كائن اسطوري: ربع قرن على الرحيل .. الموسيقار مصطفى سيد احمد .. بقلم: اسماعيل عبد الله محمد حسن
إلى محبي ومعجبي وعشاق غناء الاستاذ القامة
الموسيقار مصطفى سيد احمد ظاهرة كونية في مجال الغناء والتأليف الموسيقي وكتابة الشعر والرسم، اجتمعت كل هذه الخصائص في شخصيته فاخرجت اروع الاعمال الغنائية في الربع الاخير من القرن الماضي، اخترق مجال الغناء في وقت كانت الساحة الفنية مليئة بالكبار من المطربين، وكان الولوج اليها يتطلب ان يكون المطرب مسلحاً بسلاح العلم قبل الموهبة، في الزمان الذي شق فيه مصطفى طريقه كانت هنالك ما يسمى بمهرجانات الثقافة التي تقام بصورة دورية، فكانت هذه المهرجانات هي التي تقدم المطربين الشباب للجمهور وتمنحهم جواز السفر للعبور نحو الشهرة والجماهيرية، كان هو احد الذين نجحوا في امتحانات العبور هذه في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
المولد والنشأة
الموهبة
المرض
التضحية
الابعاد التي تناولها
البعد الأول: الوطن
البعد الثاني: الأم
البعد الثالث: العشق
البعد الرابع: الفرح
البعد الخامس: الحزن
اسطورة الفن الغنائي السوداني مصطفى سيد احمد شخص متميز بين اقرانه، اصبح رائداً من رواد الاغنية السودانية فى خاتمة الالفية الثانية، و قد برهن بتجربته الفريدة انه يستحق لقب (الكائن الاسطوري) الذي ختمت به حيوات الالفية الثانية في السودان، لقد ادهش فابدع بتناوله للاغنية السودانية من جميع جوانبها وبكل منطلقاتها، وليس فقط هو ذلك المتخصص فى اداء ألاغنية الرمزية كما يصوره كثير من النقاد، فمصطفى أدّى أغنية الحقيبة كأن لم يؤدها احد من قبله، جسّدها بطريقة لا تقل جودة من رواد حقيبة الفن انفسهم، وهو خير مثال لالتحام جيل البطولات بجيل التضحيات، كما تتضح مسألة اصطفائه هذه من تميز شخصيته الانسانية صاحبة القلب الطيب الكبير الذى يسع كل من سمع غنائه بوعي ومثابرة، لا تجد احد من ابناء جيله من المطربين قد قال بغير ذلك، وبطبيعة الحال دائماً وابداً يجتمع الناس ويجمعون رأيهم حول من يقنعهم بطرحه، وطرح مصطفى يمثل ابتكار جديد لمس وترجم خبايا النفس السودانية الجميلة التى لم يستطع غيره الوصول لسرها ولا الى هذه الحفريات العميقة التي سبرت غورها، فاخرجها في ثوب قشيب وضع الناس فى حيرة من أمر مقدراته الكبيرة وملكاته الجبارة، برغم الوهن الذى اصاب الجسد والمرض الذي اثقل الكاهل في الايام الاخيرة من حياته، انفعل بغنائه للوطن بكل صدق وامانة اشعلت النار في نفس كل من سمع صوته، ليستشعر السامع صاحب الأذن السليمة غير السقيمة القيم الوطنية فى نفسه فتثور ثائرة دواخله وتلتهب بمعاني عشق التراب، لطريقة مصطفى المغايرة في استخدام المفردة الدقيقة والعميقة المرتبطة بوجدان الانسان السوداني، ومن هذه المفردات (طورية)، (طين)، (كورية)، (منجل)، (واسوق)، (مشرع)، (دليب)، (تبلدي)، (نخل)، (راكوبة) و(طبنجة)، فغنائه للوطن فاق الخيال والتصور حينما فضّل الوطن فى احدى اعماله على عروس البلد وحسناء الزمان، رغم ما يصاحب هذه العروس من مواكب المهنئين وضجيج الفرحين (احلى عروس البلد اللتنا … الخ).
القبول من الله وحينما تحب قلوب الناس فرداً بعينه هذا مؤشر على اجتماع الحسن ونقاء السريرة في نفس هذا الفرد، وتمتعه بروح مملؤة بحب الخير للناس، فينعكس هذا الشعور على من يتفاعل مع مثل هذه النفس فتتجلى تجاذبات المثالية والنقائصية في النفس الآدمية، هذه الجدلية الكونية قد عبّر عنها عزيز قومنا كنموذج حي يمشي بين الناس، قبول الناس له وقبوله هو بالناس تجاوز المجتمع المحلي المحدود الى خارج الحدود، حيث التحم بشعوب أخرى في تجربته المريرة في التسفار من اجل الاستشفاء من المرض والغربة، فوجد حظاً من ميل هذه القلوب الأخرى ذات الوجدان المختلف، لقد اذهل كل من كان معه في غربته الاجبارية بسرعة حراك كيمياء تفاعله الانساني وذوبانه فى أثير من يلتقيه وطاقته الايجابية في تطبيع الاجواء الحميمية، فما أن يدخل في هالة الآخر الدائرية يحدث الانسجام غير المتكلف، فمصطفى صاحب روح سهلة تأسر كل من يتعامل معه، لن تجد فى شخصه ما يعكر الصفو او يجرح الشعور، وهو من طينة اخرى فيها كل خصائص ذلك الانسان الفكرة الذي يسير على قدمين، تحمل آلام المعاناة والصبر على المكاره والجاهزية للتضحية والتأهب للتفاني، أجبر الناس على اتباع دربه كرماً لا تفضلاً نسبة لاصالة جوهره، كل ما تمر ذكرى رحيله الأليم يسترجع محبوه الايام والليالي التى زينها بابداعه المبتكر فاصبح اسمه رمزا للوطنية ومتكأً للغبش والمساكين.
يناير من كل سنة هو شهر الاحزان والذكريات الاليمة لمعجبي القامة الفنية الرائعة، فليلة السابع عشر من يناير من العالم 1996 ميلادي أرّخت للرحيل المر والشجن الأليم، فقد رحل الانسان (كما يصفه معجبوه) الذي ابتكر مؤسسة فنية غنائية حوت معظم الموروث الثقافي والتراث السوداني عبر اعمال غنائية اختارها بعناية فائقة من لدن شعراء لم يكونوا كغيرهم من الشعراء التقليديين، اعتمد الراحل عن مريديه جسداً والحاضر فى وجدانهم روحاً على المفردة الرمزية التي ابتدعتها قريحة هؤلاء الشعراء المميزين، فوضع معهم ركائز هذه المدرسة الفنية التي اهتمت بجماليات الروح السودانية ورسّخ معهم هذه السمات البارزة التى اراد لها كثيرون الاندثار، اولئك الذين تشوهت دواخلهم بفعل الوافد من الثقافات والعادات والتقاليد الناشزة والنافرة، والبعيدة عن محصلة تراكم التراث السوداني العميق والعريق فى التميّز والتفرد فى الأدب الغنائي وقرض الشعر وعموم المنتوج الفلكلوري بكل صوره واشكاله، والدافع الذي جعل الكثيرين من ابناء جيل العقود الثلاثة الاخيرة للقرن الماضي يعشقون هذا العملاق ويحبون فنه هو مخاطبته لهم المخاطبة والواضحة والصادقة التي لا تخفى الا على (كفيف الانسانية)، لقد نفذت شهب ونيازك معاني المفردات التى صدح بها الى القلوب النابضة لكل صاحب حس شفيف وكل مالك ذائقة متميزة بالرهافة.
ثورية مصطفى
فى الاحتفالية الربع قرنية بمناسبة رحيل الاسطورة، يردد المحبون:(كل ما تباعد بينا عوارض … كل ما هواك يا طيبة مكني)، كل ما طالت وتباعدت السنين كلما كبر حب مصطفى فى قلوب الناس وكلما عظم مقداره وازداد المعجبون ولهاً به، لما قدمه من وفاء لمجتمعه السودانى بكل اطيافه، لقد لمست احرفه ونبرات صوته وجدان كل سودانى حصيف العقل عاشق لسحر اللحن وسمو مقصد الكلمة، لم يكن تاجراً للغناء الرخيص ولا مطرباً جامداً بل كان يضع الكلمة فى مكانها، ويعطي كل حرف حقه ومستحقه من التعبير المعنوي واللفظي وكان ذو ثقافة وافرة مكنته من الوصول الى قلوب محبيه بكل حرفية ومهنية واقتدار.
رحل النبيل عبر السراب
الرهد ابودكنة
لا توجد تعليقات
