دراسة في الدوافع الحقيقية للهجرات العربية إلى السودان وتداعياتها الديموغرافية
د. الرشيد خليفة
أزمة العربيُّ بين نسبه وحاجته
لم يكن العربيُّ الذي قدم إلى السودان قبل مئات السنين يحمل في قلبه بالضرورة شعلةَ التسامح الإنساني، ولا كان في جعبته برنامجٌ لإلغاء الفوارق العرقية، بل كان يحمل شيئاً أبسط وأكثر صدقاً من كل ذلك: كان يحمل قطيعاً، أو تجارةً، أو ديناً يريد نشره، أو سيفاً يريد إعمالَه، أو – وهذا هو الأهم – فراغاً في فراشه لا يسدُّه عَمهُ لأن عمه لا يُعطيه بناته إلا بمهرٍ يُفقر الأجيال. فكانت السودانيةُ هي الحلَّ العملي الذي أفضى، رغم كل الأيديولوجيا القبلية والعنصرية المُعلنة، إلى ما نسمّيه اليوم بالهوية السودانية المُركَّبة.
هذه الورقة تحاول – بسخريةٍ لا تُداري – أن تجيب عن سؤالٍ ظلّ السودانيون يتجنّبونه والعربُ يُجمِّلونه: إن كان العربيُّ يرى في ذوي البشرة الداكنة ما يراه من دونيةٍ وعبودية وغيرها مما سيأتي تفصيله، فلماذا – ولماذا تحديداً – أقام معهم حياةً مشتركة وأنجب منهم ذريةً ادّعى بعد ذلك أنها عربيةٌ خالصة؟
القبيلة في الجزيرة العربية، السجنُ الذي يبكي صاحبُه على أسواره
القبيلةُ في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده ليست مجرد تنظيمٍ اجتماعي، بل هي البنيةُ الكليّة للوجود: فيها الشرف والعار، والحروب والسلام، والزواج والطلاق، والميراث والدية. القبيلةُ هي التي تُحدّد مَن يصلح أن يكون نِداًّ لمن، ومن الخارج الطرفين عن طوره إذا تجاوز حدود كفاءته الاجتماعية. وقد أفضى هذا النظام المُحكم إلى ظاهرةٍ عملية بالغة الأثر: ضيقِ دائرة الزواج المسموح به.
فالرجلُ القبلي في الجزيرة مُقيَّدٌ بزواج ابن العم والأسرة والقبيلة، ومَن تجرّأ على مخالفة هذا التقليد دفعَ ثمناََ اجتماعياً باهظاً. وحين هاجرت هذه القبائل – بأسبابٍ ستأتي – إلى أرضٍ جديدة بعيدةٍ عن عيون الأعمام والأخوال، انفكّ بعضُ هذا الإكراه الاجتماعي، وأصبح الزواج من غير القبيلة أو حتى غير العرق ممكناً، بل محتوماً في بعض الأحيان.[1]
(حين تكون القبيلة هي المشكلة والحلُّ في الوقت ذاته)
والمفارقةُ أن القبيلةَ ذاتها التي حكمَت على الرجل العربي بضيق خياراته في موطنه الأصلي، هي التي دفعته – حين انتقل بعيداً – إلى الاندماج مع من كان يصفهم بأدنى منه. فالجغرافيا أفعلُ في الاجتماع البشري من كل الأيديولوجيا.
العبودية في الجزيرة العربية، السلعةُ التي دخلت من باب ودخل معها الإنسان
كان الرقيق في الجزيرة العربية يصنف كسلعة فهو جزء من الشحنة. وبما أن منطق السوق أقوى من منطق الإنسانية، لم تكن العبوديةُ في شبه الجزيرة العربية ظاهرةً طارئة، بل كانت ركيزةً اقتصاديةً واجتماعية راسخة قبل الإسلام وبعده، وإن حاول الإسلامُ تضييق مساربها وفتح أبواب العتق. وكانت مصادر الرقيق متعددة: الحرب وسبي الأسرى، والشراء من أسواق الرقيق التي ازدهرت في مكة وصنعاء والمدينة وعدن، والقبضُ على ضعاف السُّبل من إفريقيا وما وراءها.
والمعنى المضمر في هذه المنظومة أن الإنسان الأسود – في المخيّلة القبلية العربية قبل الهجرات – مرتبطٌ ذهنياً بصورة العبد أو المُستَرقّ. وهذا الإرثُ الذهني لم يتبخّر حين هاجر أصحابه إلى السودان، بل سافر معهم في أمتعتهم المعنوية.[2]
وهنا يصطدم المرء بالمفارقة الثانية: كيف تزوّج الرجلُ العربي مَن كانت مفاهيمُه تُصنّفه أو تُصنّف أهلها في مرتبةٍ دونية؟ والجواب – كما سيتّضح – يكمن في الفرق الجوهري بين الأيديولوجيا المُعلنة والممارسة الحياتية اليومية، وهو فرقٌ يُشغل علم الاجتماع منذ ولادته.
العنصريةُ العربية قديماً وحديثاً، المرآةُ التي لا أحدَ يريد أن ينظر فيها
الحديثُ عن نظرة العرب إلى ذوي البشرة الداكنة حديثٌ شائكٌ يُحيط به الإنكار من كل جانب. غير أن المصادر التاريخية لا تُجامل: فالأدبُ الجاهلي وصدر الإسلام يحفلان بالإشارات العرقية السلبية تجاه السود، من أشعار الهجاء التي تُورد اللونَ الأسود دليلاً على الخسّة، إلى المقولات المنسوبة إلى بعض الصحابة والتابعين في ذمّ ما سمّوه «الزنج».[3]
وهذا ليس حكراً على ما قبل الإسلام؛ فحتى في العصور الوسطى الإسلامية كتب المؤرخون والجغرافيون والشعراء العرب عن أهل إفريقيا جنوب الصحراء بلغةٍ تعكس تراتبيةً واضحة، وإن خفّت حدّتها نسبياً مقارنةً بالتراث الكلاسيكي الإغريقي والروماني. ويؤكد بعضُ الباحثين أن ازدهار تجارة الرقيق عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر رسّخَ هذه الصورة النمطية التي ربطت السواد بالاسترقاق.[4]
(والسؤال الحارق: إن كنتَ تحتقر جاري، فلماذا تتزوج ابنته؟)
والواقع أن العنصرية لا تتعارض – في الممارسة التاريخية – مع الاختلاط الجنسي أو حتى الزواج. بل ربما كانت بعض أشكال الاختلاط مبنيةً على عدم التكافؤ ذاته: تزويجُ الرجل ذي السلطة من المرأة الأدنى مرتبةً في منظومته بوصفها تأكيداً للسلطة لا نقيضاً لها.
نظرةُ العرب إلى أهل السودان خصوصاً، التناقضُ المُقيم
السودانُ في المصادر العربية الوسيطة حاضرٌ بصورتين متوازيتين لا تستقيمان: صورةُ أرض الذهب والعاج والرقيق والثروة التي يشتهيها التاجر، وصورةُ أهل «البلد» الذين يُستخدمون لكن لا يُساوون. كتب المسعودي وابن بطوطة وابن خلدون عن سكان السودان وبلاد الزنج بعيون تمزج بين الدهشة الإثنوغرافية والنظرة الفوقية.[5]
وحين نزل العربُ المهاجر على أرض السودان فعلياً، وجد نفسه أمام واقعٍ مختلفٍ تماماً عن تلك الصور المُختزَلة: وجد شعوباً راسخةً في أرضها، ذات تنظيمٍ سياسي وقانون عرفي وشبكة علاقات اجتماعية متماسكة. وكان الدخول في هذه البنية – لا التعالي عليها – هو الطريقَ الوحيد للبقاء والازدهار.
لماذا هاجر العرب إلى السودان؟ الجواب الذي يخجل منه البعض
الهجراتُ العربية إلى السودان لم تكن موجةً واحدة، بل تراكمت عبر قرون: من هجراتٍ مبكرة في صدر الإسلام إلى موجات العصر الوسيط وصولاً إلى ما بعد سقوط مملكة المقرة المسيحية في القرن الرابع عشر، ثم تزايدُها في عهد الدولة السنّارية. ودوافعُها، حين تُقشر عنها طبقاتُ الخطاب الديني، هي دوافعُ الهجرة الإنسانية الكونية في كل زمانٍ ومكان: الفقر، والاضطراب السياسي، وضيقُ الأرض، وطلبُ التجارة، وعُشب الإبل حين تشحّ المراعي.[6]
وقد وجد هؤلاء المهاجرون في السودان ما لم يجدوه في موطنهم: أرضاً واسعة، ومراعي لقطعانهم، وأسواقاً لتجارتهم، وما هو أهم من ذلك كله – روابطَ قبليةً واجتماعية جديدة يمكن بناؤها بعيداً عن القيود القديمة.
(الهجرةُ الدينية؟ ربما. ولكن قطعان الإبل لا تعرف الدين)
من لم يختلط؟ الاستثناءُ الذي يؤكد القاعدة
بعضُ الجماعات العربية في السودان حافظت على قدرٍ أكبر من «النقاء» النسبي – وهو نقاءٌ تنسبيٌّ لا مطلق – وذلك لأسبابٍ عملية لا أيديولوجية في معظمها: فالمجموعات التي اشتغلت بالتجارة عبر المسالك البعيدة، أو التي استوطنت المدن ذات الكثافة السكانية العربية، أو التي قدمت متأخرةً وحافظت على رابطٍ وثيقٍ مع موطنها الأصلي – هذه الجماعات تزوّجت في معظمها داخلياً لفترةٍ أطول.
غير أنه لا توجد اليوم، بالمعنى البيولوجي الدقيق، قبيلةٌ عربيةٌ في السودان يمكن وصفها بأنها لم تتأثر بالاختلاط على الإطلاق. والادعاءات بعكس ذلك هي في الغالب أيديولوجيا اجتماعية تقوم على تمييزٍ رمزيٍّ أكثر مما تقوم على حقيقةٍ جينية.
هل تزوّجت العربياتُ سودانيين؟ أو: الصمتُ البليغ
هذا هو السؤالُ الذي يُجيب عنه الجميعُ بأدنى أصواتهم: نعم، وجدت حالاتٌ فردية لنساءٍ عربياتٍ تزوّجن رجالاً سودانيين، لكنها ظلّت هذه الخلطة المدنكلة نادرةً جداً قياساً بعكسها. والسبب ليس سرّاً: فمنظومة الشرف القبلي العربي ربطت بين «نقاء» المرأة وشرف الجماعة بكاملها ربطاً وثيقاً، جعل زواج المرأة العربية من رجلٍ من خارج القبيلة – فضلاً عن خارج العرق – أمراً يكاد يكون مستحيلاً اجتماعياً في أغلب الأحوال.
وقد أفضى هذا إلى توجيهٍ شبه أحادي للاختلاط: الرجلُ العربي × المرأةُ السودانية، لا العكس. وهو ما شكّل النمطَ الديموغرافي للتزاوج العربي السوداني عبر القرون.
لماذا تزوّج العربيُّ السودانيةَ ولم يتزوجها أخوه العربي؟ (لبُّ المسألة)
حين تنتصر الحاجةُ على الأيديولوجيا
ها نحن نبلغ بيتَ القصيد، ونقف أمام السؤال الذي يُضحك ويُحزن في آنٍ معاً: كيف لرجلٍ يحمل في رأسه كلّ هذا الموروث من القبيلية والتراتبية العرقية والنظرة الدونية، كيف لهذا الرجل أن يتزوج امرأةً من الجماعة التي يُصنّفها في أدنى السلّم الذي رسمه لنفسه؟
الجوابُ الأول والأبسط هو الجوابُ الذي يكرهه أصحابُ الروايات الكبرى: غيابُ ابنة العم. الرجلُ العربي الذي هاجر وحده أو في مجموعةٍ صغيرة من الرجال وجد نفسَه في أرضٍ لا نساءَ فيها من قبيلته. وعوضُ الغياب، في كل حضارات الأرض، هو الجارة، وكانت الجارةُ التي أمامه هنا سودانية.
الجوابُ الثاني اقتصادي محض: القبيلةُ السودانية في الغالب لم تكن تطلب مهراً يُجحف، ولم تكن لها الشروطُ المُعقِّدة التي تحكم زواج القبائل العربية في الجزيرة. الزواجُ من السودانية كان أيسر لوجستياً وأقلّ تكلفةً اجتماعية على الرجل المهاجر الذي فقدَ، في بعده عن موطنه، بعضَ قيوده ولم يفقد جميعَها.
الجوابُ الثالث سياسيٌّ وقبلي: التحالفاتُ القبلية في السودان كانت تُبنى، كما في كل مجتمع قبلي، عبر المصاهرة. والعربيُّ المهاجر الذي أراد أرضاً أو ماءً أو حمايةً أو موقعاً في شبكة القوة المحلية، وجد أن الطريقَ الأقصر إلى قلب القبيلة هو الزواجُ من بناتها. وهكذا صار الزواجُ من السودانية ليس خروجاً على المنطق القبلي بل تطبيقاً له في السياق الجديد.
