lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
قضية أبيي ليست مجرد نزاع إقليمي عابر، بل نموذج صارخ لتقاطع القانون الدولي والسياسة المحلية، حيث تتواجه العدالة القانونية مع جبن السياسة في مسرح يجمع بين الحق والسلطة، ويكشف محدودية القوة أمام القانون. أولاً: خلفية النزاع؛ أبيي، تلك المنطقة الصغيرة على الحدود بين السودان وجنوب السودان، تمثل نقطة صراع تاريخية بسبب موقعها الاستراتيجي وثرائها الطبيعي، إضافة إلى الهوية القبلية المتنوعة لسكانها. بعد اتفاقية السلام الشامل (CPA) عام 2005، كان من المفترض أن تتم تسوية وضع أبيي وفق إجراءات دستورية وقانونية محددة، بما يشمل إجراء استفتاء لتقرير المصير. لكن، على الأرض، برزت تحديات كبيرة: حكومة الخرطوم أبدت تعنتًا سياسيًا واضحًا، مستفيدة من ضعف المراقبة الدولية، بينما ضغط السكان المحليون والمجتمع الدولي من أجل احترام بنود الاتفاقية. هذا السياق أوجد أزمة مركبة بين الحق القانوني وغياب الإرادة السياسية. ثانياً: قرار المحكمة الدولية في لاهاي في يوليو 2009، أصدرت المحكمة الدولية قرارها بشأن أبيي، مؤكدة على: 1. احترام حقوق السكان المدنيين وحقهم في المشاركة السياسية دون تهديد أو قمع. 2. وقف أي أعمال عسكرية أو تهديد ضد السكان المحليين، وضمان حماية المدنيين من الانتهاكات. 3. الالتزام بالاتفاقيات السابقة، خاصة بنود اتفاقية السلام الشامل المتعلقة بتسوية الوضع القانوني لأبيي. 4. تحميل الحكومة مسؤولية التنفيذ، مع التأكيد على أن القرار ملزم وليس مجرد توصية. كان هذا القرار نموذجًا للعدالة القانونية الصارمة، حيث يثبت القانون الدولي أنه قادر على وضع حدود واضحة للسلوك السياسي، بغض النظر عن قوة الدولة أو ضعفها. ثالثاً: جبن السياسة وتعنت الخرطوم؛ رغم وضوح القرار، لم تُنفّذ الحكومة السودانية بنوده بشكل كامل، حيث: • تجاهلت عدة بنود حرجة تتعلق بحماية السكان المحليين، واستمرت في الضغط العسكري والسياسي على المنطقة. • اعتبرت القرار توصية يمكن تجاهلها، محاولة بذلك إعادة فرض هيمنتها السياسية على الأرض. • هذا التعنت كشف عن ضعف الإرادة السياسية، وجعل القانون الدولي يواجه صعوبات في فرض سلطته على الأرض. رابعاً: التحليل؛ قضية أبيي تبرز التناقض الكلاسيكي بين الحق والسلطة: • القانون الدولي كان واضحًا، محددًا، ومحميًا للحقوق الإنسانية. • السياسة المحلية، بالخوف أو التردد أو المصلحة، تجاهلت القانون، محوّلة العدالة إلى خيار معطل. الدرس الأبرز هنا أن القانون وحده لا يكفي لضمان العدالة إذا لم يكن مصحوبًا بإرادة سياسية حقيقية للتنفيذ. كثير من النزاعات الدولية تشهد هذا الصراع بين ما يمليه القانون وما تفرضه السياسة، لكن حالة أبيي كانت نموذجًا صارخًا لتكرار تجاوز السلطة للحق. خامساً: آثار التعنت السياسي على السكان؛ التأخر في تنفيذ قرار المحكمة أدى إلى: • انتهاكات متكررة لحقوق المدنيين، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية وتهجير بعض السكان. • تأخير التنمية والاستقرار المحلي، حيث جعل التعنت السياسي المنطقة غير مستقرة، ما أثر على الخدمات الأساسية والتعليم والصحة. • تفشي الشعور بعدم العدالة بين السكان، ما أدى إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وأضعف الثقة في مؤسسات الدولة والقانون الدولي على حد سواء. سادساً: الدروس المستخلصة؛ قضية أبيي تذكرنا بما يلي: 1. القانون الدولي فعال لكنه ليس كافيًا بدون إرادة سياسية للتنفيذ. 2. جبن السياسة يمكن أن يحبط العدالة ويجعل القرارات القانونية عاجزة عن حماية الحقوق. 3. المجتمع الدولي والمراقبة المحلية ضرورة لضمان تنفيذ القرارات وحماية المدنيين. 4. العدالة القانونية يجب أن تكون مصحوبة بضغط سياسي ودبلوماسي لتحويل النصوص القانونية إلى واقع ملموس. قضية أبيي ليست مجرد نزاع حدودي، بل درس في صعوبة تطبيق القانون أمام جبن السياسة. العدالة القانونية قد تكون واضحة وصارمة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية للتطبيق، وإلا فإنها تبقى نصوصًا على الورق، صامتة أمام تجاوزات السلطة. وهذا ما يجعل من أبيي مثالًا حيًا للصراع بين الحق والسلطة، بين القانون والمصلحة، بين العدالة الدولية وجبن السياسة المحلية.
شاهد أيضاً
الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)
lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم