في رحيل حامد خلف الله

رحيل د. حامد خلف الله المفاجئ لا يمثل فقداً فادحاً وفاجعةً أليمة لأسرته وأصدقائه وزملائه فحسب، بل خسارةً مُوجعة للسُّودان ولكل من رأى فيه ومضةَ أملٍ ووعدَ جيلٍ يتقدّم نحو غده المُشرِق. وكما عبّر عنه بإيجاز بليغ التأبين المؤثر الصادر عن معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط TIMEP، كان حامد نسيجاً لوحده وشخصية نادرة—صوتاً للوضوح في زمن الالتباس وضميراً للشجاعة في ساعة التردّد وتجسيداً لإنسانيةٍ عميقةٍ في وقت كان السُّودان في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه الأصوات.

سُمّي حامد تيمناً بجدّه الأكبر لأبيه، الشيخ حامد أب عصاةً سيف جد العُمراب— ذلك الشيخ الجليل واسع التبجيل، الذي حمل إرثاً عظيماً ذا وزن روحي ومُجتمعي— ويبدو أنّ حامد لم يرث الاسم فحسب، بل بل ورث معه نداءً خفياً ورسالةً ممتدّة، فقد جسّد خلال رحلته القصيرة في الحياة قيماً سامية وتميّز بأخلاقٍ حميدة مقرونة بالتزام راسخ بنصرة العدالة، ومضى واثق الخطى في مسيرته جامعاً بين الأصالة والانخراط المدني المُعاصر بصيغةٍ فريدة لامست وجدان الأجيال على اختلافاتهم وتبايناتهم.

يحكي الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، قصة إطلاق اسم حامد على سبطه ابن بنته أم سلمة في خطاب أرسله لابنته طاهرة عندما كانت تدرس خارج السُّودان، ويقول في خطابه:
“مبروك حامد – لقد كان الشباب يرون أن يكون الاسم حديثاًً ولكن هذا الاسم يبعث ذكرى رجل صالح كما أنّه يتجاوب مع قصة زيارة منامية حكتها السيدة أم سلمة (ابنة الامام المهدي) قبل أربعين عاماً أنّ الشيخ حامد زارها – ولا مناسبة لذلك. وها هي العلاقة بين حفيدتها وحفيده.”

في مُواجهته النزوح ودمار الحرب، ظل حامد ثابتاً لا يتزعزع. تجاوز عمله دوائر السياسات، إذ كان قريباً من الناس مُهتماً بعيشهم في كرامة، وفي الإيمان بأن مُستقبل السودان يجب أن يصوغه أصوات أبنائه. سواء من خلال مُساهماته في النقاشات السياسية، أو كتاباته، أو مناصرته الدؤوبة في المحافل الدولية، حمل السُّودان معه أينما ذهب—بفكرٍ مُتزن، ورؤية ثاقبة، وشغف عميق، ورقي لافت.

على الصعيد الشخصي، عرفت والده، دكتور مرتضى كمال خلف الله خالد، قريباً وصديقاً—رجلاً اتسم باالنزاهة وروح العطاء، وكرّس جهوده لمُبادرات ذات أثر باقٍ في قريته الأم، جبل أم علي، لذا ليس من المُستغرب أن ينشأ حامد بهذه القدر من العُمق والمبادئ السامية حاملاً رسالة كانت مرآة معبّرة عن قيم أسرة راسخة في خدمة الناس والعمل العام .

امتلك حامد، وهو من أكثر الشباب السُّودانيين استنارةً، موهبةً نادرة في لم شمل الناس عند اختلافهم وفي جمع القلوب حين تتباعد، وفي إيجاد أرضية مُشتركة في أزمنة الانقسام حين تضيق المساحات، وكان حضوره في كل المُنتديات أكبر بكثير مِمّا يمكن أن تحتويه الكلمات. وها هو يترجل اليوم عن دنيانا لدار الخلود تاركاً وراءه ليس فقط إرثاً من الأفكار والعمل، بل جسوراً من العلاقات وشبكة متينة من الثقة وطيفاً واسعاً من الأمل. سيُفتقد حضوره كثيراً، لكن أثره سيظل باقياً لن يُمحى، ومثاله سيبقى حيّاً لا يزول، فحامد يترك أثراً عميقاً لأوّل وهلة لكل من يلقاه، و ويترك في كل من يعرفه أو يحتك به في دروب الحياة شيئاً من لطفه، ونبله، وصدقه، وصفاء روحه.

خالص العزاء وصادق المواساة لزملائه في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، ولوالدته أم سلمة الصادق المهدي، ولوالده دكتور مرتضى كمال خلف الله، ولعائلته الصغيرة والمُمتدة، ولأصدقائه ومُحبيه، ولكل السُّودانيين الذين عرفوه وغيرهم ممن التقاهم في مسيرة حياته.

نسأل الله أن يتقبّل عبده حامد مُرتضى كمال خلف الله خالد قبولاً حسناً، وأن يرفع مقامه ومنزلته في عليين، وأن يُسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسُن أوائك رفيقا، وأن يربط على قلوب والدته ووالده المكلومين وأسرته وأهله وأحبابه ويلهمهم الصبروالسلوان، وأن يجعل ذكراه مصدر إلهام لكل من يسعى إلى سُودان موحّد يسوده العدل.

طارق أبوصالح
أوتاوا، كندا
1 مايو 2026م

عن طارق أبو صالح