د. عمرو محمد عباس محجوب
برغم الثبات الخارجي والقوة التي يبديها شباب السودان طوال زمن الحرب، فنحن بحكم موقعنا كاطباء وجيل اكبر والمعرفة العامة بخفايا المجتمع، نعتقد ان الشباب خاصة تعرض لضغوط كثيفة و توترات عميقة في العديد من نواحي حياته اليومية لابد من التطرق اليها كجزء من مسئوليتنا في المعاونة في النظر الموضوعي المتأني لهذه النواحي بالتحليل وايضاً وضعها كجزء من الأجندة الوطنية لإعادة بناء السودان. اول واهم هذه النواحي هي التأثيرات السلبية والإيجابية للصحة النفسية لشباب السودان.
في سياق الحرب التي يشهدها السودان، لم يعد تأثير الصراع مقتصرًا على الدمار المادي أو الخسائر الاقتصادية، بل امتد بعمق ليصيب البنية النفسية لجيل كامل من الشباب. فالحرب لا تترك فقط جروحًا ظاهرة، بل تخلّف أيضًا ندوبًا داخلية قد تكون أكثر دوامًا وتعقيدًا.
يتعرض الشباب يوميًا لتجارب قاسية تشمل الخوف المستمر، فقدان الأحبة، النزوح، وانعدام الإحساس بالأمان. هذه الظروف تضعهم في حالة ضغط نفسي متواصل، قد تتطور إلى اضطرابات مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق المزمن. ومع تكرار هذه التجارب، لا يعود الأمر حدثًا عابرًا، بل يتحول إلى نمط حياة قائم على الترقب والخشية.
في بيئة كهذه، يتغير وعي الشباب بالعالم من حولهم؛ إذ يتحول التفكير من الطموح والتخطيط للمستقبل إلى التركيز على البقاء اليومي. هذا التحول لا يحدّ فقط من تطلعاتهم، بل يخلق شعورًا عميقًا بفقدان السيطرة والضياع.
كما أن الفقدان المتكرر — سواء لأفراد الأسرة أو الأصدقاء — يضاعف العبء النفسي، ويجعل عملية الحزن أكثر تعقيدًا واستمرارية. فبدل أن يمر الحزن بمراحله الطبيعية، يصبح حالة متجددة يصعب تجاوزها. وبدلا من وجود ميكانيزمات اجتماعية تكافلية تخفف من هذا الفقد كما تعودوا في مجتمعاتهم، تصبح المواجهات فردية من حيث ظروف الفقد في ظروف العوز والعجز المادي، وتحمل الأعباء وحتى احيانا في إجراءات الدفن والعزاء وغيرها.
ورغم خطورة هذه التأثيرات، تظل الصحة النفسية موضوعًا مسكوتًا عنه إلى حد كبير، بسبب الوصمة الاجتماعية المرتبطة به. كثير من الشباب يترددون في طلب المساعدة أو حتى التعبير عن معاناتهم، ما يؤدي إلى تفاقم حالتهم في ظل غياب الدعم الكافي، خاصة مع تراجع أو انهيار خدمات الرعاية النفسية والاجتماعية والمجتمعية نتيجة الحرب.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال تجربة الشباب في المعاناة فقط. فقد طوّر كثير منهم آليات للتكيّف، تتراوح بين التضامن المجتمعي، والمبادرات التطوعية، والبحث عن مساحات آمنة للتعبير. هذه الجهود، رغم محدوديتها، تعكس قدرة لافتة على الصمود وإعادة بناء المعنى في ظروف قاسية.
إن الآثار النفسية للحرب لا تنتهي بانتهاء القتال، بل تمتد لتشكّل مستقبل الأفراد والمجتمع ككل. لذلك، فإن معالجة هذا الجانب لا يجب أن تكون هامشية، بل ينبغي أن تكون جزءًا أساسيًا من أي تصور لإعادة بناء السودان، باعتبار أن تعافي الإنسان هو الأساس الحقيقي لتعافي الوطن.
سأتناول القادم عن مشكلة الهجرة والنزوح
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم