قراءة وثائقية-تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958

قراءة وثائقية-تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958
شهادة عبد الله خليل في دائرة الضوء (الحلقة الأولى)

أحمد إبراهيم أبوشوك
مقدمة
يمثّل انقلاب17 نوفمبر 1958 أحد أهم التحوّلات السياسية في تاريخ السودان الحديث، إذ دشّن مرحلة جديدة من العلاقة بين المؤسسة العسكرية والنخب المدنية، وفتح الباب أمام سلسلة من الانقلابات التي شكّلت لاحقًا مسار الدولة السودانية ومآلات تطورها السياسي. ورغم كثافة الكتابات التي تناولت هذا الحدث، فإنَّ جانبًا مهمًا من مصادره الأولية لا يزال يتطلّب قراءة نقدية معمّقة، وعلى رأسها شهادة رئيس الوزراء الأسبق الأميرآلاي عبد الله خليل (1892-1971) أمام لجنة التحقيق القضائية التي شُكّلت عقب ثورة أكتوبر 1964. فقد جاءت هذه الشهادة في سياق سياسي استثنائي سعت فيه الحكومة السودانية إلى تفكيك بنية الحكم العسكري ومساءلة النخبة المسؤولة عن تعطيل الدستور وتقويض النظام البرلماني الوليد. وبناءً على البلاغ الصادر عن النائب العام بالإنابة بتاريخ 31 يناير 1965، أحيلت القضية إلى لجنة تحقيق قضائية ضمّت قضاة من ذوي الخبرة، وأسندت إليها مهمة استجلاء الملابسات التي أدّت إلى الانقلاب عبر استجواب أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فضلاً عن استدعاء عبد الله خليل بوصفه الفاعل المدني الأكثر ارتباطًا بالأحداث. وتمثل إفادته — بما تضمنته من تبريرات وتناقضات وصمت مقصود أحيانًا — نصًا محوريًا لفهم آليات اتخاذ القرار السياسي في تلك المرحلة، وطبيعة التفاعل بين السلطة المدنية والعسكرية، وحدود مسؤولية النخب الحزبية في انزلاق التجربة الديمقراطية الأولى نحو الحكم العسكري.
يهدف هذا المقال إلى تحليل شهادة عبد الله خليل تحليلًا موضوعيًا يراعي سياقها السياسي والقضائي، ويقارنها بشهادات العسكريين (إبراهيم عبود، أحمد عبد الوهاب) والمصادر الصحفية والوثائق الحكومية المعاصرة. كما يسعى إلى تفكيك خطابها الداخلي للكشف عن استراتيجيات تبرئة الذات، وتحديد مدى انسجامها أو تعارضها مع الوقائع التاريخية، وإبراز ما تكشفه عن بنية السلطة والحزبية في السودان عشية الانقلاب. ومن خلال هذه المقاربة التي تمزج بين التحليل النصّي، والمقارنة المصدرية، ومنهجية النقد الداخلي والخارجي، يقدّم المقال قراءة جديدة لتلك المرحلة الحاسمة، ويعيد النظر في الروايات السائدة حول انقلاب 17 نوفمبر، بوصفه نتيجة أزمة بنيوية عميقة في التجربة السياسية السودانية، أكثر من كونه مجرد حدث معزول أو ثمرة ترتيبات فردية محدودة.

عبد الله خليل عوض (1892-1971)
عبد الله خليل عوض عسكري وسياسي بارز، وُلد بأم درمان عام 1892، وتخرّج في المدرسة الحربية السودانية، ثم التحق بقوة دفاع السودان، واشترك في العديد من حملاتها عسكرية، وترقى في مناصبها إلى أن بلغ رتبة عميد. بعد تقاعده عن العمل العسكري، انضم إلى حزب الأمة وأصبح أحد قادته البارزين وسكرتيره العام، حيث قام بأدوار محورية في قيادة الحزب. ترشح في الانتخابات البرلمانية الأولى لسنة 1953 وفاز في دائرة مقدمية نيالا (52)، وفي الانتخابات البرلمانية الثانية لسنة 1958 فاز في دائرة كوستي الشمالية الشرقية (23)، وبعدها تولّى رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الديمقراطي. شهدت فترة حكمه صراعات حزبية وأزمات داخلية وخارجية، أبرزها أزمة اتفاقية العون الاقتصادي للإنشاء والتعمير بين جمهورية السودان والحكومة الأمريكية (المعروفة بالمعونة الأمريكية)، وقضية النزاع الحدودي مع مصر في مثلث حلايب. ارتبط اسمه بانقلاب 17 نوفمبر 1958، الذي قاده الفريق إبراهيم عبود، القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، والذي تصفه بعض الأدبيات المعاصرة بأنه “عملية تسليم وتسلم” أو “انقلاب مدني-عسكري”. اعتُقل لاحقًا خلال حكم عبود (1958-1964)، ثم ابتعد تدريجيًا عن العمل السياسي حتى وفاته عام 1970. ويُعد عبد الله خليل من الشخصيات المحورية لفهم السنوات الأولى للاستقلال ومسار الدولة السودانية الوليدة.

البلاغ الجنائي والتحقيق مع السيد عبد الله خليل
أصدر الأستاذ عمر أبوبكر، النائب العام بالإنابة، بلاغًا بتاريخ 31 يناير 1965، بالنمرة ن ع/6/1 (سري)، وتحت المواد 96 و97 و98 من قانون العقوبات ضد أعضاء مجلس السيادة المنحلّ، وهم: الفريق المتقاعد إبراهيم عبود، واللواء المتقاعد محمد طلعت فريد، واللواء المتقاعد حسن بشير نصر، واللواء المتقاعد أحمد رضا فريد، واللواء المتقاعد محمد أحمد عروة، واللواء المتقاعد أحمد مجذوب البحاري، واللواء المتقاعد المقبول حاج الأمين. وفي 10 فبراير 1965، أحال رئيس القضاء البلاغ إلى لجنة التحقيق القضائية المكوّنة من القاضي صلاح الدين شبيكة (رئيسًا)، وعضوية القاضي عبد الله أبوعاقلة أبوسن، والقاضي محمد الشيخ عمر، ويعاونهم السيد عبد الرحيم موسى، المكلّف من ديوان النائب العام. وأصدرت اللجنة فور تشكيلها إعلانًا موجّهًا إلى السيد عبد الله خليل عوض، رئيس الحكومة قبل 17/11/1958، لاستجوابه حول “الظروف المؤدية للانقلاب موضوع البلاغ”، على أن يمثل أمام اللجنة يوم السبت الموافق 13/2/1965 في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحًا.

النص الكامل لإفادة السيد عبد الله خليل
حضر الشاهد الأول السيد عبد الله خليل في المواعيد المشار إليها وأدلى بالآتي: “قبل الانقلاب كان هناك تمرد في بعض أعضاء البرلمان بخصوص المعونة الأمريكية التي رفضوها، وكنت أنا زعلان من هذا الموقف، وتكلمت بشدة شوية مع الأعضاء، وبعد ذلك طلعت إشاعة بأني أنا عايز أعمل انقلاب وأعطل البرلمان، ولكن حدث صلح بيننا، واقتنعوا بأنه لم يكن في ذهني شيء من ذلك، وسوينا الموضوع. ثم ظهرت إشاعة ثانية تقول أني أريد أن أسعى ليكون السيد عبد الرحمن رئيسًا للجمهورية عن طريق انقلاب عسكري، وأنا في ذلك الوقت كنت أمشي لمجلس السيادة كثيرًا بسبب عملي، وهذا هو الذي جعلهم يفكرون في أنني أخطط لهذا الهدف، الذي ذكرته الاشاعة الأخيرة. وبعد دى به شويه جاءت إشاعة أن الجيش سيعمل انقلاب، وقد سمعت ذلك في السوق ساكت مش بطريق رسمي. لم أحقق في هذه الإشاعة رغم أنني وزير الدفاع؛ لأنها ما جاءت عن طريق رسمي، وأنا ما شفت أن الجيش عنده ظلامه أو شكوى من أي شيء، ولهذا ما شفت سبب يحمل الجيش على التفكير في الانقلاب. كان ذلك قبل شهر من الانقلاب، أعني كل هذه الاشاعات. بعد إشاعة عزم الجيش على إحداث انقلاب أنا فكرت في الأمر كثيرًا، ورأيت إنه حتى لو حدث الانقلاب فهو حركة داخلية وليست خارجية، وفي نظامي أنا الدفاع عن السودان كان يتوقف على الجيش وهو واجبه، وكنت افتكر أن التجنيد العام سيكون من الأنصار إذا احتاج الجيش إلى مساعدة، ولهذا لما سمعت الاشاعة بتاعة الانقلاب ما كان في مفر من أني أسكت ساكت؛ لأني إذا استعنت بالأنصار ضد الجيش كان في ذلك انتحار للأنصار أو خلافهم ممن أدفع بهم في وجه الجيش. قصدت من قولي إن الجيش إذا احتاج إلى مساعدة ستكون مساعدته من الأنصار في حالة اصطدام الجيش بقوة خارجية. استمريت في موقفي السلبي هذا من الإشاعة إلى أن حدث الانقلاب.
عندما حدث الانقلاب سمعت به أنه في ليلة 17 نوفمبر حدث نقاش بين الضباط في معسكرهم حول جدوى أو عدم جدوى الانقلاب، ولا أذكر ممن سمعت هذه الأخبار الآن- وأخيرًا انتهوا في النقاش إلى ضرورة الانقلاب. مقاومة الانقلاب في نظري لم تكن عندها فايدة لأنهم وجدوا تأييد من السادة.
في صباح 17 نوفمبر حوالي الساعة 6 صباحًا جاءني ضابط يحمل خطابًا موقعًا عليه من رئيس الانقلاب، وجايز الخطاب يكون موجود عندي الآن وأبحث عنه وأحضره. محتويات الخطاب أنني اعتبر مفصولًا من ذلك اليوم، وأحطت علمًا بالانقلاب وبتكوين الحكومة الجديدة، واعتقد أن الخطاب أُرسل إلى جميع أعضاء الحكومة.
السيدان عبد الرحمن وعلي الميرغني أرسلوا خطابات تأييد ومباركة بعد أيام من الانقلاب، وهذا هو ما أشرت إليه سابقًا من تأييد السادة للانقلاب.
لم يحدث أنني اتصلت بالعساكر، أو اتصلوا بي في شأن الانقلاب، ولكني بعد الانقلاب كنت اتحدث ضدهم في مجلسي مستنكرًا طريقته في استعمال القوة للوصول إلى الحكم، وهم أخذوا على هذا إلى يومنا هذا، وقد كان من نتيجة كلامي ضدهم أنهم سجنوني وزملائي من الأحزاب الأخرى في جوبا في سنة 1961؛ لأن السجن جاء نتيجة إنذارات سابقة منهم بسبب كلامي.
هناك تهمة من ناس حزب الأمة سمعتها من بعض الناس أنهم لولا مساعدتي أنا للعساكر لما تمكنوا من عمل الانقلاب، وهذا ليس صحيح بالطبع لأنني لا يمكن أن اساعد ناس جايين يغزلوني.
حكومتي في سنة 1958 كانت مشكلة برئاستي وزيراً للدفاع، وإبراهيم أحمد وزيرًا للمالية، ومحمد أحمد محجوب وزيرًا للخارجية، وعلي عبد الرحمن للداخلية، وعلي بدري للصحة افتكر، وحماد توفيق للتجارة أو الزراعة افتكر.. حكومة ائتلافية. بعد الانقلاب حصلت حاجة بطالة شويه إذا سافر أزهري وعلي عبد الرحمن ومحمد أحمد المرضي إلى مصر وسوريا والعراق، يعني للبلاد العربية، والناس افتكروا أنهم ذهبوا يبحثوا عن مال أو قوة ليقاموا بها الأحوال. وهذه الحركة اتعبتني أنا لأن الناس بتاعين حزبي أنا كانوا يقولوا لي أنت قاعد تعمل شنو وليه ما مشيت. ولكني أنا متأكد أنهم ذهبوا للترفيه فقط.
حكومتي الائتلافية قبل الانقلاب كانت مكونة من حزب الأمة والشعب، وكنا اتفقنا على المبادئ ولا أذكر المبادئ التي تم عليها الائتلاف. قبل الانقلاب كانت علاقتنا في حكومة -ناس حزب الأمة والشعب- طيبة. قبل الانقلاب كانت توجد مساعي لإعادة العلاقات بين حزب الشعب والوطني الاتحادي؛ لكن كل واحد منهم كان مصر على موقفه. لا استطيع أن أؤكد ما إذا كان سفر أزهري وعلي عبد الرحمن والمرضي إلى مصر كان قبل أو بعد الانقلاب.
كان سفيرنا في مصر وقتها يوسف التني، ولم يحدث أن أرسل إلينا برقية من مصر تفيد بأن أزهري أو علي عبد الرحمن، وصلا إلى اتفاق مع المصريين وأن الانقلاب جاء نتيجة لذلك الاتفاق. قبل الانقلاب كان هناك عدم اتفاق بيني وبين السيد الصديق وكنت أنا سكرتير الحزب، والاختلاف كان في شئون الحزب وليس في سياسة الحكومة. اعتقد أن السيد الصديق كان موجودًا عند الانقلاب. لا صحة للإشاعة التي تقول أن الانقلاب دبرته أنا بسبب خلافي مع السيد الصديق. لا أذكر ما إذا كان السيد الصديق موجودًا أو غير موجود عند وقوع الانقلاب، والخلاف الذي كان بيني والسيد الصديق بسيط وفي أشياء غير جوهرية، وقد حدث أن تدخل فيه السيد عبد الرحمن لتسويته، وكان يسويه لمصلحتي أنا. أذكر أنني، وأنا رئيس حكومة قبل الانقلاب، كنت أقابل عبود وأحمد الوهاب، دائمًا بحكم كوني رئيسهم أي وزير الدفاع، ولم يخبراني دائمًا بحكم كوني رئيسهم أي وزير الدفاع، ولم يخبراني بصفة رسمية أو شخصية عن نية وجود انقلاب، لا صحة للإشاعة التي تقول أن عبود طلب مني وثيقة تثبت أنني كلفته بالانقلاب، وإذا وجدت مثل هذه الوثيقة، فإنها تكون مزورة- الجماعة الذين أخبروني باجتماع الضابط ومناقشتهم لموضوع الانقلاب كانوا غالبًا عساكر جايز من مخابرات الجيش، ولم يكن هنالك جهاز مخابرات رسمي ولكن يوجد مخبرين من الجيش. هم جاؤوا إليَّ بهذا الخبر باعتباري وزيرًا للدفاع، ولم يكن بوسعي أن أقاوم الانقلاب في ذلك الوقت؛ لأنهم كانوا استعدوا، ولكان مستحيلًا أن ألمس الجيش؛ لأنه في ثاني يوم حدث الانقلاب. لم انقل هذه المعلومات إلى مجلس السيادة أو مجلس الوزراء لأن نقل هذه المعلومات إذا ترتب عليه مقاومة الجيش فأنه سيقاتل.
لم أسأل أيضًا قائد الجيش أو نائبه في هذه الأخبار؛ لأني كنت خايف أن كشف معلومات لهم قد يؤدي إلى التعجيل بالانقلاب واستعمال العنف لأنهم قد يتصورون أنني سأقاومهم بأي وسيلة خارجية أو داخلية، وأنا فعلًا لو كان عندي وقت كنت عملتها وكنت استعنت بالدول الخارجية من الأصدقاء كالحبشة مثلًا باعتبارها جارة. كان كل هذا هو تقديري الشخصي للموقف لأنني كنت أريد تجنب الصدام وآثاره. لم اتصل بزعيم حزبي؛ لأنني لم أكن أريد أن أورطه في أمر هو شغلي أنا، ولكن الزعماء سمعوا زي ما سمعوا كل الناس.
إذا قال أحد أن سكوتي على الانقلاب رغم علمي بقرب حدوثه يعتبر موافقة على الانقلاب، فإن ذلك لا يكون صحيحًا؛ لأنني سكت مكرهًا وللأسباب التي أوضحتها. ويجوز بعد الانقلاب أني أكون قلت هذا الكلام في تبريري لسكوتي للسيد علي عبد الرحمن أو السيد علي أو أي واحد.
علاقتي بقائد الانقلاب عبود كانت علاقة زمالة. وأحمد عبد الوهاب كان يعطف على حزب الأمة، وكان متصلًا بالسيد عبد الرحمن. علاقتي مع أحمد عبد الوهاب علاقة زمالة وصداقة، وقد لاحظت عطفه على الحزب في محادثات خاصة. صداقتي لأحمد عبد الوهاب لم تجعلني اسأله عن إشاعة الانقلاب؛ لأنني ما كنت محتاج لمعلوماته حول الانقلاب، لأن الأخبار التي كانت عندي عن الانقلاب كانت مطمئنة. ليست متأكد مما إذا كان أحمد عبد الوهاب قابلني قبل الانقلاب مباشرة؛ ولكني أنا اقابله دائمًا، وأما أن يحضر إلي أو أذهب إليه في مناسبات مختلفة في الشئون الرسمية والخصوصية. كان أحمد عبد الوهاب أكثر حضورًا إليَّ من عبود- لا بد أن يكون اتفاق الانقلاب قد تم بين كل الضابط، ذلك حسب الاخبار التي وصلتني.
في حكومتنا كان بيننا خلاف في موضوع المعونة الأمريكية، وكان يقوده الشيخ علي عبد الرحمن أساسًا، وكان ذلك في سنة 1957، وكان بعض أعضاء حزبنا أيضًا معترضين عليها ولا أذكر أسماؤهم، ولكن واحد من السوكي ومعه آخرون. ولكن المعونة أجيزت في البرلمان. رأي في الانقلاب أنه تعدي من الجيش علي البلد، وأنا ما راضي عليه.
لم يحدث أن السيد عبد الرحمن أو السيد الصديق وجه ليَّ لومًا باعتباري ساعدت الجيش في الانقلاب؛ لكن جايز السيد عبد الفاضل يكون وجه لي مثل هذا اللوم؛ لأنه يوجد خلاف بينه وبين السيد عبد الرحمن، ولأنه يعتقد لأسباب شخصية بيني وبينه- وهي أنه مش صاحبي- أنني ساعدت في الانقلاب، ولكن السيد عبد الرحمن والسيد الصديق لم يكن لديهما شبهة أنني ساعدت في الانقلاب.
الآن عرفني السيد الهادي راعي الحزب بأنني أحد مستشاري مجلسه الخاص، ولكن ليست عند الآن وظيفة في الحزب؛ لأنني تقاعدت من العمل النشيط بسبب كبر سني وافساح المجال لشباب الحزب.
الشيخ علي عبد الرحمن كان خارج البلاد عند وقوع الانقلاب، وقد وصل في نفس يوم الانقلاب صباحًا، وكان هو في مصر في مهمة غير رسمية، ولا أعرف من كان معه في مصر وفي أثناء وجوده في مصر، لم تصلني معلومات تشير إلى أنه توصل إلى أي اتفاق مع مصر في أي شأن من شئون السودان وما فيها تهمة خيانة.
السيد عبد الرحمن والسيد علي باركوا الانقلاب بنفس دوافعي أنا، وهي خوف الصدام بين الجيش والشعب، ولكنهم ما كانوا قابلين الانقلاب ذاته، وهذا عرفته من مقابلات بيني وبينهما. جايز جدًا أني أكون قابلت السيد علي قبل الانقلاب بيوم واحد، ولا أذكر ما حدث في تلك المقابلة، ولكن جايز جدًا أني أكون تكلمت معه في أخبار الانقلاب، وافتكر أن رأيه كان ضده على أي حال- بالرغم من الحالة السياسية والحزبية التي كانت سائدة وقتها، بالرغم من خلافاتنا وشكلنا وجوطتنا مع بعض أنا كنت مرتاح للحالة السياسية عمومًا، ولم يكن عندي بها ضيق. واجزم أنه لم يحدث أن قلت لأحد النواب في منزلي “بعد يومين حنرتاح منكم”؛ لأنه لم يكن من العقل أن أقول ذلك لأكشف علمي بالانقلاب.
عندما وقع الانقلاب كان البرلمان في إجازة، وقد علمت من بعض نواب حزب الأمه أنهم بعد فتح البرلمان حيشيلوني من رئاسة الحكومة. سمعت ذلك من عبد الله عبد الرحمن نقد الله- وكان وزيرًا في حكومتي- ومعه نواب، واحد جنوبي وغيره ولا أذكر أسماءهم، وكان سببهم أني (Stiff) شويه في الحزب، يعني إذا عايزين يكرموا واحد أنا اعترض وهكذا. كان كلامهم هذا قبل الانقلاب بنحو شهر. نقد الله كان السكرتير المساعد ليَّ، واعتقد أنه كان على خلاف في أشياء صغيرة مع السيد الصديق، وكان زعل واستقال وراح مدني. كان أيضًا في ذهن الجماعة الذين قالوا إنهم عايزين يشيلوني أن يكون سكرتير حزب الأمة من أولاد المهدي- وبالتالي رئيس الحكومة. أنا ما زعلت من هذه الحاجات، وما اشتكيت للسيد الإمام أو الصديق، وما في واحد منهم جاب لي سيره، ولم يبد عليهم أي تغيير نحوي ولغاية دلوقتي السيد الهادي ماشي معاي كويس. أنا كنت أعرف أن الإمام عالم بكل هذه الأخبار مش مني أنا؛ ولكن من الناس الواقفين في صفي.
وحتى يومنا هذا لا أعرف لماذا قام الجيش بالانقلاب؛ لأنهم كانوا مبسوطين، وأنا جبت ليهم أسلحة، قال لي وزير الحربية البريطانية أنها ما أداها للـ (Commonwealth)، ولما كانوا الناس بيسألوني الجيش متحرك ماله، كنت أقول لهم الجيش مبسوط في أمان الله.
بعد ما شالوا أحمد عبد الوهاب قابلته، ولكن ما سألته لماذا ثار الجيش وعمل انقلاب؛ لأنه قد يبوح لي بالسر، وكذلك ما سألت عبود بعد الانقلاب ولا سألت أحمد بعد الانقلاب. لم أقابل عبود مباشرة أو تلفونيًا بعد يوم 21 أكتوبر سنة 1964؛ ولكني قابلته في عيد الاستقلال السابق لثورة 21 أكتوبر بخصوص قانون معاشات الوزراء، وشرحت له ظلامتي وما اتفقنا، وقال لي حأوديك المعاش كامل بعد ما تموت، فقلت له ما حدش عارف مين يموت فينا الأول. ولا أعرف لماذا كان غليظًا معي- أنا متأكد أن كلام ناس نقد الله وصل للسيد عبد الرحمن، ورغم ذلك لم يفاتحني فيه، وتفسيري لذلك أنه متأكد من الشيء الذي أعمله أنا، وهو كان يؤمن بسياستي ولا يؤمن بسياسة نقد الله، والإمام كان يرضى عن أعمالي في الحزب أكثر من رضاه عن أي زول في الحزب، وسيرى أنا كان ماشي مع عقلية الإمام. ويجوز أن تدخل الإمام في أموري الصغيرة مع صديق كان سببه أن صديق ابنه لا يريد خلافًا معي.” (قرئت عليه وأقر بصحتها).

تعليق على إفادة عبد الله خليل
يكشف تحليل إفادة عبد الله خليل عن نزعة واضحة إلى تبرير قرار تسليم السلطة للجيش وإعادة صوغ الأحداث بما يخفّف مسؤوليته السياسية والشخصية، وذلك عبر تصوير المشهد بوصفه حالة انسداد سياسي كامل، وعجزًا من الأحزاب عن التوافق أو إدارة الحكم. ويُلاحظ أن الإفادة تُكرّر خطابًا تبريريًا اعتياديًا يظهر في شهادات ما بعد الأحداث، من دون تقديم تحليل موضوعي كافٍ لديناميات الصراع داخل حزب الأمة أو لطبيعة علاقته المتوترة مع حزب الشعب الديمقراطي. كما تعكس الإفادة ميلًا لتخفيف مسؤوليته المباشرة في هندسة الانقلاب؛ إذ يصوّر عبد الله خليل الانقلاب بوصفه استجابة لضرورات وطنية، لا نتيجة ترتيبات سياسية تمت بين رئيس الوزراء وزير الدفاع (هو نفسه) وبين قيادة القوات المسلحة. وتتجاهل الإفادة الدور المركزي لبعض القيادات العسكرية والتنسيق الذي سبق 17 نوفمبر، فضلًا عن تغييبها لأي حديث عن البدائل المدنية التي كانت مطروحة حينها، مثل توسيع الائتلاف الحاكم أو العودة للبرلمان لحسم الخلافات. وبالمقارنة مع الشهادات العسكرية والسياسية الأخرى، تظهر الإفادة انتقائية واضحة في عرض الوقائع، وتجنّبًا للإشارة إلى الضغوط السياسية الداخلية التي دفعته نحو خيار الانقلاب. كما أنها لا تتطرّق إلى تداعيات الانقلاب، ولا إلى مسؤولية النخب السياسية في إضعاف المؤسسات الدستورية خلال تلك المرحلة. وبالرغم من أهميتها كمصدر أولي، إلا أن الإفادة ليست محايدة وتحتاج إلى قراءة فاحصةٍ ضمن سياق سياسي أوسع وإلى مقارنتها بمصادر أخرى. وعند تفكيك شهادة عبد الله خليل في ضوء يوميات التحري القضائية والشهادات الأخرى، تبرز الملاحظات الآتية:

أولًا: النزعة الدفاعية ومحاولة نفي المسؤولية
تتجه شهادة عبد الله خليل بصورة واضحة نحو نفي مشاركته أو علمه المسبق بالانقلاب، رغم أن شهادات الفريق إبراهيم عبود واللواء أحمد عبد الوهاب تؤكد أنه هو من أوعز إليهما بفكرة الاستيلاء على السلطة. فقد ذكر عبود: “قبل انعقاد البرلمان بنحو عشرة أيام جاءني عبد الله خليل… وقال لي إن الوضع السياسي خطير، ولا حلّ إلا أن يستولي الجيش على زمام الأمر… وقبل التنفيذ بثلاثة أيام جاءني يطمئن على الموقف”. كما أكد عبود أن عبد الله خليل أخبره بأن “كل العقلاء والسيدين” مؤيدون للحركة”. وبذلك فإن تصويره لنفسه كضحية “شائعات” وكمراقب سلبي “سكتُ ساكت” يتناقض مع موقعه التنفيذي، ويُعدّ مثالًا واضحًا لنمط يُعرف في منهجية التاريخ بـ الرواية الدفاعية الذاتية (Self-Exculpatory Narrative)، والتي تهدف لحماية الذات وتخفيف اللوم عليها، وإعادة موضعتها في مسار التاريخ المقبول سياسيًا.

ثانيًا: تناقضات مع الوقائع المؤكدة تاريخيًا
تتضمن شهادة عبد الله خليل عدة تناقضات جوهرية، أبرزها:

  1. زعمه بأنه علم بتحركات الجيش من “السوق ساكت” من دون أن يحقق في الأمر، رغم كونه وزير الدفاع والمسؤول دستورياً عن القوات المسلحة.
  2. التقليل من الخلافات السياسية داخل الائتلاف الحاكم بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي، رغم أنها كانت خلافات جوهرية كادت تؤدي إلى سحب الثقة منه.
  3. تجاهل الصراع الداخلي داخل حزب الأمة، حيث كانت قيادته ترغب في إبعاده من رئاسة الحكومة ومن سكرتارية الحزب.
  4. نفي وجود أزمة سياسية، رغم أن عودة البرلمان في 17 نوفمبر كانت ستؤدي إلى حسب الثقة من حكومته وسقوطها.
    وتُظهر هذه العناصر أن شهادة الأميرآلاي تُقصي السياق السياسي الحقيقي، الذي دفعه إلى خيار الانقلاب، وتُخفي حجم الضغوط التي كان يواجهها داخل الحكومة الائتلافية وحزب الأمة. ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها جزءًا من سردية فاعل سياسي يسعى لإعادة تشكيل دوره في حدث مفصلي، لا بوصفها رواية جامعة مانعة.

ثالثًا: حدود المصداقية وأهمية المقارنة مع المصادر الأخرى
على الرغم من القيمة التاريخية لشهادة عبد الله خليل بوصفها مصدرًا أوليًا؛ إلا أن مصداقيتها محدودة بسبب التناقضات الداخلية، وتعارضها مع شهادات عبود وعبد الوهاب وأمين التوم ساتي، ومع ما ورد في وثائق مجلس السيادة والصحافة المعاصرة والدراسات الأكاديمية الحديثة. وتوضح قراءة الشهادات مجتمعة وتحليلها أنَّ انقلاب 17 نوفمبر 1958 لم يكن نتيجة “شائعات” كما زعم عبد الله خليل، بل كان تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة في الدولة السودانية بعد الاستقلال، تداخلت فيها هشاشة المؤسسات الدستورية، والتنازع الحزبي الحاد، وغياب ثقافة التداول السلمي، وطموحات الجيش السياسية. وبذلك أصبح الانقلاب نقطة مفصلية أدخلت المؤسسة العسكرية رسميًا إلى قلب السياسة السودانية، وجعلت الأحزاب – ولا سيما تلك التي تعاونت مع الجيش – شريكًا بنيويًا في تسييس القوات المسلحة وأضعاف التجارب الديمقراطية اللاحقة.

ahmedabushouk62@hotmail.com

عن أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

شاهد أيضاً

الولي الغامض: أحمد بن إدريس والمدرسة الإدريسية

الولي الغامض: أحمد بن إدريس والمدرسة الإدريسيةتأليفركس شون أوفاهيترجمةأبوذر الغفار بشير عبد الحبيبالناشردار المصورات للطباعة …