د عبداليرحيم عبد الحليم محمد
قال لي ان تلك الذكريات كالخمر ، لأنها صارت تتمشي في مفاصله كتمشي البرء فيالسقم بالرغم من عدة جوانب للوجع فيها. تلك في نظره ذكريات :
تدِّب دبيبا في العظام كأنها
دبيب نمال في نقا يتهيل
سالته ما النقا فأجاب انه الرمل قلت له:
والله ذكرتني :
..يا بحر حلتنا
في رمالك ذكرى
لا بتشيلا الموجة
ولا بتفارق الفكرة!
أطرق مليا وحبات دمع كالفضة . تف…تف …تف تنزل على خديه بعد بعد أن أبرق قلبه وأرعد وأسلمه الى بيداء التذكر والتوتر . تظاهرت بعدم ملاحظة دموعه وهو يقول:
معقول تاني ما أشوف قبة كنار؟
عاجلته رغم تظاهري بعدم ملاحظة دموعه:
بس دموعك لما فاضت
ضيعت صبري شوية
سأته: أى كنار تقصد؟ أهي شركة الهاتف أن أن تداعي ذكرياتك أسلمك الى ديوان حضرة الصاغ محمود أبوبكر:
صهْ يا كنارُ وضعْ يمينكَ في يـدي
ودعِ المزاحَ لذي الطلاقـةِ والددِ
قا لي ..ليس بالضبط ولكن حبيبتي استطاعت ابتلاع ذلك المعنى بسحر عينيها ونحرها الجميل وثغرها . انها كنار يا سيدي وكانت تضع يدها اليمنى في يدي …كانت تحصنني من شياطين الانس والجن ..عندما نلتقي لدى قبة كنار قبل أن ندلف باسم المودة الى مقهى ومطعم جميل خلفها حيث ترتخي عضلات التوتر من نظرات المارة وينهض بيننا أنس جميل وتسجيل مشاغب ينطلق من أحد أركان المبنى يزيد ضرام اللقاء ويعيدك الى أزمنة لم يكن يكن فيها الغناء “قونات” و”ختة حنة” وقناطير من الذهب لا أعرف من أى حهة في الوطن خرجت مختفية من نظرات الجمارك وضباط الامن. كان تسجيل المقهي ينطلق يا صديقي وكانه يرحب بلقائنا:
يا بلال تزورني مرة
أنا يا بلال تزورني مرة
كانت ذكرياته تنهمر كمطر كردفاني يسارع في الاختباء في أرض مدينة هي حانة مفروشة بالرمل. ذكرياته تلك ، ..القديمة والبيوت التي كانت تحمل “منزل أحرار”. كات يتذكر كوبا كوبانا ..ومطعم الزهرة ..برامج الحقيبة ..فندق اركروبول..بصات السجانة والصحافة …عربات الداندرمة والبيرة أم جمل…مطعم عمي محجبوب فب سوق السجانة ..أسماك البلطي والنادل بشير بصيحاته العالية …فول بكبدة. ..بلطي ياااا.
قال لي : عارف يا ابو سامر. كان عندي برنامج صباحي راتب.. أدخل شارع الشرقي وهناك محل ..نسيت اسمو … اتخير من الجرايد أفضلها وأشاغل بعض الصبيات أبويا ثم أمضي الى البيت الشامي . هناك ألقي نظرة على بيت أحد أقربائنا حيث تستكين عربة مرسيدس صفراء اللون ..أنيقة كان يستخدمها عندما يعود الى الوطن في اجازته السنوية من الامارات التي أسهم فيها بتحديث جهاز الدولة وانشاء ادرات متخصصة في تطوير البشر في تلك الدولة التي ترسل الآن بعد سنين شواظ من نار ودخان أحرق و دمر ما دمر بما في ذلك عربة المرسيدس الجميل. قال لي يا صديقي الامر ليس بذكريات فقط. صحيح الذكريات صادقة وجميلة لكنها اليوم مختلفة ..لأنها وعلى جمالها تسبح في بحرمن الدم والدموع.
قال لي…في شارع أظنو شارع البلابل مررت ذات يوم بمجموعة من الشباب ، يحتفلون بافتتاح محل للشاى المقنن. حييتهم مهنئا فكانوا كرماء باللقيمات والشاى . طلبوا مني اختيار اسم للمحل فخطرت في ذهني كلمة صاموطي.. فقررنا كتبتها بشكل يجمع بين معنى الشاى و جودته واسمه باللغة الانجليزية فكان الاسم صاموtea كاسم تكون من أمشاج الشاى السوداني المقنن وطرافة خلق اسم مركب به طرافة وجدة او novelty كما يقول احبابنا في الملكية الفكرية.
كانت ذكريات صاحبي تتمدد عبر المدينة . قال أن شارع الموردة عنده هو الطابية المقابلة النيل …عوضية سمك …حوش الاذاعة ..بوابة عبد القيوم..الطريق الشاقي الترام . قال لي يا صديقي ان لام درمان بخور خاص ينطلق مع دخان مائي بارد من النيل بمكونيه قبل ان ينطلق باردا في احشاء المدينة المقدسة واركانها وكأنه
يحمل مبخر تاريخي قرر أن يعطر الكون من سماء تلك المدينة الباسلة ويغني مع حسن الزبير وحسن الأمين:
آمنت بيك يا أم در
يا مفخرة سودانك
نذرا علي أزور
لو تمنحيني أمانك
من سحرك المشهور
ومن عيون غزلانك
أحمل معايا ورود
وزهور إلى سكانك
قال لي يا صديقي أن عيون الغزلان في مدينة قبة الامام وحوش الخليفة ..مدينة المساجد والكنائس، هي عيون تطارد الشعراء والمغنين فلا يكون لهم منها مهرب غير فتح أبواب حدائق المغنى متوكلين على خالق سليل الفراديس …خور ابو عنجة والطوابي والراماح الجميلة التي لمعت كبارق ثغرها المتبسم:
البتوحي الناس العيون ياحبايب
هن أساس الريد والفتون
العيون البيض لو صفن
يجرحنك ويتلاصفن
مرة نظرن لي أوقفن
شالوا نومي وما أنصفن
العيون السود كاحلات
في دلالهن متهاملات
ولئن كانت تلك امة يفيض بها القيثار فاسمع حنينه وانكساره ..على حد تعبير الشاعر العظيم التيجاني يوسف بشير، فقد كانت العيون حسب تشاجن ذلك الصديق وجرأته على تحمل سيل تلك الذكريات، مركز اا للتجربة العاطفية كلها. فهي البداية التي يولد منها الحب، والوسيلة التي يتبادل بها العاشقان رسائلهما. قال لي انها هي السبب في لذة الوصال وألم الفراق..لم يعد يا صديقي لنا وطن هناك..بقيت لنا الذكريات ويا لها من مساكن في غرف القلب الداخلية. في الطريق من ساحل البحر في تلك المدينة الضبابية أدار صاحبي المولع بغناء الزمن الجميل مسجل سيارته:
لما ينسى ذكروه
بي غرامي.. فكروه
أنا عارف قلبو طيب
والعوازل ضللوه.
abdelrmohd@hotmail.com
