في زول بكتب شعر في أم أولاده؟! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي

بالامس تجولت بسرعة في قناة أنغام السودانية ، سمعت جزءً من لقاء بين شاعر سوداني متقدم في السن ومذيع سوداني مشهور، الشاعر قال إن الزواج هو القاتل رقم واحد للابداع الشعري الغنائي وما أن يتزوج الشاعر حتى يفقد القدرة على الابداع نهائياً وأكد الشاعر المذكور أنه وبحكم الأمر الواقع فإن الشاعر الغنائي لا يستطيع أن يتغزل في أي واحدة خلاف زوجته ولا يستطيع التغزل في زوجته ومافي زول بكتب شعر في أم أولادو! وحتى إذا تخيل إمرأة أخرى وكتب فيها شعراً فله الويل من تحقيقات أم الأولاد ومن إشاعات الآخرين التي قد تخرب البيوت العامرة! وأخيراً قال إن أي شعر غزلي تخيلي سيكون فاشلاً أما إذا تغزل الشاعر المتزوج تغزلاً حقيقياً فهذا يعني أنه يريد الزواج من إمرأة تانية أو تالتة!!!
مع احترامي لرأي الشاعر ، الذي سجن خياله الشعري في قفص الزوجية ثم أشعل فيه النار مع سبق الاصرار والترصد، أقول إن الشاعر يستطيع أن يبدع إبداعاً حقيقياً بعد الزواج ، فالقصائد الشعرية التي كتبها الشاعر قبل الزواج يمكنه نشرها ولن تستطيع زوجته منعه لأنها ستصبح المستفيد الأول من ذلك وقد تدعى أنها كُتبت فيها، وهناك مفارقة شعرية غريبة فكثير من الشعراء كتبوا وغنوا للأم فإذا كان الإبن يغني للأم فلماذا لا يغني لها الزوج والأم نفسها هي الزوجة بالنسبة له؟! كذلك يُمكن كتابة أجمل الأشعار في المسؤولية ، يُمكن للشاعر أن يكتب أروع القصائد عندما يبدأ إبنه أو إبنته في الحبو أو الكلام ، فتلك اللحظات المدهشة هي أروع لحظات الابداع الإلهي ومن الممكن أن تولد أعظم إبداع شعري على الإطلاق ، حتى الكسب الحلال من العمل اليومي يُمكن أن يكون موضوعاً شعرياً جميلاً يتغنى بذكره الركبان والماشين كداري كمان!
في الجاهلية ، كان العرف الاجتماعي لا يسمح للشاعر بالزواج من الفتاة التي تغزل فيها وذكر إسمها في شعره وبالتالي فإن تغزل الشاعر في زوجته كان ممنوعاً وكان يُجبر على طلاقها إذا فعل ذلك ، في العصر الحديث ، انقرض هذا العرف الجاهلي فلا يوجد عرف اجتماعي يمنع ذلك ، لكن مازال كثيرون يعتقدون أن الزواج هو حكم بالسجن المؤبد وأن الحياة الزوجية سجن وأن الزوجة سجان وأن مسؤولية إعالة الابناء هي أعمال شاقة مؤبدة وأنها تقتل روح الابداع في الفنان ، هذا اعتقاد خاطيء وقد يجعل كثير من المبدعين يحجمون عن الزواج أو يقررون الطلاق بذريعة العودة إلى أحضان الابداع الفني ، فالزواج في اعتقادي أجمل استقرار وهو يفتح للشاعر نوافذ جديدة للابداع الفني وحتى إذا افترضنا جدلاً أنه نوع من السجن المعنوي بسبب مشاغل والتزامات الحياة اليومية فإن أجمل قصائد الحرية هي تلك التي كتبها الشعراء داخل السجون وليس خارجها لأن المعاناة نفسها تولد أجمل وأقوى أنواع الابداع الفني، لهذا يجب أن لا يتوقف الابداع الشعري بالزواج بل يجب أن ينطلق لأن الزواج سترة ومودة ورحمة وكل هذه الصفات الجميلة والطيبة لا يُمكن أن تكون قاتلة للإبداع الفني الذي يُعتبر أجمل شيء في الحياة على الاطلاق!
menfaszo1@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً