قالوا “الكون إتطور”

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

بعد ان شبعت بطون البعض من حكام أقطار هذا العالم العجيب و تحولت سلوكياتها من طبيعة الفطرة البشرية من الإنسانية إلى حيوانية قطط الغابات السمان تحول عالم اليوم إلى فتن مجلجلة بل ساحة حرب ضروس “عالمية ثالثة” وإن اختلفت في كيفيتها وطرق إنتشارها و المقصد الخفي او حتى المعلن من وراء حدوثها هو من ضعف الإيمان بالله بل التذلل للشيطان واتباعه فهو يؤدي إلي شيطنة الإنسان نفسه فيجعله لا يستحي مما يقول ومما يفعل. اليوم العالم الذي نعيشه صار يتحكم فيه رجل واحد ، ودول جدا صغيرة صارت أيضا تتطلع لأبعد ما ينسجه خيال العظمة لتكون بدورها دولاً عظمى ، او على الأقل ذات تاثير عالمي رغم صغرها وقلة عدد سكانها وحتي حداثتها في الوجود بعمر السنتين

مثلا واحدة شابة، مواطنة إماراتية فتح الله عليها بالعلم والحمد لله والشكر لله لا نغمط نعم الله على الجميع ، للأسف ظهرت قبل أشهر عبر مقابلة على أحد قنوات وسائل الإعلام “متحدثة رسمية ” بإسم الإمارات ، قالت بصراحة ” عضلاتنا قوت وصرنا دولة لها شأن و مصالح واستثمارات في بلاد من حقنا اليوم أن نحارب من أجلها”.

لفد صدقت تلك المتحدثة . لكن السوال الذي يطرح ويتداول عبر الوسائط هل تسعى تلك الدولة الوليدة التي تحدثت عنها قوة عضلاتها تلك الشابة لتحقيق الوصول إلى درجة العظمة العالمية كما فعلت من قديم إنجلترا؟. ربما هذا هو الهدف، لكن لإمارات لا يمكنها تطبيق نفس النموذج البريطاني لأنها ليست دولة ذات قوة عسكرية كبيرة ضاربة، أرى أنها تصمم بدهاء نموذجاً جديداً في أسلوب وفكرة تكوين القوة التي تتماشى مع محدثات القرن الحادي والعشرين. قوة تعتمد على نفوذ الاقتصاد والشراكات والدبلوماسية الذكية والتأثير الثقافي، وليس على الاحتلال العسكري المباشر وجها لوجه . بتعبير أخر هي حقيقة دولة غنية وبذلك تسعى جادة لتصبح “دولة عظمى” في مجال النفوذ الاقتصادي والسياسي ومركزية العالم الجديد، وليس “قوة عظمى” بالتعريف التقليدي العسكري

إذا تريد حذو التجربة البريطانية فالإختلاف في النمط البريطاني في تكوين الدولة العظمى كان ذاك الزمن بتوفر القوة العسكرية بجيش لا يقهر وعالم ثالث متخلف في أفريقيا واسيا ، لاكن الإمارات تعمل جاهدة لتحقيق هدفها لتصير دولة عظمى عبر نفس طويل بفرض هيمنة الإقتصاد المشروط فى شكل إستثمارات ضخمة و مؤثرة طويلة المدي قروضها التي قد تجعل الدول الفقيرة المستفيدة غير قادرة على التخلص من الإعتماد على تلك القروض أو إيجاد البديل المناسب من حلول منقذة من غير ضرر وبالتالي لا فكاك من قبضة يد إستعمارية أخرى وجديدة على حساب المواطن . هكذا توسعت تلك الدولة الصغيرة خارج حدودها الإقليمية بإستيلائها على أماكن جدا هامة وحساسة بيد من حديد في العالم والدول النامية خاصة أفريقيا واليوم تسعى بقوة عبر طرق تختلف ألوانها واستراتيجيتها للهيمنة على أراضي وخيرات السودان ومصر وليبيا وغيرهم.مثال ذلك الاستثمارات الضخمة ومؤثرة كما يحدث في موانئ مثل ميناء بربرا في الصومال، ومشاريع البنية التحتية في مصر (مثل العاصمة الإدارية) وشواطئ البحر الأبيض المتوسط ، إضافة إلي محاولات لعب أدوار في أزمات دول مثل ليبيا والسودان، هي أمور واقعية وليست سرًا . إنني أختلف في أي طرح ينفي أو يعارض فكرة أن دولة الإمارات تسعى قدما في رسم أهدافها الاستراتيجية لتحقيق حلم الدولة العظمى.عباءة الإستعمار قد تختلف في شكلها ولونها عبر الأزمان خاصة في يومنا الحاضر، و تبقى الغلبة لتلك الدول الطماعة، تنتهز الفرص والعالم يتفرج والشعوب المسحوقة هي أولا وأخيرا التي تتضرر بعدم توفر التنمية المستدامة ومجتمع الرفاهية نتيجة غفلة حكامها والسياسيين فيها وهم يتحاربون فقط على الفوز بكراسي الحكم. الدلائل على سؤالي موجودة ترى رأي العين ولم تعد سرا والفيديو المرفق هنا و متداول على اليوتيوب ليس من نسج الخيال وهو يكشف المستور.
https://youtu.be/mHS51HuOSy4?si=oNfDc1C4yHuMUEcg

المؤسف قصر نظر و مسؤولية الطرف الآخر ، أعني الدول المحتاجة للعون المضيفة للإستثمارات بالضرورة العمياء (مثلاً مصر، السودان، وهلم جرا …….إلخ) فالنخب الحاكمة فيها تختار مجبورة التعاون مع الإمارات (أو غيرها من الدول الغنية او صاحبة النفوذ في العالم كروسيا مثلا ) حتى وإن كان تحت ستار غالبًا لخدمة مصالحها الداخلية أو لسد عجز في الموارد. من جهة أخرى المشكلة قد تكون من ضعف الرؤية الاستراتيجية أو التفاوضية لدى بعض هذه الحكومات، مما يجعلها تقبل بشروط طويلة الأمد قد لا تكون في مصلحتها. بطول الزمن تبلور الصورة الإستعمارية في النفوذ المسيطر عبر الديون. فالقلق الحقيقي هو أن تتحول تلك القروض والاستثمارات الكبيرة إلى أداة ضغط سياسي على الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية، مما يحد من خياراتها السيادية. وما السودان إلا احد الدول التي وقعت فريسة في شباك دول كان يشرف على تربيتها في طفولتها وعندما قويت عضلاتها كان جزاؤه جزاء سنمار.

خلاصة القول
الإمارات تسعى في عالم غير مستقر لبناء نفوذ جيوسياسي واقتصادي هائل يشبه في تأثيره القوى العظمى، لكن لتحقيق الهدف المرجو تستخدم أدوات القرن الحادي والعشرين (رأس المال، العقود، الدبلوماسية) وليس أدوات القرن التاسع عشر المباشر عبر جيشها (لكن ذلك لا يمنعها من إرسال الدبابات والجنود عبر طرق مختلفة وطرف آخر تكون عواقبها جدا مدمرة و مؤثرة كالذي يحدث اليوم في السودان ). المواطن يظل ضحية الفقر والتهميش عبر الأجيال لأن ما يراه رأي العين هو هيمنة أجنبية واستعماراً ليس بيده حيلة لتغييره السبب أن الحكومات المضيفة هي التي تقرر وتنفذ السياسات والإتفاقيات و بسبب الحاجة تركن إلي فتوى أن العلاقة الإقتصادية بين تلك الدولة إسعافية وتنموية “شراكة استثمارية نظيفة ” (حتى لو كانت غير متكافئة في شروطها ). و صدق الذين زمان في ستينيات القرن الماضي كانوا عندما يسخرون من احد يقولون “قالوا الكون إتطور”.

جملة اعتراضية وخروج: وفي الحديث عن القوة يجدر هنا ذكر “المجد للبندقية” مقولة صارت مثلاً قالها السيد البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، قالها في لحظة نشوة وهو يخاطب جنوده. نعم لا خلاف المجد للبندقية لكن ذلك يكون واقعا في حين حفظها لشرف امتها وحدود أراضيها وتحرير المغتصب منها والمجد لها في حفظ أمن مواطنيها واحترامهم والمجد لها في حفظ موارد البلاد من الاستغلال الفاسد والتهريب. لكنه للأسف نسي ان المجد الحقيقي كذلك اولا وآخرا للعقل السليم في الجسم السليم، للعلم والمعرفة وللعلماء والمثقفين والمفكرين والمجد لمراكز البحوث العلمية والمراجعة والاحصائيات والدراسات الفنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، نسي أيضا ان المجد للموروث من تراث قومي و لمجتمع صالح نظيف من الكذب والفساد مجتمع يخاف الله خوف الحق سرا وعلنا وليس بالتدليس والتصنع الزائف بالإستقامة. المجد لخدمة مدنية ومنظومة وطنية سياسية متكاملة و بقوة جيشها و جهاز أمنها الوطني واقتصاد قومي قوي الكل يعضون عليه بالنواجذ حفاظا عليه من التدخلات الخارجية مهما كانت طبيعتها. المجد ليس للقتال والحروب المدمرة. المجد للحرية والسلم والعدالة والإحترام بين الحاكم وشعبه. المجد في الانتماء الحقيقي صدقا وقولا وفعلا لهذا الوطن. هكذا تكون الدولة قوية . للأسف نحن شعب تسعدنا عبارات الثناء وتغضبنا عبارات النقد البناء . المجد للنقد من أجل تجويد أساس البناء . المجد للعمل وليس لخطب جوفاء . يا أهل السودان لا تنسون ذكري وشعارات ثورة ديسمبر المجيدة.حرية، سلام وعدالة ، تاريخ لا يمكن محوها من ذاكرة الوطن

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

خاطرة طالبة ” تودع” جامعة الخرطوم

خاطرة طالبة ” تودع” جامعة الخرطوم“من أدب الرسائل مع زينب الطاهر”د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربيكتبت الطالبة …