زهير عثمان
بين أنقاض الدولة السودانية، وفي ظل حربٍ تجاوزت حدود الصراع السياسي لتصبح أزمة وجودية تهدد المجتمع والدولة معاً، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أسئلة الميدان – أين أخفقت النخبة السودانية؟ وكيف تحوّل خطاب الاعتدال، الذي كان يُفترض أن يكون جسراً نحو المستقبل، إلى حالة من العجز عن التأثير في مجرى الأحداث؟
ليست المشكلة في الاعتدال بوصفه قيمة سياسية أو أخلاقية؛ فالاعتدال في التجارب الديمقراطية الراسخة يقوم على وضوح المبادئ واحترام المؤسسات وسيادة القانون
أما الإشكال في الحالة السودانية، فيكمن في نمط من الاعتدال يكتفي بإدارة اللغة، ويتجنب مواجهة جذور الأزمة، فيتحول إلى خطاب يخفف حدة التناقضات لفظياً، دون أن يقدم مشروعاً عملياً لمعالجتها
بلاغة أخلاقية بلا مشروع سياسي
شهد السودان خلال العقود الماضية إنتاجاً كثيفاً لخطابات تدعو إلى الحوار والتوافق والتعايش، لكنها غالباً ما بقيت في حدود الوعظ السياسي والأخلاقي , فلم تستطع أن تتحول إلى مشروع مؤسسي قادر على إعادة بناء الدولة أو إنتاج توازن جديد بين القوى الاجتماعية والسياسية
وتكمن الأزمة في أن جانباً من النخبة استبدل بناء المؤسسات بإنتاج الشعارات، واستعاض عن تقديم برامج سياسية قابلة للتنفيذ بخطاب إنشائي يدعو إلى التسويات العامة، وكأن السودان يعيش خلافاً سياسياً عادياً، لا حرباً مزقت مؤسسات الدولة، وشرّدت الملايين، وأعادت تعريف العلاقة بين المجتمع والعنف
لقد أصبح الاعتدال، في بعض صوره، وسيلة لتجنب اتخاذ المواقف الصعبة، لا منهجاً لإدارتها
المنطقة الرمادية بين الإدانة والتبرير
أحد أبرز مظاهر هذا الاعتدال العاجز هو الوقوف الدائم في المنطقة الرمادية , فهناك من يتردد في إجراء مراجعة نقدية واضحة لتجربة الإسلام السياسي وما خلفته من آثار عميقة على بنية الدولة السودانية، وفي الوقت نفسه يتجنب مساءلة الدولة التقليدية ونخبها التي ساهمت، هي الأخرى، في إنتاج أزمات التهميش وضعف المؤسسات واحتكار السلطة
هذه المساواة الشكلية بين جميع المسؤوليات، دون تمييز بين درجاتها وسياقاتها، لا تقود إلى العدالة ولا إلى المصالحة، بل تؤجل مواجهة الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن بناء مستقبل جديد دون الإجابة عنها
أزمة المراجعة داخل الفكر الإسلامي
من جهة أخرى، ما تزال قطاعات واسعة من الحركة الإسلامية تواجه صعوبة في تقديم مراجعة فكرية عميقة لتجربتها في الحكم , فالكثير من التفسيرات لا تزال تحصر الأزمة في المؤامرات الخارجية أو الصراع على السلطة، بينما تتجنب مساءلة الأفكار التي شرعنت التمكين، وربطت الدولة بالتنظيم، وأضعفت استقلال المؤسسات، ورسخت منطق الغلبة السياسية
إن أي مراجعة لا تتناول هذه الأسس الفكرية والتنظيمية ستظل مراجعة تكتيكية أكثر منها مراجعة تاريخية، ولن تكون قادرة على استعادة الثقة أو المساهمة في تأسيس مشروع وطني جديد
من الاعتدال إلى المحافظة المقنعة
ليست كل دعوة إلى التوافق فضيلة سياسية، كما أن كل دعوة إلى الحسم ليست تطرفاً , فحين يصبح التوافق غاية في ذاته، حتى لو جاء على حساب العدالة والمحاسبة، فإنه يتحول إلى أداة للمحافظة على البنى القديمة بدلاً من إصلاحها
لقد أثبتت التجربة السودانية أن كثيراً من التسويات السياسية لم تؤسس لاستقرار دائم، لأنها عالجت نتائج الأزمات، بينما تركت أسبابها قائمة ولذلك فإن الحديث عن التدرج والإصلاح يفقد معناه إذا لم يقترن بإرادة حقيقية لتغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها
العدالة أولاً… ثم التوافق
لا يمكن بناء سلام مستدام من دون الاعتراف بالمسؤوليات التاريخية، وترسيخ مبدأ المحاسبة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع , فالعدالة ليست عقبة أمام المصالحة، وإنما شرطها الأساسي
كما أن الديمقراطية المنشودة في السودان لا ينبغي أن تقتصر على تداول السلطة، بل يجب أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد يعترف بالتعددية الثقافية والإثنية والدينية بوصفها ركائز للدولة، لا تنازلات تُمنح للهامش عند الضرورة
تكشف الحرب السودانية الدائرة الان أن الأزمة لم تكن في غياب الأصوات المعتدلة، بل في غياب المشروع الوطني القادر على تحويل الاعتدال إلى قوة سياسية ومؤسسات فاعلة
فالدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالحياد أمام الكوارث، وإنما تُبنى برؤية واضحة، ومراجعات شجاعة، ومؤسسات تحمي القانون والمواطنة
لقد آن الأوان لأن تنتقل النخبة السودانية من إدارة الخطاب إلى صناعة البديل؛ لأن التاريخ لا يتذكر من اكتفى بوصف المأساة، بل يتذكر من امتلك القدرة على تغيير مسارها.
zuhair.osman@aol.com
