وندبةٌ على جبين الحلم. هنا، في جنوب السودان، لا يُعاش الفقر كحالة اقتصادية فحسب، بل كترتيبٍ وجودي، كإيقاعٍ خافتٍ في حياةٍ لا تُروى إلا بالهمس.

❖ الاقتصاد كظل لا جسد
جنوب السودان، الدولة التي وُلدت من رحم الانفصال، لم تُمنح فرصة بناء جسدٍ اقتصادي متماسك. ما وُهب لها كان ظلًا هشًا، يتكئ على النفط كما يتكئ العطش على السراب. النفط، الذي يُفترض أن يكون شريانًا للحياة، تحوّل إلى لعنةٍ ريعية، لا تُنتج مجتمعًا، بل تُعيد توزيع الغياب.

في هذا النموذج، لا توجد طبقة وسطى تنمو، ولا مؤسسات إنتاجية تُراكم الخبرة. ما يوجد هو شبكةٌ من الامتيازات، تُدار عبر الولاء، وتُوزع عبر الصمت. السوق لا يُنتج، بل يستهلك ما يُستخرج، ويُعيد تدوير الفقر كقدرٍ لا يُناقش.

❖ الدولة كجهاز توزيع لا بناء
الدولة، في جنوب السودان، لا تُمارس دورها كمنظمٍ للحياة، بل كوسيطٍ بين الريع والعنف. الوزارات تُدار كأجنحةٍ في فندقٍ مؤقت، والميزانيات تُكتب بلغةٍ لا تُترجم إلى مدارس أو مستشفيات. ما يُوزع ليس الثروة، بل الوهم. وما يُبنى ليس المستقبل، بل جدارٌ من الخوف.

في هذا السياق، تتحول الدولة إلى جهازٍ لتثبيت الامتياز، لا لتوزيع العدالة. تُستخدم السياسات لا لتقليص الفجوة، بل لتكريسها. يُعاد إنتاج الفقر عبر آلياتٍ تبدو إدارية، لكنها في جوهرها طقسية: تُبقي الناس في انتظارٍ دائم، وتُعيد تعريف الحياة كنجاةٍ مؤقتة.

❖ العنف كأداة تنظيم لا فوضى
الحرب الأهلية، التي مزقت البلاد مرارًا، ليست حدثًا طارئًا، بل جزءٌ من بنية التنظيم. العنف لا يُستخدم هنا كاستثناء، بل كأداةٍ لإعادة ترتيب الولاءات، وتفكيك أي إمكانيةٍ لتشكل جماعةٍ مستقلة. يُعاد توزيع الخوف كما يُعاد توزيع الغذاء، ويُستخدم السلاح كما يُستخدم الخطاب: لتثبيت السيطرة، لا لحماية الأرض.

في هذا المسرح، لا يُسمح للطبقات أن تتشكل، ولا للأصوات أن ترتفع. يُمنع الحلم من أن يتحول إلى مشروع، ويُختزل المواطن في دوره كمتلقٍ، لا كفاعل. الفقر، في هذا السياق، ليس نتيجةً فقط، بل أداةٌ سياسية، تُستخدم لضبط الإيقاع، وتحديد من يحق له أن يحيا، ومن يُترك في العراء.

❖ التبعية كجغرافيا لا خيار
جنوب السودان، رغم استقلاله السياسي، لا يزال تابعًا اقتصاديًا. الشركات الأجنبية، خاصة في قطاع النفط، لا تبني، بل تستخرج. لا تُقيم مصانع، بل تُقيم ممراتٍ للعبور. ما يُنهب ليس فقط الموارد، بل الزمن. يُمنع البلد من أن يكتب تاريخه، ويُجبر على أن يعيش في هوامش الآخرين.

المؤسسات الدولية، التي تُفترض أن تكون داعمة، تُفرض سياسات تقشف، وتُشترط شروطًا تُضعف الدولة أكثر. يُطلب من الحكومة أن تُقلص الإنفاق، بينما يُترك المواطن في مواجهة الجوع. يُعاد تعريف السيادة كقدرةٍ على الامتثال، لا كقدرةٍ على البناء.

❖ الفقر كطقس يومي: شهادات من الصمت
في القرى التي لا تصلها الكهرباء، وفي المدارس التي لا تفتح أبوابها، يُعاش الفقر كطقسٍ يومي. هو ليس غياب المال فقط، بل غياب الأفق. هو انتظارٌ لا ينتهي، وطفولةٌ تُختزل في سؤالٍ عن الطعام. هو أمٌ تُخفي دمعتها، وطفلٌ يُعيد رسم الحلم على ترابٍ لا يُثمر.

الفقر هنا لا يُقال، بل يُعاش. لا يُكتب، بل يُحفر في الوجوه. هو شكلٌ من أشكال العنف الرمزي، حيث يُحرم الإنسان من الحلم، ويُختزل وجوده في البقاء. هو لغةٌ لا تُترجم، وصوتٌ لا يُسمع، ونداءٌ لا يُجاب.

❖ الزمن كحاوية للفقر
في جنوب السودان، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بالانتظار. انتظار الحصاد، انتظار المطر، انتظار الغذاء، وانتظار السلام. الزمن هنا ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرةٌ من التكرار، يُعاد فيها إنتاج الفقر كما يُعاد تكرار الطقوس. الطفل الذي لا يجد مقعدًا في المدرسة، هو ذاته الذي سيحمل السلاح بعد أعوام، ثم يعود ليبحث عن رغيفٍ في سوقٍ لا يفتح.

