باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 9 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عمر الحويج
عمر الحويج عرض كل المقالات

في ذكرى ثورة اكتوبر /قصة قصيرة /مع إضاءة نقدية من ]Ai] الذكاء الاصطناعي .

اخر تحديث: 9 أكتوبر, 2026 9:09 صباحًا
شارك

بقلم : عمر الحويج

قصة قصيرة / حين إنفتحت البوابة
من مجموعتي القصصية “إليكم أعود وفي كفي القمر ” دار عزة للنشر 2009 م
قبل نهاية التوقف، المقررة لصافرة الورشة ، انطلقت صافرة القطار، حيث تعانقت الصافرتان للحظة، حتى لم تكن كافية له، ليتنبه.. أن كل واحدة منهما، تعني له شيئاً منفصلاً، ولكلٍّ:عمل قائم بذاته، لولا الأذن التي اكتسبت حاسة فرز دقيقة لكلا الصافرتين . لعن في سره عدداً من الأشياء، هو نفسه، لم يستطع أن يحدد ملامحها. صافرة واحدة تكفي لأن تقلق راحته، أما أن تجتمعا معاً، فهذا معناه، أن يظل متوتراً، بقية يومه.. ينهض من على مقعده المتهتك، المصلوب عليه أبداً..إلا حين، تنطلق، إحدى الصافرتين، أو كلتاهما معاً.. حيث تبدأ تنْصَبّ عليه اللعنات التي لا يسمعها ولكنه يحسها. بوده لو يتذكر ما قاله أحدهم يوماً أمامه عن عدد هؤلاء الذين يتدفقون، أمام مقعده هذا، ولكنه حين فشل في تركيب الرقم، وإيقافه مصطفاً، أمام مقدمة دماغه، ولسبب ما حاول تخمين.. كم منهم: كان أو سيكون نصيبه في هذه الحياة مثل نصيبه.. حين اقترب القطار، كان هو لا يزال داخل نفسه، لعن كل شيء، عكساًَ. فهو للحَقّ يحبّ هؤلاء الناس منهم خرج، وإليهم.. حلمه الدائم والمؤرق أن يعود.. صرخ فيهم أن يتوقفوا، وهو يود أن يجذبها بقوة أخرى تشد من عزم قوتها الذاتية، ولكن ماذا يفعل وهي (تَقْدِل) على مهلها، في فضائها الخاص، مغترّة بما تفعله في من حولها، تذكره بذلك الرجل.. أتفو!!.. أهذا وقت يقفز فيه هذا الرجل إلى ذاكرته، والقطار يقترب وهي لا تزالت معلقة في فضائها.. والدراجات تنزلق من تحتها في خفة متمرسة والراجلون، وإن كانوا أقل عدداً، يتسربون في خفة أكثر تدعو إلى الدهشة ، لولا اللحظة الحرجة التي-لا وقت فيها للدهشة- والنصف دائرة لا يزال باقياً منها الكثير، ربما تمكن الكثيرون منهم من النفاذ من خلالها، وقلبه عليهم جميعاً، والقطار يقترب أكثر، والنصف دائرة تضيق أكثر، حتى تصل نقطة الإجبار، حيث لا مفر للمتدفقين عبرها من التوقف الإجباري. وحينها يبدأ تدفق اللعنات، التي لا يسمعها، ولكنه يحسها.. إلا أنه يكون في هذه اللحظة قد اتكأ، على مقعده المتهتك، المصلوب عليه دوماً.. هو لا يراهم الآن، فقد أصبح بينه وبينهم، كتل الحديد الجارية ضجيجاً.. سنوات طوال مارس عملية توقف معهم حين كانت تجبرهم، النصف دائرة على التوقف، وحتى يومه هذا، كان سيظل محتجزاً خلفها لولا : .. إنه يكره اجتماع الصافرتين معاً.. هكذا تجعلانه متوتراً بقية يومه.. القطار لا يزال ضجيجاً، في أذنيه وخلفه شريط من العربات، لم يمر من أمامه بعد.. الآخرون ما زالوا في الجانب المقابل ، ولكنه يراهم لأنه كان معهم.. في ذلك اليوم البعيد، عاد راجعاً إلى الورشة، إنه يذكر، اجتمعت الصافرتان معا. هكذا.. ظلّ واقفاً، في الجانب المقابل، كان يسمع لعنات الراجلين، وراكبي الدراجات، ظنها ستظل هكذا مغلقة أبداً . كان يومه الأول.. ارتجف رعباً يومها.. كتلة الحديد تلك النازلة من أين؟؟، لا يدري!!، أما القطار، فهو يعرفه ، فقد أتى به، ذلك اليوم البعيد من بلدته تلك البعيدة.. الناس والدراجات، كلها تتوقف، حين تصل كتلة الحديد، إلى نقطة التوازي مع نفسها، ، شيء عجيب..أدهشه، ولكنها كانت المرة الأولى التي يتأمل فيها القطار من الخارج.. إنه مخيف.. يومها، يذكر وبخجل الآن، أنه أخذ يجري ويجري، عائداً إلى الورشة، حين أخذ يحكيها في ما بعد متجاهلاً أمر خوفه ذلك، كانوا يضحكون.. متندرين ببلاهته فليظنوا به البله، أما أن يعتقدوا أنه كان خائفاً فهذا ما لا يرضاه لنفسه.. ولكن وبعد مرور سنوات طويلة، على تلك الحادثة رأوا، بأعينهم ذلك الخوف، الذي جاهد أن يخفيه عنهم، وارتضى بدلاً عنه تهمة البلاهة.كان يرتجف ، إنها المرة الثانية، فقد كانت الأولى قبلها بأيام، باعها بما أغراه لتكرارها، بل استدان من ذلك الرجل المشتري خصماًَ على المحاولة الثانية هذه.. يقولون إن البداية هي الصعبة، ولكنه لم يخفها ، خاف في المرة الثانية.. إنت هناك ياخينا.. أقيف عندك.. إنهار ساعتها، والآخرون يبحلقون فيه، دون نجدته، فكثيرون منهم يفعلونها.. : ولكنها ممتلكات الدولة .. قالها قاضيه ، يوم المحاكمة ، إنها قطعة “نحاس” لاتسوى شيئاً للدولة ، قال لنفسه ، أنها تسوى له الكثير .. البرد والحر، والفضيحة، والخوف الدائم.. مرت به، وهو داخل تلك الغرفة القذرة. وابنته، قالوا له ، إنها ماتت..بكى كثيراً مع نفسه، ولكن ما أحزنه أكثر، أنهم أخبروه، أن ذلك الرجل أتاهم عشرات المرات ، مطالباً بما لديه من ديون متراكمة عليهم.. ما أحزنه ليس الرجل وطلبه، إنما ابنه الذي ترك المدرسة. ليسدد لذلك الرجل ديونه.. أخبرته بذلك في حينها زوجته.. ما أحزنه أكثر ، أنها هي نفسها، أصبحت تبيع اللقيمات صباحاً لأهل الحي وتفترش السوق بقية يومها . لتبيع بعض حاجيات أطفال المدينة. ما يحزنه أنه لم يكن في خياله يوماً ، أن أكبر أبنائه سوف يتخلى عن الدراسة، وهو الأمل الذي ظل مدار حياته كلها، كان صغيراً حين جاءه شاكياً.. لن أعود إلى هذا الرجل مرة أخرى، إنه لا يعاملني كالآخرين.. في المرة الأولى، استطعت إقناعه. نعم ديوننا لديه