قراءة نقدية في مقال عبد الله علي إبراهيم: هل سيحمل البرهان العالم لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية؟

عاطف عبدالله

في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد النقاش حول هذه الحرب مقتصراً على ساحات القتال وحدها، بل امتد إلى ميادين السياسة الدولية وخطاباتها، حيث تُصاغ المفاهيم وتُحدَّد الأوصاف التي قد تغيّر مسار الصراع ونتائجه. ومن بين الأسئلة التي أخذت تتقدم إلى واجهة هذا الجدل سؤال بالغ الحساسية: هل يمكن أن تُصنَّف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية على المستوى الدولي؟

هذا السؤال أعاد طرحه الأستاذ عبد الله علي إبراهيم في مقاله المعنون :”هل سيحمل البرهان العالم لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية؟” ، محاولاً استكشاف مدى قدرة رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان على دفع المجتمع الدولي إلى تبني هذا التصنيف.

غير أن أهمية هذا السؤال لا تنبع فقط من راهنيته السياسية، بل من كونه يفتح باباً أوسع للتأمل في الكيفية التي يُصاغ بها مفهوم الإرهاب في النظام الدولي المعاصر، وفي الجهة التي تمتلك سلطة تعريفه وتوظيفه. فالتاريخ القريب يبين أن وصف أي جماعة مسلحة بالإرهاب لا يتحدد دائماً بالوقائع الميدانية وحدها، ولا بالمعايير القانونية الصرفة، بل كثيراً ما يتشكل في تقاطع معقد بين القانون والسياسة، وبين الحقائق على الأرض وحسابات المصالح والتحالفات الدولية.

ومن هذه الزاوية يصبح النقاش الذي أثاره عبد الله علي إبراهيم مدخلاً لتحليل أعمق يتجاوز حدود الحرب السودانية ذاتها، ليلامس إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة النظام الدولي، وبالطريقة التي تُنتج بها القوى الكبرى تعريفات العنف المشروع وغير المشروع في عالم مضطرب تتداخل فيه الاعتبارات الأخلاقية مع موازين القوة.

وفي هذا السياق، حاول الأستاذ عبد الله علي إبراهيم في مقاله تقديم قراءة تفسيرية لاحتمالات نجاح البرهان في إقناع المجتمع الدولي بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، مستنداً إلى تحليل يتقاطع فيه التاريخ السوداني مع تحولات السياسة الأمريكية في ملف الإرهاب.

وقبل الدخول في الجدل الذي قد يثيره هذا السؤال في ظل الاصطفاف والاستقطاب السياسي الراهن، يجدر التنبيه إلى أن المسألة في جوهرها سياسية قبل أن تكون قانونية؛ فعلى الرغم مما يبدو في ظاهرها من طابع قانوني، فإنها في حقيقتها سؤال سياسي بامتياز، إذ تتصل بتوازنات القوى في النظام الدولي، وبالصورة التي تقدم بها أطراف الحرب أنفسهم إلى العالم، وبالطريقة التي يُصاغ بها مفهوم الإرهاب في السياسة الدولية المعاصرة.

وينطلق الكاتب في معالجته للموضوع من ثلاث أطروحات رئيسية…

الأولى أن دعوة البرهان لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية جاءت متأخرة، وأن الدولة السودانية لم تتعامل معها منذ البداية بما يلزم من الجدية على المستويين الإعلامي والدبلوماسي.

أما الأطروحة الثانية فتقوم على أن الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، يميل إلى ربط مفهوم الإرهاب بالإسلام السياسي، الأمر الذي يجعل من الصعب تصنيف قوة مثل الدعم السريع، التي لا تتبنى خطاباً دينياً، كمنظمة إرهابية.

وتذهب الأطروحة الثالثة إلى أن الموقف الأمريكي الحالي يبدو أقرب إلى انتقاد الجيش وحلفائه من الإسلاميين، وهو ما قد يجعل واشنطن أقل استعداداً لتبني الرواية التي يقدمها البرهان بشأن طبيعة هذه الحرب.

وتقود هذه الأطروحات مجتمعة إلى نتيجة ضمنية مفادها أن فرص نجاح البرهان في دفع العالم إلى تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية تبدو محدودة.

غير أن ما يمنح المقال قدراً من الحيوية الفكرية هو أن الكاتب لا يكتفي بمناقشة الحرب السودانية في إطارها المحلي، بل يحاول توسيع دائرة النقاش لتشمل سياقات أوسع في السياسة الدولية. فهو يربط القضية بمفهوم الحرب على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبالطريقة التي تطورت بها سياسات الولايات المتحدة في تصنيف الجماعات المسلحة، فضلاً عن استحضاره للتاريخ المعقد للعلاقة بين السودان وواشنطن.

وفي هذا السياق يتوقف الكاتب عند مسألة ازدواجية تعريف الإرهاب في السياسات الدولية، مشيراً إلى أن هذا المفهوم لم يحظ بتعريف موحد، وأنه كثيراً ما يتشكل في ضوء المصالح السياسية للقوى الكبرى. ويضرب لذلك مثالاً بتجاهل الولايات المتحدة، لفترة طويلة، لما يعرف بالإرهاب اليميني داخل مجتمعها، مقابل تركيزها الأكبر على الجماعات الإسلامية المتطرفة، وهي ملاحظة تتكرر كثيراً في أدبيات العلاقات الدولية.

ومع التسليم ببراعة الأستاذ عبد الله علي إبراهيم المعهودة في السرد، واتساع أفقه المعرفي، فإن ثمة ملاحظات نقدية لا يمكن تجاوزها في مناقشة أطروحته.

أولى هذه الملاحظات تتعلق باختزال تفسير ظاهرة الإرهاب في العامل الديني. فالافتراض بأن الغرب يصنف الإرهاب أساساً على أساس الهوية الإسلامية يظل تبسيطاً لواقع أكثر تعقيداً. فالقوائم الغربية للمنظمات الإرهابية تضم جماعات غير إسلامية، وقد ذكرها عبدالله في مقاله مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي، وحزب العمال الكردستاني، وحركة الطريق الساطع في بيرو. وفي كثير من الحالات يكون المعيار الحاسم للتصنيف هو طبيعة الأفعال المرتكبة، خاصة استهداف المدنيين أو المصالح الدولية، وليس الانتماء الديني أو الأيديولوجي للجماعة.

الملاحظة الثانية أن المقال، رغم تناوله لبعض محطات التاريخ السوداني-الأمريكي مثل قصف مصنع الشفاء عام 1998 والعقوبات التي فرضت على السودان خلال حكم الإنقاذ، لم يتطرق إلى محاولات سابقة جرت بالفعل لطرح مسألة تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية في المحافل الدولية.

ففي عام 2014 تحركت قوى المعارضة السودانية عبر مسارين متوازيين في هذا الاتجاه.

المسار الأول كان حقوقياً، حيث قدمت منظمات سودانية ودولية تقارير مفصلة إلى مجلس الأمن حول الانتهاكات الواسعة في دارفور، وطالبت بفرض عقوبات على قادة الدعم السريع ومحاسبتهم على الجرائم المنسوبة إليهم.

أما المسار الثاني فكان سياسياً، إذ دعت قوى المعارضة، في وثائق مثل “إعلان باريس” و”نداء السودان”، المجتمع الدولي إلى الاعتراف بهذه القوات كميليشيا مسؤولة عن انتهاكات جسيمة تستوجب المحاسبة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت آنذاك بجدار التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن، حيث كانت روسيا والصين توفران قدراً من الحماية السياسية لنظام البشير، وترفضان توسيع ولاية المحكمة الجنائية الدولية أو فرض عقوبات إضافية على الأجهزة الأمنية السودانية بحجة رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

أما الملاحظة الثالثة فهي أن المقال لم يناقش بما يكفي الاتهامات الخطيرة المرتبطة بقوات الدعم السريع، مثل تجنيد المرتزقة من دول الجوار، والانتهاكات الواسعة في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وشبكات الذهب والتهريب العابرة للحدود. وهذه عناصر، إذا ما جرى توثيقها قانونياً بصورة منهجية، يمكن أن تشكل أساساً لملف دولي قد يُستخدم في الدفع نحو تصنيف هذه القوة ضمن الجماعات الإرهابية أو على الأقل إخضاع قادتها لعقوبات دولية صارمة.

غير أن التجربة الدولية تشير إلى أن تصنيف أي جماعة كمنظمة إرهابية لا يعتمد فقط على الوقائع القانونية، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالحسابات السياسية والتحالفات الدولية. فالتاريخ الحديث يقدم أمثلة عديدة على تغير مواقف الدول الكبرى من جماعات مسلحة تبعاً لتغير المصالح، كما حدث في حالات متعددة، منها التحولات التي طرأت على التعامل الدولي مع حركة طالبان، أو رفع السودان نفسه من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد سقوط نظام البشير.

لهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بطبيعة قوات الدعم السريع أو بمدى انطباق تعريف الإرهاب عليها، بل يتعلق أيضاً بموقع السودان في شبكة المصالح الإقليمية والدولية، وبمواقف القوى الكبرى، وبالتوازنات التي ستفرزها نهاية هذه الحرب.

من هذه الزاوية يمكن القول إن مقال عبد الله علي إبراهيم ينجح في إثارة سؤال بالغ الأهمية حول كيفية صناعة وصف الإرهاب في السياسة الدولية، لكنه في المقابل يبالغ في ربط عملية التصنيف بالإسلام السياسي، ويتجاهل أن الجرائم الواسعة ضد المدنيين قد تشكل، في حد ذاتها، مدخلاً لتصنيف أي جماعة – دينية كانت أم غير دينية – كتنظيم إرهابي.

وفي الحالة السودانية تحديداً، يبدو أن مسألة تصنيف أي طرف في الحرب لن تُحسم في مختبرات القانون الدولي وحدها، بل ستتحدد أساساً في ميدان السياسة الدولية، حيث تتقاطع المصالح، وتتغير التحالفات، وتُصاغ القرارات الك

atifgassim@gmail.com

عن عاطف عبدالله

عاطف عبدالله

شاهد أيضاً

السودان بين دروس كولومبيا وأفريقيا واستحقاق العدالة الانتقالية

atifgassim@gmail.comبقلم: عاطف عبدالله تكتسب هذه الورقة أهميتها من كونها تنطلق من قراءتين تحليليتين معمّقتين قدّمهما …