في زمن الأزمات… كيف تحولت تاركو للطيران إلى جسر لإنقاذ الأرواح؟

مختار العوض موسى

في أزمنة الاستقرار، تُقاس الشركات بقدرتها على النجاح الاقتصادي وتوسيع أعمالها. لكن في أزمنة الأزمات الكبرى، تُقاس بقيمها الإنسانية وبمدى استعدادها للوقوف إلى جانب المجتمع عندما تضيق الخيارات وتصبح حياة الناس على المحك.
وفي خضم الظروف القاسية التي يعيشها السودان اليوم، برزت شركة تاركو للطيران بوصفها أكثر من مجرد ناقل جوي، بل مؤسسة وطنية اختارت أن تكون حاضرة في لحظات الألم كما هي حاضرة في لحظات العمل والنجاح. فقد أثبتت، عبر سلسلة من المبادرات الإنسانية المتواصلة، أن المسؤولية الاجتماعية ليست شعاراً دعائياً، بل التزاماً أخلاقياً يتجلى في الفعل عندما يحتاجه الناس.
وتحت قيادة رئيس مجلس إدارتها قسم الخالق بابكر، وبإدارة مديرها العام سعد بابكر، وضعت الشركة الإنسان السوداني في قلب أولوياتها، وسعت إلى تسخير إمكاناتها اللوجستية لخدمة المجتمع في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها الوطن.
لقد كان حضور تاركو في المشهد الإنساني حضوراً لافتاً، ليس بسبب حجم المبادرات فحسب، بل بسبب توقيتها الحاسم. فعندما أطلق أبناء الجالية السودانية في الخليج مبادرة “ياكم عشمنا” لدعم القطاع الصحي في السودان، لم تقف الشركة موقف المتفرج، بل سارعت إلى نقل الأدوية ومستلزمات غسيل الكلى مجاناً من المملكة العربية السعودية إلى مراكز غسيل الكلى في مدن شندي والبرقيق وأرقو والعزازي، في خطوة إنسانية خففت معاناة مئات المرضى الذين يعتمدون على هذه الخدمات الحيوية.
ولم تكتفِ بذلك، بل أعلنت استعدادها لتسيير رحلات خاصة لنقل الأدوية المنقذة للحياة من تركيا إلى السودان في استجابة سريعة لحالات الطوارئ الصحية. كما أعلنت مؤخراً وصول نحو تسعة آلاف جرعة من أدوية الملاريا والكوليرا والرمد كهدية للشعب السوداني، بعد تفشي هذه الأمراض نتيجة السيول والفيضانات التي ضربت مناطق واسعة من البلاد.
وفي موقف آخر لقي صدى واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي، تكفل رئيس مجلس إدارة الشركة بإعادة صيانة وتجهيز مستشفى اللعوتة حتى أصبح كمدينة طبية كبيرة تجرى فيه العديد من العمليات الجراحية؛ فيما قامت الشركة بنقل معدات طبية حديثة وأدوية إلى هذا المستشفى الذي يخدم مئات المرضى في القرى المجاورة، مما ساعد على تعزيز قدرة المستشفى على تقديم خدماته الطبية في ظل ظروف شديدة التعقيد.
كما نقلت الشركة في أبريل 2024 شحنة طبية عاجلة إلى مدينة بورتسودان بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، تضمنت مضادات حيوية وأدوية طوارئ، إضافة إلى توفير رحلات مجانية لنقل الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية من مصر وتركيا ودول أخرى إلى السودان.
ولا يقل دور تاركو البحرية أهمية في هذا الجهد الإنساني، إذ تولّت نقل الحاويات الطبية من الموانئ الإقليمية إلى داخل السودان، وقدمت خدمات المناولة والنقل الداخلي دون مقابل، بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوداني وعدد من المنظمات الإنسانية، لضمان وصول هذه المساعدات إلى مستحقيها في أسرع وقت ممكن.
وفي مايو 2024، قامت الشركة بنقل ثلاث حاويات طبية من ميناء جدة إلى بورتسودان، شملت أجهزة تنفس صناعي ومعدات طبية مخصصة لدعم المستشفيات الريفية التي تعاني نقصاً حاداً في التجهيزات.
وربما لا تمثل هذه الأمثلة سوى جزء من سلسلة طويلة من المبادرات الإنسانية التي قدمتها تاركو خلال هذه المرحلة الصعبة. لكنها تكفي لتأكيد حقيقة مهمة: أن القطاع الخاص، عندما يتحلى بروح المسؤولية الوطنية، يمكن أن يتحول إلى شريك أساسي في حماية المجتمع ودعم صموده.
لقد عززت هذه المبادرات الثقة في دور القطاع الخاص، ورسخت صورة تاركو كمؤسسة لا تسعى فقط إلى تعظيم أرباحها، بل تسعى أيضاً إلى إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة الناس. كما قدمت نموذجاً عملياً يُلهم شركات أخرى بأن تكون جزءاً من الجهد الوطني في مواجهة الأزمات.
وفي زمن تتعرض فيه المنظومة الصحية في السودان لضغوط غير مسبوقة، تصبح مثل هذه المبادرات أكثر من مجرد أعمال خيرية؛ إنها تعبير عن تضامن وطني حيّ، وعن فهم عميق لمسؤولية المؤسسات تجاه المجتمع.
ختاماً، فإن ما قدمته تاركو للطيران وتاركو البحرية من مبادرات في نقل الأدوية والمعدات الطبية مجاناً يثبت أن للقطاع الخاص دوراً محورياً يمكن أن ينهض به عندما تكون حياة الناس على المحك.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
هل نرى شركات أخرى تسير على هذا الدرب النبيل؟
والله من وراء القصد.

mokhtaralawad@gmail.com

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

السودان بعد الحرب: هل نعيد بناء المدن أم بناء الدولة؟

مختار العوض موسى مع اقتراب نهاية الحرب، يدخل السودان مرحلة التفكير الجاد في إعادة الإعمار، …