تراكمت، ولكنه رجل طيب لا يقصد الإساءة إليك.. أقنعته، بما أنا غير مقتنع به ، ولكنه كان لا يزال صغيراً، واصل بعدها، جلب ما نطلبه منه دون شكوى، وإن كنت أرى في عينيه نظرة انكسار. إلى أن كان ذلك اليوم، حين بدأ يشكو.. أسكَتُّه، حين بدأ يتكلم، أخرسْتُه، حين واصل، هممت بضربه.. ولكن تذكّرت، أنه كبر. كان ذلك، يوم جاءنا ذلك الرجل، كان طيباً، يومها.. بل كان ودوداً.. طلب مني صراحة، ودون مقدمات، أن لا أشارك في ذلك الإضراب، الذي أعلنته النقابة. لم أكن أفهم كثيراً، في مسائل النقابات هذه، حتى لم أفهم، ما هي علاقته هو شخصياً، بالإضراب، ولكن وافقت، وإن لم يكن فوراً، بل بعد أن فكرت: لقد وعدني أن يلغي كل ديوني المتراكمة، ولكن ابني لم يوافق، دخلا في جدال تطور إلى صراخ فضضته قبل أن يتحول إلى عراك.. ربما غضب الرجل يومها، فرغم أني أوفيت بوعدي إلا أنه لم يلغِ ديوني المتراكمة، وتأكدتُ من غضبه أكثر، حين لم يغفر لابني، فقد جاءته عربات الحكومة ذات صباح وأخذوه معهم، وتواصل عدم غفرانه لابني، فقد تكرر أخذه بعد ذلك، عشرات المرات، حتى أننا لم نكن نعرف، إلى أين يأخذونه ولكنه.. إنه يكره اجتماع الصافرتين، تجعلانه متوتراً بقية يومه، والقطار لم يعد ضجيجاً في أذنيه، رغم أن شريط العربات ما تزال به بقية، لم تمر من أمامه، بعد.. وبنظرة لا إرادية توجه ببصره إلى حيث إشارة التوقف، لم يفكر في ذلك كثيراً فليس نادراً أن يتوقف القطار هكذا، والبوابة مغلقة، ولكنه أبداً لا يبحث عن سبب التوقف، فكثير من الأشياء، توقفت في حياته ولم يسأل عن السبب، حتى حين أوقفوه عن العمل في الورشة، لم يسأل عن السبب، وحتى حين أعادوه، وعينوه للعمل خفيراً في هذه البوابة اللعينة، أيضاً.. لم يسأل عن السبب ولكن لا.. إنه سأل، وقد كان سؤاله الكبير، يوم سمع اسم ذلك الرجل، يتردد كثيراَ في أفواه الناس، وخاصة حين يجتمعون، ويهتفون ضده، آه… إنها كانت أيام الأسئلة الكبرى.. قال لأحدهم يومها.. أنت أيضا خدعك هذا الرجل.. أنا أعرف.. حتماً أنه لم يلغِ لك ديونك المتراكمة، أما سؤاله الثاني، والكبير، فقد كان يوم رآهم يجتمعون، وهم فرحين.. ماذا حدث؟؟، يومها قالوا له، لقد أدخلوه السجن.. لم يصدق حينها.. ولكن حين سمعهم. ينشدون أصبح الصبح، فلا السجن ولا السجّان باق، ردّد معهم بكل قوته المتبقية: أصبح الصبح ولا.. وسمع صوته عالياً يكمل المقطع، ولكن لم يسمعه الآخرون، وإنما ارتدّ إليه، صياح، راكبي الدراجات، والراجلين، فالقطار كان قد تحرك واختفى من ناظريه شريط عرباته. فابتسم لهم، وكأنه يعتذر. ظل مبتسماً، وهم يتدفقون من أمامه، حين انفتحت البوابة.. فما زال، يحب هؤلاء الناس، فمنهم خرج.. وإليهم: حلمه.. الدائم والمؤرق، أن يعود .

إضاءة نقدية في قصة «حين انفتحت البوابة»
في هذه القصة لا تبدأ الحكاية من البوابة، وإنما من الصافرة. صافرة الورشة وصافرة القطار تتعانقان للحظة، لكنهما بالنسبة إلى الرجل ليستا صوتًا واحدًا؛ لكل واحدة منهما تاريخها الخاص في ذاكرته. ومن هنا يبدأ النص في فتح بوابة أخرى، ليست بوابة الحديد التي تفصل الناس عن القطار، وإنما بوابة الذاكرة.
الرجل الذي يقف خفيرًا عند المعبر ليس مجرد حارس لبوابة؛ إنه في الحقيقة إنسان يقف على الحد الفاصل بين حياته القديمة وحياته التي انتهى إليها. كان يومًا واحدًا من هؤلاء المتدفقين عبر البوابة، ثم أصبح يقف في الجهة الأخرى، يراقبهم ويوقفهم. ولذلك تأتي العبارة التي تتكرر في بداية النص ونهايته: «فمنهم خرج.. وإليهم: حلمه.. الدائم والمؤرق، أن يعود»، لتمنح القصة دائرتها الكاملة.
واللافت أن البوابة هنا تتجاوز معناها المادي. إنها تتحول إلى رمز للحواجز التي أقامتها الحياة أمام الرجل: الفقر، والاستغلال، والخوف، والسجن، وفقدان العمل، وانكسار الابن، وتحول العامل إلى خفير. كل واحدة من هذه الوقائع تبدو في ظاهرها منفصلة، لكنها تتجمع لتصنع بوابة كبرى ظلت مغلقة في وجهه سنوات طويلة.
ومن أجمل تقنيات القصة أن الماضي لا يأتي في صورة استرجاع تقليدي، بل تستدعيه الأصوات والأشياء: الصافرة، القطار، البوابة، الدراجات، اللعنات، ثم ذلك الرجل الذي يتضح تدريجيًا أنه ليس مجرد دائن. في البداية يظهر بوصفه رجلًا يستطيع إلغاء الديون، ثم يتكشف نفوذه حين يطلب من العامل ألا يشارك في الإضراب، ثم تتسع صورته في الذاكرة حتى يصبح نموذجًا للسلطة التي تشتري الولاء بالدين، وتعاقب العصيان، وتمتد يدها إلى الابن.
وهنا تبرز مأساة الأب. فهو لا يسقط مرة واحدة، وإنما يسقط بالتدريج. يقبل في البداية لأن الرجل «طيب»، ثم يكتشف أن الطيبة كانت قناعًا، ويخسر ابنه، وتتداعى الأسرة، ويصبح الابن مضطرًا إلى ترك المدرسة، وتصبح الزوجة بائعة لقيمات، بينما هو نفسه ينتهي خفيرًا على البوابة. السلطة في القصة لا تظهر فقط في السجن أو عربات الحكومة؛ تظهر أيضًا في تفكيك الأسرة وإعادة توزيع مصائر أفرادها.
أما الابن، فأراه من أكثر الشخصيات دلالة في النص رغم أنه لا يحتل مساحة كبيرة فيه. شكواه: «لن أعود إلى هذا الرجل مرة أخرى، إنه لا يعاملني كالآخرين»، هي لحظة وعي مبكرة بالظلم، لكن الأب، الواقع تحت ضغط الحاجة، يسكت هذا الوعي. ولذلك فإن ترك الابن للمدرسة ليس مجرد نتيجة اقتصادية؛ إنه ثمن يدفعه جيل صغير بسبب خوف الجيل الذي سبقه وتسوياتِه.
وتأتي الإشارة إلى الإضراب لتربط الخاص بالعام. فالقصة لا تقدم الإضراب كشعار سياسي مجرد، وإنما تجعله يدخل حياة رجل بسيط لا يفهم كثيرًا في النقابات، لكنه يكتشف أن السياسة موجودة داخل رغيف أسرته، وعمله، وديونه، ومستقبل ابنه. وهنا تكمن قيمة النص الاجتماعية: السياسة ليست شيئًا يحدث بعيدًا عن الناس؛ إنها تدخل البيوت من أبوابها الصغيرة.
ثم تأتي اللحظة الأخيرة، وهي عندي أكثر لحظات القصة كثافة: يسمع الرجل هتاف الناس «أصبح الصبح، فلا السجن ولا السجّان باق»، ويردد معهم، لكن صوته لا يصل إليهم. يرتد صوته إليه، كما لو أن الرجل ظل سنوات طويلة يتحدث مع نفسه، أو ينتظر أن يسمع العالم صوته.
ثم تتحرك البوابة.
هذه الحركة البسيطة هي خاتمة القصة كلها. لم يعد الرجل هو الذي ينتظر عبور الناس فقط؛ لقد أصبح هو نفسه يريد العبور. ولذلك تأتي الابتسامة الأخيرة وكأنها اعتذار متأخر للناس الذين كان يقف بينهم وبين الطريق. وحين تنفتح البوابة، لا نعرف إن كان قد عبرها فعلاً، ولا نحتاج إلى أن نعرف. يكفي أن الحاجز الذي ظل مغلقًا في داخله وحوله قد انفتح أخيرًا.
وأرى أن عنوان القصة «حين انفتحت البوابة» لا يشير إلى بوابة المكان وحدها، بل إلى لحظة انفتاح الوعي أيضًا: من الخوف إلى السؤال، ومن السؤال إلى الهتاف، ومن الوقوف خلف الحاجز إلى الرغبة في العودة إلى الناس.
والقصة، في بنيتها العميقة، ليست قصة بوابة وقطار وخفير فحسب؛ إنها قصة إنسان أُبعد عن الجماعة التي ينتمي إليها، ثم قضى عمره يحرس الحاجز الذي يفصله عنها، إلى أن جاء اليوم الذي انفتح فيه الحاجز، فعاد الحارس في داخله إلى الإنسان الذي كانه قبل أن يصبح حارسًا.
وهذه، في تقديري، هي أقوى طبقات القصة وأجملها .

إضاءة نقدية في قصة «حين انفتحت البوابة»
في هذه القصة لا تبدأ الحكاية من البوابة، وإنما من الصافرة. صافرة الورشة وصافرة القطار تتعانقان للحظة، لكنهما بالنسبة إلى الرجل ليستا صوتًا واحدًا؛ لكل واحدة منهما تاريخها الخاص في ذاكرته. ومن هنا يبدأ النص في فتح بوابة أخرى، ليست بوابة الحديد التي تفصل الناس عن القطار، وإنما بوابة الذاكرة.
الرجل الذي يقف خفيرًا عند المعبر ليس مجرد حارس لبوابة؛ إنه في الحقيقة إنسان يقف على الحد الفاصل بين حياته القديمة وحياته التي انتهى إليها. كان يومًا واحدًا من هؤلاء المتدفقين عبر البوابة، ثم أصبح يقف في الجهة الأخرى، يراقبهم ويوقفهم. ولذلك تأتي العبارة التي تتكرر في بداية النص ونهايته: «فمنهم خرج.. وإليهم: حلمه.. الدائم والمؤرق، أن يعود»، لتمنح القصة دائرتها الكاملة.
واللافت أن البوابة هنا تتجاوز معناها المادي. إنها تتحول إلى رمز للحواجز التي أقامتها الحياة أمام الرجل: الفقر، والاستغلال، والخوف، والسجن، وفقدان العمل، وانكسار الابن، وتحول العامل إلى خفير. كل واحدة من هذه الوقائع تبدو في ظاهرها منفصلة، لكنها تتجمع لتصنع بوابة كبرى ظلت مغلقة في وجهه سنوات طويلة.
ومن أجمل تقنيات القصة أن الماضي لا يأتي في صورة استرجاع تقليدي، بل تستدعيه الأصوات والأشياء: الصافرة، القطار، البوابة، الدراجات، اللعنات، ثم ذلك الرجل الذي يتضح تدريجيًا أنه ليس مجرد دائن. في البداية يظهر بوصفه رجلًا يستطيع إلغاء الديون، ثم يتكشف نفوذه حين يطلب من العامل ألا يشارك في الإضراب، ثم تتسع صورته في الذاكرة حتى يصبح نموذجًا للسلطة التي تشتري الولاء بالدين، وتعاقب العصيان، وتمتد يدها إلى الابن.
وهنا تبرز مأساة الأب. فهو لا يسقط مرة واحدة، وإنما يسقط بالتدريج. يقبل في البداية لأن الرجل «طيب»، ثم يكتشف أن الطيبة كانت قناعًا، ويخسر ابنه، وتتداعى الأسرة، ويصبح الابن مضطرًا إلى ترك المدرسة، وتصبح الزوجة بائعة لقيمات، بينما هو نفسه ينتهي خفيرًا على البوابة. السلطة في القصة لا تظهر فقط في السجن أو عربات الحكومة؛ تظهر أيضًا في تفكيك الأسرة وإعادة توزيع مصائر أفرادها.
أما الابن، فأراه من أكثر الشخصيات دلالة في النص رغم أنه لا يحتل مساحة كبيرة فيه. شكواه: «لن أعود إلى هذا الرجل مرة أخرى، إنه لا يعاملني كالآخرين»، هي لحظة وعي مبكرة بالظلم، لكن الأب، الواقع تحت ضغط الحاجة، يسكت هذا الوعي. ولذلك فإن ترك الابن للمدرسة ليس مجرد نتيجة اقتصادية؛ إنه ثمن يدفعه جيل صغير بسبب خوف الجيل الذي سبقه وتسوياتِه.
وتأتي الإشارة إلى الإضراب لتربط الخاص بالعام. فالقصة لا تقدم الإضراب كشعار سياسي مجرد، وإنما تجعله يدخل حياة رجل بسيط لا يفهم كثيرًا في النقابات، لكنه يكتشف أن السياسة موجودة داخل رغيف أسرته، وعمله، وديونه، ومستقبل ابنه. وهنا تكمن قيمة النص الاجتماعية: السياسة ليست شيئًا يحدث بعيدًا عن الناس؛ إنها تدخل البيوت من أبوابها الصغيرة.
ثم تأتي اللحظة الأخيرة، وهي عندي أكثر لحظات القصة كثافة: يسمع الرجل هتاف الناس «أصبح الصبح، فلا السجن ولا السجّان باق»، ويردد معهم، لكن صوته لا يصل إليهم. يرتد صوته إليه، كما لو أن الرجل ظل سنوات طويلة يتحدث مع نفسه، أو ينتظر أن يسمع العالم صوته.
ثم تتحرك البوابة.
هذه الحركة البسيطة هي خاتمة القصة كلها. لم يعد الرجل هو الذي ينتظر عبور الناس فقط؛ لقد أصبح هو نفسه يريد العبور. ولذلك تأتي الابتسامة الأخيرة وكأنها اعتذار متأخر للناس الذين كان يقف بينهم وبين الطريق. وحين تنفتح البوابة، لا نعرف إن كان قد عبرها فعلاً، ولا نحتاج إلى أن نعرف. يكفي أن الحاجز الذي ظل مغلقًا في داخله وحوله قد انفتح أخيرًا.
وأرى أن عنوان القصة «حين انفتحت البوابة» لا يشير إلى بوابة المكان وحدها، بل إلى لحظة انفتاح الوعي أيضًا: من الخوف إلى السؤال، ومن السؤال إلى الهتاف، ومن الوقوف خلف الحاجز إلى الرغبة في العودة إلى الناس.
والقصة، في بنيتها العميقة، ليست قصة بوابة وقطار وخفير فحسب؛ إنها قصة إنسان أُبعد عن الجماعة التي ينتمي إليها، ثم قضى عمره يحرس الحاجز الذي يفصله عنها، إلى أن جاء اليوم الذي انفتح فيه الحاجز، فعاد الحارس في داخله إلى الإنسان الذي كانه قبل أن يصبح حارسًا.
وهذه، في تقديري، هي أقوى طبقات القصة وأجملها .

omeralhiwaig441@gmail.com

Author
عمر الحويج

عمر الحويج

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

Uncategorized
رحل الأمين و لكنه زرع الفضائل
الحكومة الموازية وتعقيدات الحرب
منشورات غير مصنفة
مطار ودمدني .. ليس برميل زبالة ! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم
منبر الرأي
رد الاعتبار للجنيه السودانى وليس تدميره افضل حل للازمة الاقتصادية .. بقلم: النعمان حسن
في محبة/ رثاء الصحف

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

خذوا الحكمة من كيكويتى !! .. بقلم: فيصل الباقر

فيصل الباقر
منبر الرأي

ثقوب كثيرة في ثوب “الفجر الجديد” .. بقلم: د. صديق أمبده

د. صديق أمبده
منبر الرأي

الفضيحة والسترة .. بقلم: ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال
منبر الرأي

د. خالد المبارك و السقوط من الحالق .. بقلم: د. زاهد زيد

د. زاهد زيد
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss