قال “الموت ُفى العِرْضِ عرس”! .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبد المحمود العربي/المملكة المتحدة
14 مايو, 2020
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي, منبر الرأي
58 زيارة
أحد المعارف من أهلنا بنهر النيل يحب مواقف الفروسية والبطان ( مِتْعُورِبْ، رغم تثقفه بحضارة بلاد طيرها أعجمي)، ظل من وقت لآخر يرسل لي قصيدة أو أغنية من أغنيات الحماسة التى يرددها فنانو تلك المنطقة سواءا على أنغام الطمبور أو الدلوكة. لا أرد عليه سلباً أو إيجاباً تفادياً إحراجه. آخر ما وصلني منه فيديو لفنان من شكله يبدو أنه قوي الشكيمة كالفارس الشجاع الهمباتي المغوار (الهايوش). قال ذلك المغني طويل القامة بصوته القوي الأجش وقد ضربت الدلوكة “خناقة” تلهب المشاعر ” الموت فى العرض عرس””الموت فى العرض عرس”. ظل يرددها مبحلقاً يمنة ويسرى فى تجمع الجمهور (الذى بدأ الأدرينالين يرتفع فى دماء عروقهم) يريد يشوف رد فعل تلك الحماسية، فلم يخذلوه . قاموا يتمايلون يمنة ويسرى ويقفزون “فوق وتحت” وكل واحد منهم يلوح بعكاز طويل مستقيم ” كأنه فى حرابة عدو مرتقب” ويتدافع بعضهم بهستريا جنونية خالعين غطاء صدورهم لينال كل واحد منهم بصبر لا يبارى وشجاعة المحاربين نصيبه من ضرب سوط العنج من يد مخضبة بالحناء لا تعرف اللين والرحمة فى تلك السانحة ، هي ” لحظة العمر المنتظرة وحلم كل شاب”. سرحت برهة من الزمن والدلوكة “تهبك وتهبك والموت فى العرض عرس ، يجنن الشباب” ، تساءلت مع نفسي “ما باله بالذي بعد مرور السنين ( إثنان أو خمس أو عشرة عمر) على ميلاد ذلك الإحتفال الاسطوري ينسى كل ذلك الحب، العديل والزين، لبس الحريرة وريحة الضريرة وضرب السوط مع الأحباب والصحاب، يتغير ، يتنكر لكل ذكريات الرحلات والقفشات وموائد أكلات الأيام الجميلة، يتحول إلى حيوان وحشي مخيف فيهين عرضه؟” أو يتلذذ بإهانة أعراض الآخرين وإشانة سمعتهم أو سمعة ذويهم؟. تعوذت بالله وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله من هول هذا الزمن العصيب المفكك مجتمعه المتدهور إقتصاده المهددة صحة وسلامة وأمن إنسانه، ليس فى سوداننا فحسب بل فى كل أقطار العالم .
علمتني الحياة أن سقوط أوراق الشجر من حولي بعد إصفرارها وتغير ألوانها كل عام يعني لي نهاية الخريف وموت الشجر ليكون فى حالة سبات حتى حلول موعد الربيع العام القادم . إنه إنذار لا محالة بقدوم نهاية العام الحالي ومثل ذلك مجازاً أقول إذا سقط الحياء عن المرء فيعني ذلك سقوط الأخلاق وسقوط المروءة ويكون ذلك أشبه بسقوط حجر رمي إلى غير رجعة فى أعماق بحر لجي . هذا السقوط يعني عدم فائدة وجود حياة من لا حياء له. اللهم أهدنا ونعوذ بك من الزلل وفضائح آخر الزمن فحتى السنين تموت عند نهايتها كما نموت نحن ، ذكرت ذلك فى مقال سابق، ولا يبقى منها سوى تاريخ آثارها الجانبية سلباً أو إيجاباً ويبقى ذكرها فقط رقماً حسابياً يعده الناس.
الأسرة الصالحة المستقرة تربوياً ونفسياً وعاطفياً وأخلاقياً هي اللبنة الأساسية لبناء مجتمع سليم يوعد بالخير. وأساس تكوين الاسرة هو وجود الرجل المناسب فى المكان المناسب. يجدر هنا ذكر ما يردده الناس عن حديث للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، من قوله جاء فيه إياكم وخضراء الدمن ” فإن العرق دساس” أفسرها بفهمي العلمي أن يتخير الرجل من الذين جيناتهم الوراثية لا تحمل ظاهراً أو مبطناً أمراضاً وراثية لا تحمد عقباها ومن ضمن الامراض لا ننسي السلوكية والعقلية الغريبة . نقرأ ونسمع هذه الايام بتفشي حلات الخلافات الأسرية فى شكل خيانة أو تنصل عن المسؤلية او حتى الطلاق مما يزيد مشكلة تفكك المجتمع. فمثلاً الرجل الذى يخون زوجته أو يتعدى عليها بيده إن لم يكن فى حالة تأثير سكر أو مخدرات أو جنون لا يستحق الإحترام ولا يحسب مع العقلاء من الرجال لأنه لا يرجى منه بتاتاً كوالد ومربي لأجيال تنفع بل يستحق الوصف بالجبان وعديم المروءة، وفى البلاد المتحضرة يعتبر التعدي على الأعراض بالضرب جريمة يعاقب مرتكبها عقوبة صارمة. المرأة فى السودان يحمد لها أنا فى العموم أنموذج رفيع يحتذى للمرأة التي تطيع زوجها وللأسف غالبيتهن لا يجدن من يقدر حقيقة ذلك التفاني ونكران الذات من أجل راحة الزوج وابنائه وضيوفه وما أكثرهم عند بعض الأزواج ذوي العلاقات الإجتماعية الواسعة. كم منا من معشر الرجال الذي يدخل المطبخ ويساعد زوجته؟ كم من الأبناء الذين يفعلون كذلك؟. رفقاً بالقوارير يا معشر الرجال ويا معشر المسؤلين ويا رجل الشارع ويا بائع اللحم والخضار ويا الواقفين على صف الرغيف الطويل فتكونوا من الفائزين ورحم الله إمرأً عرف قدر نفسه. عزيزي القاريء هل أنت من الذين يخصصون مساحة من وقتهم لمشاركة أسرتهم فى أعمال المطبخ (دينمو وقود النماء واستمرارية الحياة؟ أو تقومون برحلات ترفيهية من وقت لآخر داخل الوطن أو حيث تسكنون إن لم تتوفر قدرة السفر لخارج الوطن؟). الحياة الزوجية تحتاج الي صبر ولين وتضحيات ونكران ذات وعفو عند المقدرة لكي تستمر عجلتها سليمة لا تنكسر. القبعة ترفع لكل ربات البيوت السودانية الصابرات مربيات الأجيال ولكل فتيات السودان وشبان السودان “الإستثمار الحقيقي والمستقبل الواعد” أما نصيحتي للدعاة وأئمة المساجد أن يفكروا ما هو الخطأ فى طريقة واسلوب محاولة إصلاحهم لعيوب المجتمع. لا يتم ذلك بالصياح والسباب وترديد قصص قديمة عفى عليها وعلى مجتمعها الزمن. عليهم نفض الغبار والتجديد والدعوة للإصلاح بأسلوب جاذب حلو المذاق. الله من وراء القصد لعليم
drabdelmoneim@yahoo.com