(التحالفُ الكبير: أخذتُ ابنتك وأعطيتك نسباً عربياً، وأخذتُ أنا الأرضَ والماء والحماية)
الجوابُ الرابع – وهو الأكثر إثارةً للسخرية – هو ما يمكن تسميته «معادلة التشريف المتبادل»: الرجلُ العربي كان يرى في زواجه من السودانية نوعاً من الإحسان أو «الرفع»، أي أنه يمنح المرأةَ وأهلها انتماءً إلى عرقٍ «أرقى». والقبيلةُ السودانية من جهتها – في كثيرٍ من الحالات – كانت تنظر إلى هذا الزواج بوصفه مكسباً للمكانة الاجتماعية والانتماء إلى شبكة التجارة والسلطة التي يمثّلها القادمُ العربي. وهكذا كان كلٌّ منهما يُقنع نفسَه بأنه الرابح.
الجوابُ الخامس والأعمق: الزمنُ وسحرُ الأرض. الرجلُ الذي أقام في السودان جيلاً أو جيلين لم يعد غريباً زائراً؛ صار ابناً للأرض، وأرضُه كانت سودانية، ومطرُه كان سودانياً، وسوقُه كان سودانياً. وفي مثل هذه الظروف تتآكل الأيديولوجيا العرقية ببطءٍ وصمتٍ، لا بإعلانٍ رسمي، حتى يصبح الاختلاطُ طبيعياً بالممارسة.
أما الإجابة التي تلخّص كل الإجابات السابقة وتختزلها في جملةٍ واحدة، فهي أن الإنسان – أياً كان نسبُه وأيديولوجيّاه – حين يبتعد عن الرقابة الاجتماعية القديمة ويصطدم بالحاجة اليومية الملموسة، تنتصر الحاجةُ في أغلب الأحيان. وليس في هذا خسارةٌ بالضرورة؛ فقد أنتج هذا «الانتصار» شعباً ثرياً التركيب، مُتشابك الأصول، لا هو عربيٌّ خالص ولا هو مما يسمّيه أصحابُ الأنساب «غيرَ عربي خالص»، بل هو – ببساطة – سوداني.
الوصيّةُ الديموغرافية
في النهاية، كتبَ الرجلُ العربي المهاجر قصيدتَه الديموغرافية الكبرى بلا قصيدة: لم يُعلن تركَ أيديولوجيا القبيلة والعرق، لكنه تجاوزها في الفراش وفي الحقل وفي السوق. ولم يُعلن أبناؤه التبرّؤَ من نسبه العربي، لكنهم حملوا أرواحاً وملامح لا تُنسَب كلّها إلى صحراء الجزيرة.
وبقيت المفارقةُ الكبرى: أن المنظومة العرقية التي جاء بها العربيُّ المهاجر كانت تُنظّر ضد الاختلاط، لكن الشروطَ العملية لتلك الهجرة ذاتها كانت تفرض الاختلاطَ وتجعله لا مناصَ منه. وهكذا أصبح السودانُ خيرَ دليلٍ على أن الجغرافيا أقوى من الأنثروبولوجيا العرقية، وأن الحاجةَ اليومية أحكمُ منطقاً من كل أدبيات النسب والحسب.
والسودانيون اليوم – عرباً كانوا أم أفارقةً أم مزيجاً من الاثنين – ورثوا هذا التاريخَ الاختلاطيَّ المُتناقض بكل أعبائه وكل ثروته في آنٍ معاً. وربما كان الواجبُ أن يتصالحوا مع حقيقةٍ واحدة: أن أصولَهم لم تكن متجانسةً يوماً، وأن ادعاء التجانس – عربياً كان أم إفريقياً – هو كذبٌ على النفس قبل أن يكون كذباً على التاريخ.
المراجع
[1] ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. تحقيق درويش الجويدي. بيروت: المكتبة العصرية، 2001. ص 117-152 (فصل العصبية وأحوال القبائل).
[2] ميدان، شوقي. الرق في الإسلام: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. القاهرة: دار الشروق، 1991. ص 45-89.
[3] Lewis, Bernard. Race and Slavery in the Middle East: An Historical Enquiry. Oxford: Oxford University Press, 1990. pp. 21-55.
[4] Hunwick, John O. and Eve Trout Powell. The African Diaspora in the Mediterranean Lands of Islam. Princeton: Markus Wiener Publishers, 2002. pp. 1-40.
[5] المسعودي، علي بن الحسين. مروج الذهب ومعادن الجوهر. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1958. ج1، ص 155-172.
[6] Spaulding, Jay and Lidwien Kapteijns. An Islamic Alliance: Ali Dinar and the Sanusiyya, 1906–1916. Evanston: Northwestern University Press, 1994. pp. 3-22. (للسياق العام للهجرات والمصاهرات في السودان الأوسط).
rkhalifa747@gmail.com
