قراءة في رواية نوار سيدة الحراز “مدينة العسس”

رواية نوار سيدة الحراز للكاتب أحمد ضحية، الرواية تقع، في ٢٦٤ صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار منشورات ويلز هاوس.

هل نحتمل رؤية العالم كما هو؟
حين يضيق الواقع، تتسلل الأسطورة من الشقوق، لتفضح هشاشته. لتسير الكلمات فوق حواف الخذلان، تتعثر بالفقر، وتحدّق طويلًا في وجه السلطة، ثم تمضي، مثقلةً بأسئلة لا تجد جوابًا إلا في الرمز.!
فيلتفّ الحكي حول نفسه، لتتعثر اللغة باحثة عن مخرج من مدينة لا تنام “مدينة العسس”، مدينة تراقب أبناءها حتى وهم يحلمون. تتجاور الحياة والموت دون فاصلٍ آمن، ويتحوّل الحب إلى شرفة تطل على الهاوية، بينما تتكفل الأسطورة بحمل ما عجز الواقع عن احتماله.
هنا، يصبح الإنسان كائنًا معلقًا بين ما عاشه وما تخيّله، بين امرأة من لحم وذاكرة، وأخرى من لونٍ وصمت. لا خلاص واضحًا، ولا يقين نهائيًا، فقط سردٌ يحفر في طبقات القهر، ويمنح اللغة حقها في البكاء، وفي الاحتجاج، وفي الانكسار الجميل.

مقاربات:
١ـ الوطن: “الوطن هاجس وجريمة استفهام؟ … الوطن انقسام على النقيض وحدود مغلقة، تآكلت ساحاته” (ص ٣٥)
مقاربة: الوطن شعور متوتر، يدعو للتأمل في الانتماء والاغتراب، بين الانقسام والجراح المستمرة.
٢ـ الصداقة والأخوة: شهاب ومحمد: احتضنه عانقه بشدة اكثر، وكانت أربع دمعات تتعانق في فراغ الغرفة” (ص ١٤٣)
مقاربة: الروابط الإنسانية تمنح النص دفء وسط عالم مضطرب، وتكشف قيمة الحميمية الصغيرة.
٣ـ الحب: “رأيت سمح الشمايل سيدي قوس الزمان! … أمرني أن اتزوجك وانجبت منك علي، تطلقني ويذهب كل منا في حال سبيله” (ص ١٢٨)
“قرأنا كثيراً من القرآن، وصلينا ركعتين لله وكان الله شاهدًا” (ص ١٣١)
مقاربة: الحب هشّ، متشابك بين الواقع والأسطورة، ويكشف مقدار العطب العاطفي لدى الشخصيات. خالد نموذج لانكسار العاطفة، وسلمى نموذج لخذلان الحلم العاطفي.
٤ـ نوار: “كنت نطفة في رحم الزمان أنمو ببطء شديد… أنا نوار سيدة الحراز” (ص ١٢٧)
“كانت يدها اليمنى المتقوسة تسند جرة الفخار… عنقها المرمري، المتحفز…” (ص ٤١)
“الحراز: أنه قدرنا، والأرض التي تتمحور علينا، اغنية لا تعرف الانتظار…” (ص ١١٤)
مقاربة: نوار محور الأسطورة، تمثل المزج بين الواقع والخيال، وتوجه رحلة شهاب الداخلية.
٥ـ الجغرافيا والمدينة: “مدينة العسس: نساء من العسس، أطفال من العسس، صبية ورنيش من العسس ….” (ص ٢٤٩)
مقاربة: المدينة فضاء يعكس المراقبة والقهر، ويجعل القارئ يشعر بضيق المصير رغم اتساع المكان.
٦ـ السرد والبنية في حكاوي الجدة: “كالعادة، وعلى حين غرة داهم وجه جدته… ملامح للناس والأشياء” (ص ٩٠)
مقاربة: السرد دائري ومتداخل، يجمع بين الأسطورة والحياة اليومية، ويجعل القارئ مشاركًا في بناء الحكاية.
٧ـ الوعي والتاريخ: “قال ماري ستيورات الذين يملكون بصيرة إلهية هم غالباً بحالة عمى عندما يتعلق الأمر بشؤون الحياة اليومية والاجتماعية” (ص ٨٣)
مقاربة: الوعي يتأثر بتاريخ البلاد الطويل، حيث تصطدم البصيرة بالواقع اليومي فتظهر التشوهات والارتباك.
٨ ـ السجن والغياب: “من ينتظر حبيبته، ليس كمن ينتظر فجراً لا يطلب! في هذا الظلام المستمر يشتاق الإنسان لأي كائن يحادثه…” (ص ٢٣٢)
مقاربة: السجن حالة وجدانية تعكس الحرمان من التواصل والزمن، وتجعل القارئ يعيش الشعور بالغربة والانتظار.
٩ـ الرغبة والتمرد والمصائر: “أن نكون في زماننا الحقيقي، أو لا نكون! أن نسمع ما نرغب في سماعه، أن نأكل ما نشتهي….” (ص ٢٣٧)
مقاربة: التمرد والرغبات الفردية تمنح الشخصيات مساحة حرية صغيرة، وتكشف سعيها لتحقيق وجودها الخاص رغم الإطار الضاغط.
المصائر متعددة: خالد يواجه الخذلان حتى الانتحار، عتام يتمرد على الواقع، صلاح يبحث عن واقع مغاير، وشهاب (أبو علي) ينهي حياته بوصفها تحقيقًا أسطوريًا للأماني. تعدد المصائر يعكس تنوع أشكال الانكسار أكثر من تنوع النجاة.

ملاحظات
ـ الرواية تفتح مساحة لتأمل الوجع الإنساني عبر الأسطورة، كمرآة للواقع.
ـ ينهض النص على الاستذكار، متحركًا بفلاش باك ومقتطفات سريعة، لتتضح في النصف الثاني بنيته السردية بشكل أكثر تنظيمًا.
ـ تتدفق اللغة بين الوجدانية والواقعية الاجتماعية.
ـ الشخصيات حية بضعفها وهزيمتها، ما يجعل القارئ يشعر بإنسانيتها، ومصائرها.
ـ الحب متشابك بين الواقع والخيال، يمنح النص بعدًا وجدانيًا ورمزيًا غنيًا.
ـ الصداقة تبرز جمالية النص، وتسبغ عليه دفءً خفيًا وسط عالم مضطرب، لتظهر قيمة الروابط الإنسانية.
ـ مدينة العسس والوطن يحفظان ذاكرة القهر الاجتماعي والسياسي، وتأثيرها في مصائر الشخوص.
ـ السرد مرن، يتنقل بين عليم ومتكلم، ويمرّ بالقفزات الزمنية، في محاولة للحفاظ على نغمة النص الأسطورية.!
ـ الأسطورة وسيلة لفهم الواقع، وإعادة تركيب الأحداث.
ـ الرغبة والتمرد يظهران كفضاءات صغيرة للحرية، تمنح الشخصيات بعضًا من التحكم في حياتها رغم الإطار الضاغط.
ـ النهاية حزينة وهادئة، تعمق التجربة بما تحمله الحياة من قسوة وجمال متداخل.

ختامًا
شدني النص، رغم ما بدا من تشابك الشخصيات والأساطير التي تداخلت عليّ وأوقفتني عن مواصلة القراءة، لكن مع العودة، غمرني النص بسحره، وأنا أستعيد ذكريات شهاب وأصدقائه، وحبهم الممزق بين الواقع والأسطورة، بين الفقد والولع، بين نوار وسلوى، وخالد الذي حمل حزنه حتى نهايته، وعتام وصلاح الذين تمردا على قيود فضاء السرد.
ورغم أن القالب السياسي أحيانًا حاد، فإن الأسطورة دمجت بالواقع، فحققت الرغبة في الهرب والتأمل، وفتحت مساحة لرؤية العالم بعيون مختلفة.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أنا وصديقاتي

خيط النور بعض الذكريات لا تعود لأنها جميلة فقط، بل لأنها علّمتنا كيف نضحك قبل …