في لغْو البرهان عن السودان

زوايا
معن البياري
… أما اللغْو فهو القول الباطل، والبُعدُ عنه من صفات المؤمنين، كما يقول لغويون وفقهاء. وهو، في واحدٍ من معانٍ أخرى له، الكلام الفارغ الذي لا يُعتدّ به ولا يفيد. ولكن طه حسين لمّا سمّى كتاباً له “من لغو الصيف”، أخذ الخفة واللهو من هذه المعاني. ولمّا كان في مقال قائد الجيش السوداني، رئيس مجلس السيادة في بلاده، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في المقال المنشور باسمه في “وول ستريت جورنال”، الثلاثاء الماضي، بعض الجدّ، فيحسُنُ قول هذا. وفي الوقت نفسه، للّغو فيه، أي الخفّة والبطلان وقلة الفائدة، مطارح غير قليلة، على الرغم من قِصر هذا المقال الذي انكتَب، بالإنكليزية، لجمهورٍ مخصوصٍ في الإدارة الأميركية وأوساط النفوذ السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة. ولسنا نعرف ما إذا كان واحدٌ من الفريق الإعلامي للجنرال السوداني أعدّ المقال أم أن شخصاً في فريق الصحيفة، الذائعة الصيت سيّما في دوائر المال والأعمال، كتبه، بتكليفٍ من شركة علاقاتٍ عامة، تضم شُطّاراً في صنعة الكلام والكتابة. وفي الخاطر أن الصحيفة نفسها نشرت للمليشياوي الغزّي العميل، ياسر أبو الشباب، مقالاً باسمه في يوليو/ تموز الماضي، جاء فيه على “غزّة الجديدة” الخالية من “الإرهاب المحلي”، وغير هذا من “لغْوٍ” من عاشِر المستحيلات أن يعرف هذا الفتى أن يصوغ جملاً منه بالإنكليزية العالية التي بدت في الصحيفة المرموقة.

تعنوَنَ مقال البرهان “حقيقة الحرب في السودان”، ولا يملك واحدُنا إلا أن يوافق على المنطوق العام لما رآها الرجل حقيقةً لهذه الحرب، من مدخل مسؤوليّة مليشيات “الدعم السريع” عن كثيرٍ من الفتك والقتل والتدمير بعد إشعالها الحرب الأهلية الشرسة المستمرّة في البلاد منذ إبريل/ نيسان 2023. ولكن الغرض من المقال إقناع جمهور الصحيفة، والدوائر والأوساط المشار إليها أعلاه، بهذا، كان يستدعي، بحسب من سطّر للبرهان مقاله، مقادير من اللغْو الذي يفتري على حقائق التاريخ والسياسة والجغرافيا في السودان. ذلك أن من الفادح أن يُفتتح المقال، في سطْره الأول، بتعيين السودان بلداً عميق الذاكرة (وهذا صحيحٌ)، تمتدّ جذور تاريخه إلى “مملكة كوش التوراتية”، فاختلاق هذه الصفة للإمبراطورية العتيقة يبدو لغرضٍ لن يخفى على من يعرف ألف باء أميركا واليمين الحاكم فيها. لم توصف تلك المملكة أبداً بأنها توراتية، وليس من حضارة قديمة توصَف بكتاب مقدّس أصلاً، فضلاً عن أن “كوش” خلت تماماً من أي آثار عبرانية أو نقوش توراتية أو علائم يهودية، وكل ما في أمرها أن ملكاً فيها هبّ لنجدة القدس ضد غزو الآشوريين، كما يرد في نصوصٍ عبرانية، الأمر الذي لا يلغي صفتها أفريقية خالصة. ومن عجبٍ أن المصادر الإسرائيلية، والتي طبخت تاريخاً ليهود وعِبرانيين في غير مكانٍ، لم تأت على “كوش” بصفة توراتية، ولكن الذي كتب مقال البرهان أراد أن تلتقط السنّارةُ انتباه قرّاء بعينهم، أصحاب أجندات إسرائيلية.

دلّ على زعمنا هذا أن البرهان يذكّر هؤلاء بتوقيع السودان في 2021، تحت قيادته، اتفاقاً إبراهيمياً مع إسرائيل، حين يكتب “عندما تنتهي الحرب، يريد السودان أن يكون شريكاً قوياً للولايات المتحدة… وسيكون للشركات الأميركية دور مهم في إعادة الإعمار والاستثمار والتنمية”. وما يقيم في الذاكرة الطّرية أن قفزة البرهان تلك تجاه دولة الاحتلال لم تكن خيار السودانيين، على غير ما أوحى في لغْوه، بل هو خيارُه جنرالاً وثب إلى السلطة، ولم يمتلك كامل الشرعية التي تسوّغ له أخذ البلاد إلى التطبيع المذموم مع دولة الاحتلال. وقد تبدّت أغراض الرجل من فِعلته تلك تالياً، فقد بان أنه يتبارى مع خصيمه في الحرب الراهنة، الفريق أول (؟)، حميدتي، الذي يقيم صلاتٍ خافيةً ومعلنةً مع الدوائر الإسرائيلية، العسكرية والاستخبارية.

ولقائلٍ أن يقول إن ثمّة “شطارة” في الإشارة إلى أن عدد ضحايا ما اقترفته “الدعم السريع” من جرائم في السودان يفوق خمسة أضعاف ضحايا هجمات “11 سبتمبر” (2001) في الولايات المتحدة، كما “الشطارة” في ما ألمح إليه البرهان عن تأثير الحرب في السودان على استقرار البحر الأحمر شرقاً ومنطقة الساحل غرباً، “ما يشكّل خطراً على المصالح الأميركية”. ولكن “تمرير” تينك الإشارتين لم يُسعف صاحبهما في “تمرير” فِريته أن الحرب هي التي أوقفت عمليةً انتقاليةً كانت ستقود إلى “حكم مدني ديمقراطي”، كان الجيش يعمل عليها، وما زال ملتزماً بها… يفتري الجنرال كثيراً في هذا، ويُغالي في “لغْو” باطل وخفيفٍ، توشّح ببعض الصحّ الموافَق عليه.
نقلا عن العربي الجديد

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

رائدات أعمال لا نازحات: كيف شكلت المرأة السودانية حياتها بعد الحرب؟

منتدى الإعلام السوداني: آلاء البرير: عطبرة، 14 فبراير 2026 (راديو البنات)- في بلدٍ أنهكته الحرب …