قبل أن يسقط السودان من التاريخ… نداء إلى القوى المدنية للجلوس على طاولة الوطن

علاء الدين خيراوى
khirawi@hotmail.com
في هذا المنعطف السوداني الأخطر منذ الاستقلال، لم يعد ممكنًا التذرّع بالمبررات القديمة لتأجيل التلاقي، ولا الاختباء وراء الشعارات المُستهلَكة، ولا الركون لمقاعد المتفرّجين.
البلاد تنهار من أطرافها، والنسيج الاجتماعي يتفكّك تحت سنابك الحرب، والجغرافيا السياسية يُعاد تشكيلها بعيون لا ترى السودان وطنًا، بل غنيمة أو بوابة لمصالح فوق وطنية. وفي هذه اللحظة العصيبة، لا يبدو من سبيل سوى أن تتقدّم القوى المدنية الفاعلة، إلى طاولة سودانية خالصة، مستديرة لا هرمية فيها، ليُكتب على سطحها إنقاذ الوطن أولى من أي اصطفاف، وأبقى من أي مشروع حزبي أو جهوي أو آيديولوجي.
ففي ظل استحكام الشلل السياسي وغياب مشروع وطني جامع، فإن الرهان على توحيد الصف المدني لم يعد ترفًا نخبويًا أو أمنية مثالية، بل أصبح شرطًا ضروريًا للبقاء، وقاعدة أولى لتأسيس سودان جديد يُصاغ خارج معادلة الدم والبندقية.
والتقاء القوى المدنية ينبغي أن لا يكون مجرد إعلان نوايا، بل فعلًا مؤسسيًا يستولد من تحت الأنقاض مشروعًا قوميًّا مبتكرًا ينهض على أنقاض المركزيات القديمة، ويعالج جذور الفشل، ويصغي بصدق لصوت الهامش والأقليات والضحايا الذين حُرِموا من الوطن عقودًا طويلة.
وعلى هذه الطاولة المستديرة، لا بد أن تجلس لجان المقاومة التي حملت مشعل الثورة في الأحياء وقدّمت الشهداء من دون أن تتلوّن، جنبًا إلى جنب مع النقابات المهنية المستقلة التي استعادت شرعيتها رغم القمع، وعلى رأسها لجنة أطباء السودان المركزية، وتجمع المهنيين السودانيين في طيفه غير المخترق، وتجمع الصحفيين الديمقراطيين، واتحاد المحامين الشرعي، والكيانات الحقوقية مثل المبادرة السودانية لوقف الحرب، والمجموعات النسوية المدنية التي تمثل وجدان الثورة.
كما يجدر أن تكون حاضرة
مجموعة صمود، ومجموعة تأسيس، وحركة تحرير السودان مجموعة عبد الواحد محمد نور وتنسيقيات قوى التغيير بولايات السودان، وأحزاب الأمة القومي، والمؤتمر الشعبي، والتجمع الاتحادي، والحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث العربي الاشتراكي في خطه الثوري، والحركات الشبابية من داخل الجامعات ومنابر التفكير السياسي، وممثلو الهامش من قوى النازحين واللاجئين، ومجالس الإدارة الأهلية المستقلة، وكل الأجسام الوليدة التي لم تتلوث بأجندات الحرب والتهميش والتقسيم.
أما المؤتمر الوطني ومن دار في فلكه، فمكانهم ليس في الطاولة بل في قوائم المساءلة، لا يشاركون في كتابة الميثاق، بل ينبغي أن يُحاسَبوا على تمزيق الوطن، وتخريب الحياة العامة، وتوريط الدولة في آلة الحرب التي انفجرت في وجه الجميع. إن حضورهم في أي مشروع مدني سيكون نكسة أخلاقية وسياسية لا تُغتفر.
ومع ذلك، فإن هذا الموقف ليس موقف كراهية ولا تصفية حساب، بل موقف مبدئي من هوية المشروع الوطني نفسه. وإذا تاب هذا التيار عن جرائمه، وآمن بدولة القانون، وأصلح ما أفسد، وتبرّأ صراحة من إرثه الانقلابي، وقدّم كل من تلطخت يداه بالدم أو الفساد إلى المحاكم، وأعاد كل الأموال المنهوبة ومقدرات ،الشعب التي استولى عليها دون وجه حق، حينها فقط يمكن أن يُفتح له باب العود إلى الحياة الوطنية، لا كحركة سياسية حاكمة، بل كمكوّن مدني عادي يقبل بالمحاسبة أولًا، ثم بالمساواة ثانيًا، دون قداسة أو استثناء. فالوطن ليس حكرًا، لكنه لا يفتح أبوابه لمن دنّسه ما لم يُطهّر نفسه بالكامل أمام الشعب والتاريخ والعدالة.
المطلوب اليوم ليس مجرد لقاء بين متشاكسين، بل ميلادُ شراكة سياسية وأخلاقية تنطلق من الاعتراف المتبادل، والانفتاح الجاد على معالجة جراح الوطن، وبناء منصة وطنية جامعة تحترم التنوع، وتلتزم بالديمقراطية، وتكسر احتكار القرار من قبل المركز ونخبته القديمة. فالسودان، وقد أُنهِك بالحروب والانقلابات والمواثيق الخاوية، لا يحتاج إلى وثيقة جديدة تُعلّق على الجدران، بل إلى عقد اجتماعي جديد يولد من قاع المعاناة، ويُكتب باسم الضحايا لا باسم المتاجرين بالدم.
السودان اليوم ليس في أزمة حكم، بل على حافة الزوال السياسي والتمزيق الجغرافي. لم تعد الحرب مجرد نزاع بين قوات مسلحة، بل تحوّلت إلى آلة طحن جماعي تُفني المدن وتستأصل القرى وتُعيد تعريف الوطن كخريطة للموت والمقابر الجماعية. الخرائط تُرسم من فوق رؤوسنا، ومشاريع التقسيم تتسلل من خلف ظهورنا، والشعب ينهار تحت وطأة النزوح، والجوع، والخذلان. كلما تأخر لقاء القوى المدنية، كلما تعاظم الفراغ الوطني، وزادت كلفة التأسيس، وربما وصلنا لحظة لا يعود فيها التلاقي ممكنًا، لأن البلاد ستكون قد تجاوزت نقطة اللاعودة.
إن التاريخ لا ينتظر، ومن لا يكتب مشروعه بيده، سيُكتب له مشروعه بمدادٍ لا يشبهه. هذه هي الحقيقة المُرّة، السودان ينتظر أبناءه، لا ليتغنّوا بالماضي، بل ليكتبوا آخر فرصة للبقاء، قبل أن يُمحى الوطن من الخرائط وتُنسى الحكاية.

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

النمو المعجزة في زمن الرماد.. تفكيك سردية “التعافي الوهمي للاقتصاد السوداني

علاء خيراويفي زمن الحروب، تصبح الأرقام ساحة معركة لا تقل خطورة عن الميدان. والمقال الذي …