الزمن لا يتقدم، بل يُعاد تدويره. يُمنع الناس من الحلم بالمستقبل، ويُجبرون على العيش في حاضرٍ لا يتغير. يُختزل التاريخ في لحظاتٍ من النجاة، ويُمنع من أن يتحول إلى مشروعٍ جماعي. الفقر، في هذا السياق، ليس فقط غيابًا للموارد، بل غيابًا للزمن.

❖ التعليم كحلمٍ مؤجل
المدارس، حين تُفتح، تُفتح كطقسٍ رمزي، لا كمؤسسةٍ للتغيير. المعلمون لا يتقاضون أجورهم، والكتب لا تصل، والطلاب يُطلب منهم أن يحلموا بلغةٍ لا تُترجم إلى واقع. التعليم هنا ليس أداةً للتحرر، بل وعدٌ مؤجل، يُستخدم لتهدئة الغضب، لا لتحفيز الفعل.

في القرى، يُكتب الحرف على التراب، ويُحفظ الدرس في الذاكرة، لا في الدفاتر. يُطلب من الطفل أن يتعلم، بينما يُجبر على العمل. يُقال له إن المستقبل في المعرفة، بينما يُمنع من الوصول إليها. التعليم، في هذا السياق، يتحول إلى مرآةٍ للفقر: يُظهر ما يُمكن أن يكون، لكنه لا يُمنح الوسيلة للوصول.

❖ الذاكرة كأرشيفٍ للغياب
في جنوب السودان، لا تُكتب الذاكرة في كتبٍ رسمية، بل تُحفظ في الأغاني، في الحكايات، وفي الصمت. الفقر يُعيد تشكيل الذاكرة، يُجعلها انتقائية، تُركز على النجاة، وتُهمل الحلم. يُمنع الناس من أن يتذكروا ما كان ممكنًا، ويُطلب منهم أن يتذكروا فقط ما نجا.

الذاكرة الجماعية، في هذا السياق، تُصبح أداةً للمقاومة الصامتة. تُحفظ أسماء الذين غابوا، وتُروى قصص الذين حلموا. يُعاد سرد الحكايات لا لتسلية الأطفال، بل لتثبيت الهوية. الفقر، إذًا، لا يُلغي الذاكرة، بل يُعيد تشكيلها كأرشيفٍ للغياب، وكنداءٍ لما لم يُنجز.

❖ الجنوب كقصيدةٍ غير مكتملة
جنوب السودان، في قلبه، ليس فقط دولةً تبحث عن الاستقرار، بل قصيدةٌ غير مكتملة، تُكتب بالحبر والدم، وتُعاد صياغتها كلما تغيرت الرياح. الفقر هنا ليس عيبًا أخلاقيًا، ولا فشلًا إداريًا، بل نتيجةٌ لتاريخٍ طويل من التهميش، ومن منع الحلم من أن يتحول إلى بناء.

الناس لا يعيشون فقط في فقرٍ مادي، بل في فقرٍ رمزي، حيث يُمنعون من أن يُسموا أحلامهم، ومن أن يُطالبوا بحقهم في الضوء. يُطلب منهم أن يصمتوا، وأن ينتظروا، وأن يرضوا بما يُمنح. لكنهم، رغم ذلك، يُعيدون الحلم في الأغاني، في الرقص، وفي الحكايات التي لا تُكتب.

❖ نشيدٌ للغياب، ونداءٌ لما لم يُنجز
نحن الذين لم تُكتب أسماؤنا في دفاتر الدولة، ولم تُذكر وجوهنا في نشرات المساء، نحمل الفقر كوشمٍ على الذاكرة، لا كعار. نُعيد ترتيب الحلم في الأغاني، ونُخبئ الضوء في عيون الأطفال الذين لم يصلوا المدرسة. نحن الذين نعيش في الفقر، لا كهزيمة، بل كطقسٍ من الصبر، نُعيد الحلم كل صباح، ونُقسم أن الضوء سيأتي، ولو بعد غياب.

باسم الذين لا يملكون أوراقًا، ولا تُذكر أسماؤهم في المؤتمرات، نكتب هذا البيان. لا نطلب صدقة، ولا نرجو شفقة. نطلب فقط أن يُعاد تعريف الوطن، لا كخريطة، بل كقدرةٍ على الحلم. نطلب أن يُسمع صوتنا، لا في المؤتمرات، بل في المدارس، في الحقول، وفي الأغاني التي نُغنيها رغم الجوع.

هل يُمكن لوطنٍ أن يُبنى من الحكايات؟ هل يُمكن للفقر أن يتحول إلى قصيدة؟ هل يُسمح للجنوب أن يُكتب بلغته، لا بلغة الآخرين؟
لا نملك الإجابة، لكننا نملك السؤال. والسؤال، أحيانًا، يكفي ليُبقي الحلم حيًا.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

“الحزن النبيل لا يرحل: مصطفى سيد أحمد بعد ثلاثين عامًا”

بقلم: إدوارد كورنيليو في السابع عشر من يناير من هذا العام، تمر ثلاثون سنة على …