ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
د. احمد التيجاني سيد احمد
🔷 مقدمة تمهيدية:
هذا المقال يُقدّم قراءة تحليلية متكاملة من منظور إدارة مخاطر الكوارث، ويستند إلى وقائع ميدانية وبيانات فنية رسمية، إلى جانب آراء وتحليلات مختصين سودانيين في مجالات السدود، الزراعة، والمخاطر المناخية، كما يتضمّن مقارنات إقليمية تقنية (مع مصر وإثيوبيا) لفهم أوسع لطبيعة الحدث وسُبل الاستجابة.
المقال لا يعكس وجهة نظر حكومية ضيقة، بل يسعى لتقديم فهم موضوعي يُعين على بناء رؤية وطنية مستقلة ومتوازنة في التعامل مع الفيضانات وتحوّلها من كارثة متكررة إلى مورد تنموي محتمل.
التحليل من منظور إدارة مخاطر الكوارث
١. مدخل: الكارثة المتكررة
الفيضان في السودان ليس حدثًا طارئًا، بل ظاهرة متكرّرة شكّلت تاريخ الزراعة والحياة على ضفاف النيل، لكنها في الوقت نفسه عرّت هشاشة الدولة السودانية في مواجهة الكوارث.
- فيضان ١٩٨٨ أغرق الخرطوم.
- فيضان ٢٠٢٠ كان تاريخيًا من حيث التأثير والمدى.
- فيضان ٢٠٢٥ يعيد المأساة، حيث اجتاحت المياه أطراف الخرطوم، ومدنًا بأقاليم نهر النيل والشمالية.
هذه الوقائع لم تكن “قضاءً وقدرًا” محضًا، بل نتيجة مباشرة لغياب منظومة وطنية لإدارة مخاطر الفيضانات.
٢. أين يكمن الخطأ؟
أ. الجانب الإثيوبي
- أعلنت إثيوبيا تصريفًا مرتفعًا بلغ ٧٥٠ مليون متر مكعب يوميًا، مع حجز ١٢٥ مليون م³ فقط في سد النهضة.
- هذا التصريف تجاوز التوقعات، وأدى إلى موجة فيضان مفاجئة وصلت إلى السودان دون سابق إنذار.
- من منظور إدارة المخاطر، يُعد هذا “خطأً” جسيمًا لغياب التنسيق والإخطار المسبق، حتى لو كان القرار داخليًا مبررًا لأغراض التوليد الكهرومائي.
ب. الجانب السوداني
- حتى في حال التصريف الإثيوبي العالي، كان يُفترض أن تكون السدود السودانية قادرة على امتصاص الفوائض.
- الروصيرص، مروي، أعالي نهر ستيت: جميعها مجهّزة بمفيضات، لكن إدارة تشغيلها ظلّت مرتبطة بمصالح الزراعة والطاقة لا بمواجهة الفيضانات.
- لا توجد خطة قومية تحدد أحواض طوارئ أو مسارات تصريف استباقية.
- كما غاب نظام إنذار مبكر فعّال يصل إلى المجتمعات مباشرة بلغة مفهومة وسريعة.
ج. الخلاصة
المشكلة لا تكمن في “خطأ إثيوبي صرف”، بل في خلل مزدوج:
- غياب التنسيق الإقليمي.
- وقصور سوداني مزمن في التخطيط وإدارة الأزمات.
٣. ما العمل الآن؟ (إدارة آنية)
١. تشغيل السدود بخطة طوارئ: خفض المناسيب تدريجيًا لخلق سعة استيعاب إضافية.
٢. فتح الترع والمصارف: توجيه المياه نحو الأراضي المنخفضة لاستخدامها كمراعٍ موسمية أو خزانات مفتوحة.
٣. تحديد مناطق طوارئ آمنة: تجهيز أراضٍ قابلة لتصريف المياه بدلاً من غرق المدن والقرى.
٤. تعزيز التواصل المجتمعي: استخدام وسائل الإذاعة المحلية والهواتف لنشر إنذارات مبسطة وفعالة بلغة الجمهور.
٤. الرؤية المستقبلية (نحو تأسيس جديد)
🔹 ضمن الرؤية التأسيسية للزراعة والري:
من المهم الإشارة إلى أن السد العالي في مصر يحتوي على مصرف احتياطي يُعرف بمفيض توشكي، وهو مزوّد بأبواب تُفتح تلقائيًا عند ارتفاع منسوب البحيرة فوق ١٨٢ متر (المنسوب الأقصى هو ١٨٣ متر)، لحماية جسم السد من الانهيار.
أين هي مفيضات خزان الروصيرص أو مروي أو أعالي نهر ستيت؟
إن خطة تحالف تأسيس في القطاع الزراعي والري تتضمن في خطتها الخمسية تشييد ترع كنانه، الرهد، ستيت، ومروي، مع رؤية تجعل من هذه السدود أدوات زراعية في المقام الأول، وممرات لتصريف الفيضان بطرق آمنة.
- تبدأ الزراعة في هذه المشاريع في مايو–يونيو، مما يسمح بخفض مناسيب الخزانات قبل موسم الفيضان.
- أي كميات زائدة يمكن تصريفها إلى الأراضي المنخفضة وتحويلها إلى مراعي موسمية أو تروس ترابية تعمل كخزانات مفتوحة.
- كنانه تمثل فرصة للاستصلاح الزراعي المباشر، والرهد يوفر بديلًا لمضخات معطوبة، أما ستيت فتمويله متوفر وجاهز.
وفي هذا السياق، من غير المقبول أن تفاجأ الحكومة بغرق مناطق مثل الكلاكلة، خصوصًا أن ملء سد النهضة خلال السنوات الماضية أتاح مناسيب مشابهة دون أن تُستكمل حماية الخرطوم عبر الجسور.
ختامًا، رغم الانتقادات الشديدة الموجهة إلى سد النهضة، فإن ما حدث مؤخرًا لا يُثبت غياب التنسيق بالكامل، فقد تم إخطار مدير خزان الروصيرص مسبقًا بارتفاع التصريف إلى ٧٥٠ مليون متر مكعب، وتعامل مع الأمر بمهنية، مما جنّب البلاد كارثة أكبر.
إن السودان في الأصل يستقبل ٨٥ مليار متر مكعب سنويًا، وكان في الماضي يُجهّز حتى جزيرة توتي لمواجهة الفيضان، فما الجديد؟ ولماذا تغيب الآن جسور الحماية؟
ليست الفيضانات كارثة فقط، بل يمكن أن تكون فرصة استراتيجية إذا أُحسن التعامل معها:
- زراعة مبكرة (مايو–يونيو): لتقليل المناسيب قبل الفيضان واستغلال وفرة المياه.
- استصلاح أراضٍ جديدة في كنانة والرهد وستيت ومروي باستخدام مياه الفيضان.
- إنشاء تروس ترابية وخزانات مفتوحة للاحتفاظ بالمياه لأغراض الري والرعي لاحقًا.
- إعداد خطة قومية متكاملة لإدارة الفيضانات، ترتبط إقليميًا بآليات الإنذار المبكر الإثيوبي ومفيض توشكي المصري، ولكن بقيادة سودانية مستقلة ومهنية.
🔹 ملخص توضيحي
هذا المقال مبني على وقائع وحقائق موثقة تتعلق بإدارة المياه والفيضانات في السودان خلال عام ٢٠٢٥. وقد رُوعي في صياغته تجنّب المهاترات أو إلقاء التهم الجُزافية لأي جهة خارجية، بما في ذلك الحكومة المصرية، التي لم تُذكر في هذا السياق إلا من باب الإشارة الفنية إلى مفيض توشكي ضمن آليات إقليمية للإنذار المبكر. التركيز الأساسي ينصب على المسؤولية الوطنية والإقليمية المشتركة، دون الانزلاق إلى مناكفات سياسية أو فرضيات غير مثبتة.
تمت الاستعانه بالذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات والتحقق منها
٥. خاتمة
تعكس فيضانات ٢٠٢٥ مأزقًا مزدوجًا:
- تصريف إثيوبي غير منسق.
- وعجز سوداني داخلي عن استيعاب آثار الحدث.
لكنها في الوقت ذاته تمثّل فرصة لإعادة التفكير في إدارة النيل، عبر الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى منظومة وطنية استباقية تجعل من الفيضان موردًا للتنمية لا كارثة متكررة.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي ومؤسس في تحالف التاسيس
(منسق مجموعة القطاع الزراعي)
٤ أكتوبر ٢٠٢٥ – روما، إيطاليا
المراجع
- تصريح مدير خزان الروصيرص – وزارة الري السودانية (أكتوبر ٢٠٢٥)
- تقارير متابعة الفيضان – الهيئة القومية للأرصاد الجوية
- تقارير صحفية وتقنية – قناة الجزيرة، الجزيرة نت، سودان تربيون
- تحليلات من خبراء المياه في شرق أفريقيا، أكتوبر ٢٠٢٥
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم