قِرَاءَةٌ فِي مُنَاوَرَةِ الإسْلامِيْيِنِ لِدَفْنِ الرُبَاعِيَّةِ فِي مَجْلِسِ الأمْنِ
A Reading of the Islamists’ Maneuver to Bury the Quad in the Security Council
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي – مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
في توقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد الحديث الجاد عن هدنة ووقف إطلاق نار في إطار الرباعية، فوجئ السودانيون بمبادرة لوقف إطلاق النار طُرحت أمام مجلس الأمن الدولي على لسان رئيس وزراء حكومة بورتسودان. ورغم ما قد يبدو ظاهرياً من إيجابية الخطوة، فإن التمحيص في سياقها السياسي، وطريقة طرحها، والجهات التي ذُكرت وتلك التي غابت، يكشف أنها ليست خروجاً عن المألوف، بل امتداداً لسلوك قديم جديد دأب عليه الإسلاميون داعمو حكومة بورتسودان: التبضُّع بالمبادرات، والهروب للأمام من أي مسار يفرض التزامات حقيقية قابلة للتنفيذ. فليست كل مبادرة سلام بريئة، وليست كل دعوة لوقف إطلاق النار تعبيراً عن إرادة حقيقية لإنهاء الحرب. بعض المبادرات تُطلَق لا لإنقاذ الأرواح، بل لتأكيد مدى استخفاف مطلقيها بدماء السودانيين. ومبادرة وقف إطلاق النار التي طُرحت أخيراً في مجلس الأمن باسم حكومة بورتسودان، عبر رئيس الوزراء، تندرج للأسف في هذا الصنف الأخير.
مبادرة ساذجة… في توقيت غير بريء
تأتي هذه المبادرة في لحظة دقيقة، تشهد فيها مساعي الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات) تقدماً ملموساً نحو ترتيب هدنة ووقف إطلاق نار بآليات واضحة، وجداول زمنية، وضمانات تنفيذ، ورقابة هجينة. وفي مثل هذا التوقيت، لا يمكن قراءة الذهاب المفاجئ لرئيس الوزراء إلى مجلس الأمن أثناء عطلة عيد ميلاد المسيح عليه السلام إلا بوصفه محاولة متعمدة لتشويش المسار الجاد، وتبديد الزخم، والهروب من الالتزامات الثقيلة التي ترافق الرباعية.
التبضُّع بالمبادرات: الإسلاميون يكررون السلوك ذاته
منذ اندلاع الحرب، لم يكن موقف الإسلاميين يوماً معادياً للسلام في الخطاب، بل معادياً لأي إطار سلام مُلزِم. هم يرحّبون بالمبادرات حين تكون فضفاضة، وغير محددة الآليات، وقابلة للتفسير المتعدد، وتفتقر لأدوات التنفيذ والرقابة. أما حين تأتي المبادرة في إطار متماسك مثل الرباعية، بجدول زمني واضح، وفصل بين الهدنة ووقف إطلاق النار، وآليات رقابة هجينة، وربط بين الالتزام العسكري والاقتصادي، عندها يبدأ الهروب مرة بالحديث عن ”فشل الرباعية“، ومرة بتفضيل ”التعامل الثنائي“، ومرة، كما حدث الآن ،بالقفز إلى مجلس الأمن. فمنذ ثورة ديسمبر، والإسلاميون يمارسون السياسة بالطريقة نفسها حين يقترب الحل الحقيقي، يقذفون بمبادرة بديلة، وحين تفرض الآليات، يلوذون بالمؤسسات المعطَّلة، وحين يُطلب الالتزام، يرفعون شعار ”السيادة“ و ”الكرامة“ و ”البدائل الوطنية“. ومبادرة مجلس الأمن ليست خروجاً عن هذا النمط، بل دليل إضافي على استهتارٍ صارخ بأرواح السودانيين، واستخدامٍ باردٍ للسلام كورقة تكتيكية لا أكثر.
لماذا مجلس الأمن؟ لأن العجز مضمون
الذهاب إلى مجلس الأمن ليس اختياراً بريئاً، بل اختيار محسوب بدقة ورهان على العجز. فالمجلس، كما يعلم الجميع، يعاني من شلل شبه دائم بسبب الانقسام الحاد بين الأعضاء الدائمين، وعجز عملي عن اتخاذ قرارات تنفيذية في ملفات النزاعات المعقدة وفرض آليات تنفيذ ومراقبة مباشرة دون توافق القوى الكبرى، وتحول متزايد إلى منبر خطابي أكثر منه أداة إنفاذ. وبعبارة أوضح فقد أضحى مجلس الأمن ملاذاً لمروجي الحرب مستغلين دفن السلام بين ألفاظ الخطب الرنانة. ومن ثم فإن إقحام مبادرة حكومة بورتسودان في مؤسسة معاقة بالفيتو والانقسامات هو تكتيك مثالي لامتصاص وتبديد ضغط الرباعية الإيجابي، وكسب الوقت، بإظهار ”حسن النية“ دون دفع ثمن سياسي أو عسكري أو اقتصادي.
مدني في الواجهة… لماذا الآن؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة لماذا يُدفع رئيس الوزراء، الذي ظل على هامش المشهد منذ تعيينه، فجأة إلى واجهة أخطر ملف في البلاد؟ هذا لا يمكن فصله عن احتمالين خطيرين:
- أن الإسلاميين يستخدمونه كواجهة لتخفيف الضغط عن العسكريين، وإبقاء أيديهم نظيفة من أي التزام مباشر بإرسال رسالة للخارج مفادها أن هناك ”مسار سياسي ومدني“. وهذه الصيغة تمنح الجيش والإسلاميين هامش إنكار واسع، وتُبقي الالتزامات في حدود الخطاب، لا الفعل.
- أو أن المبادرة تمثل محاولة من الإسلاميين لقطع الطريق على قيادة الجيش نفسها، التي رشحت مؤشرات عن شروعها في التفاوض الجاد عبر الرباعية.
وفي الحالتين، فإن المشهد أمام تطور بالغ الخطورة: إما أن الإسلاميين يناورون باسم الحكومة، أو أنهم يناورون ضد حليفهم العسكري نفسه حين شعروا أن مسار الرباعية يقترب من إقصائهم نهائياً. كم أن كلتا الحالتين تعبران عن مدى استخفاف الإسلاميين بأرواح الشعب السوداني.
هل ينسف تناقض المصالح تحالف الضرورة بين الجيش والإسلاميين؟
لا يمكن الجزم بوجود قطيعة، لكن المؤشرات توحي على الأقل بتوتر مكتوم فالجيش يتلمس مخرجاً من حرب استنزفت وجوده، والإسلاميون يخشون السلام أكثر من الحرب، لأن السلام يعني خروجهم النهائي من المشهد. ومن هنا، قد تكون مبادرة مجلس الأمن محاولة استباقية من الإسلاميين لإعادة الإمساك بالمقود، حتى لو كان الثمن هو إطالة أمد الحرب. فالحديث عن وجود صراع خفي بين الإسلاميين وقيادة الجيش لم يعد مجرد تكهّن سياسي، بل بات فرضية تستند إلى مؤشرات متراكمة في السلوك والخطاب والتكتيك منذ اندلاع الحرب، وازدادت وضوحاً مع اقتراب مسار الرباعية من مرحلة الهدنة ووقف إطلاق النار.
يمثل الخلاف الجوهري حول حسابات البقاء العامل الأبرز في فض تحالف الجيش مع الإسلاميين وتحويل الانسجام إلى انقسام. فالجيش، كمؤسسة، يواجه خطر الاستنزاف الوجودي حيث إن الحرب الطويلة أنهكت بنيته وفككت قياداته الميدانية وأبرزت ضعفه في المعارك الأخيرة، وفي المقابل، الإسلاميون لا يواجهون بالسلام خطر الفناء المؤسسي، بل خطر الإقصاء السياسي النهائي. ومن هنا ينشأ التناقض الجوهري – الجيش يبحث عن مخرج منظّم من الحرب، والإسلاميون يبحثون عن مناورة فطيرة لاستمرارها. وهذا الاختلاف في ”سقف الخسارة“ هو الوقود الأساسي للصراع الخفي، وربما يؤدي لنهاية سنوات طويلة من الشراكة بين الجيش والإسلاميين، حيث لم يعد هناك متسع للتوفيق بين قرار عسكري مضغوط بواقع المعارك، وقرار أيديولوجي مذعور بعقدة الإقصاء.
تفكيك الرباعية بالتجزئة
اللافت أيضاً أن المبادرة المعروضة على مجلس الأمن أشارت للسعودية ومصر وأمريكا من دول الراعية، وتجاهلت الإمارات. وهذا يمثل استمراراً لاستراتيجية أوسع تفكيك الرباعية إلى ثنائيات، واللعب على تناقضات المصالح، وتفريغ الإطار الرباعي من قوته ككيان جماعي ضاغط. وهو السلوك ذاته الذي درج عليه الإسلاميون في كل المسارات السابقة:
الهروب من الإطار الصارم إلى المسارات الرخوة.
الخاتمة: هذه ليست مبادرة سلام… بل مناورة حرب
الوضوح وعدم المواربة يقودان إلى أن مبادرة مجلس الأمن، بصيغتها وتوقيتها وطريقة طرحها، ليست مسار سلام، بل ”مناورة حرب“ فجَّة، واستهانة جديدة بدماء السودانيين، ومحاولة يائسة لتأجيل مواجهة الحقيقة. فالحقيقة التي يهرب منها الإسلاميون هي أن السلام الذي طرحته الرباعية له إطار واضح، وآليات تنفيذ، وضمانات، ولن يُدار من خلف الستار. وأي محاولة لإغراقه بالتبضع في المبادرات، أو تسويقه عبر واجهات مدنية مستهلكة وفاقدة الصلاحية، لن تكون سوى فصل جديد من فصول الهروب من السلام على حساب أرواح الأبرياء. فالسلام في السودان لن يُصنع بالخطب، ولا بالمبادرات المعلقة في مؤسسات مشلولة، بل بمسار الرباعية الواضح، الذي يمتلك آليات التنفيذ المُجرَّبة، والضمانات الإقليمية والدولية ذات المصداقية، والربط الاقتصادي المٌحْكَم، والمراقبة الهجينة الرصينة لرصد ومعاقبة الخروقات.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم