كردفان… ميزان الذهب في صراع الجيش والمليشيا

نار الحرب المستعرة في السودان لا تُبقي مدينةً من مدنه ولا قريةً من قراه؛ إلا وقد لامستها شرارتها، ومسّت شيئاً من ثيابها. لكنّ لهيبها، في هذه الأيام، يشتعل على نحو استثنائي في الغرب… هناك، في قلب كردفان، يهيج أوارها بعنفٍ فادح.
هذه الأرض، التي تخفي تحت رمالها أنين الذين اُغتيلوا بلا جريرة، لم تهدأ منذ أزمان. كأنها لا تشفى، وكأن الجرح الذي لم يُخاط بعد، تُعدّ له العدّة لكي ينزف من جديد؛ وبشدّة.
الهجمات الأخيرة والمتواصلة في إقليم كردفان، الغني بالنفط والثروة الحيوانية بولايته الثلاث، ليست خبراً عابراً، بل فصلٌ جديد من خرابٍ يتوالد من نفسه. القرية التي نجت بالأمس تُصبح اليوم مزاراً للموت. والأم التي دفنت ابنها على عجلٍ، لم تجد سوى الصمت، يحيط بها كجدارٍ أخرس. هناك، يتداخل أزيز الطائرات مع ثغاء المواشي، بينما تتهشم الحياة بين جنازير المركبات الثقيلة.
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أطلق في نشرته الحديثة صرخة قلق، بعد أن فاضت تقارير عن مجازر مروّعة لمليشيا الدعم السريع، اجتاحت قرى منطقة بارا بين العاشر والثالث عشر من يوليو. 300 قتيل على الأقل، بينهم أطفال لم تكتمل ضحكتهم وسُرقت أيامهم قبل أن تبدأ، ونساء تجمّدت أحلامهنّ على عتبة الخراب، يحدّقن في أفقٍ بلا رجاء وينتظرن خلاصاً لا طريق له… وأعدادٌ من الجرحى لم يُقدّر لأحدٍ أن يحصيها في ظلّ انقطاع السبل وانهيار الاتصال.
منازل نُهبت ثم أُحرقت. قرى تحوّلت إلى رماد، وسكان هائمون، تائهون، يهربون من موتٍ سريع إلى موتٍ أبطأ.
كردفان. الإقليم الذي كان إلى وقتٍ قريب، شرفةً خلفيّةً للصراع؛ تَخفتُ فيه طبول الحرب حين تعلو في الخرطوم أو دارفور. غير أنّ السكون خَذل نفسه: كردفان اليوم ميزان الذهب الذي يطمع فيه الجيش ومليشيا الدعم السريع معاً، إذ يعلّق كلٌّ منهما عليه حلم حسمٍ تتكتّل عنده الجغرافيا والسياسة والثروة.
فحين وضعت مليشيا الدعم السريع يدها على مثلث الأحلام المُرّة في جبل عوينات، بدت كما لو كانت تشدّ الخناق على جيشٍ يحاول فتح شرايين جديدة عبر كردفان باتجاه دارفور. وإن قُدّر للمليشيا أن تُحكم قبضتها على الإقليم وتصل صحراء ليبيا، فإن نصف السودان سيخرج من عباءة الخرطوم، ملوّحاً بشبحٍ حكومةٍ موازية أو حتى كيانٍ منفصلٍ يقتات على جسد الدولة الذي غرز فيه الكيزان مخالب حقدهم وأنهكته الحروب.
وعلى بُعد 60 كيلومتراً من الأُبيّض عاصمة الإقليم الشمالية، تتموضع “أم صميمة” كحارس على بوابة الشمال والغرب. سقطت المدينة نهاراً بيد المليشيا، وقبل أن يهدأ الغبار استعادتها القواتُ المشتركة. قيل إن 700 قتيل تركوا دماءهم علامةَ استفهامٍ فوق رمال المكان. كل من يملك أم صميمة يمدُّ بصره في الطرق المؤدية إلى العمقين الغربي والشمالي؛ ولهذا لا يُسمح للدمع أن يجفّ هناك.
الجيش وحلفاؤه يسعون لاستعادة بارا… المدينة صاحبة الليمون الذي ذابَ حلاوةً في لسان عبدالقادر سالم، صارت معقلاً لمليشيا الدعم السريع في شمال كردفان، وحلقة الوصل بين دارفور والخرطوم عبر أم درمان. هناك، تختلط رائحة البارود بترابٍ يعرف أسماء الضحايا واحداً واحداً. من يفوز ببارا لا يفتح طريقاً فقط، بل يزرع رايةً في قلب جغرافيا البلاد.
المليشيا أيضاً لها حلفاء. عصاً أخرى تستند إليها: الحركة الشعبيّة (جناح الحلو)، التي تبسط ظلّها على جنوب كردفان. في المقابل يراهن الجيش على طول أمد المعارك، مستذكراً كيف أرهق الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة. هنا حربُ استنزافٍ يُراد لها أن تُرهق الخصم وتُنعش طاولة المفاوضات، لا أن تمنح نصراً عارماً.
دارفور تُعادل وحدها ثلث مساحة السودان؛ فإذا التحمت بكردفان صار النصف الغربي كله ساحةً قبليّة معقّدة. قبائل عربية وأفريقية تمتدّ جذورها عبر حدود تشاد وليبيا وجنوب السودان، صارت حطباً تُغذّيه سرديّات الثأر القديمة. استثمر الدعم السريع هذا النسيج، فردّ الجيش بمدّ الجسور إلى حركات مسلحة ذات عمق أفريقي مضاد. كل بندقية هنا تحمل هويةً مزدوجة: قبيلةً وحدوداً وماضياً مرصّعاً بالدم.
إنْ استحوذت المليشيا على دارفور وكردفان معاً، فلن تكتفي بإدارةٍ شبحيّة؛ بل ستفتح دفتر التجربة الليبية وتقرأ فيه احتمال حكومةٍ موازية أو تفكّكاً يجرّ خريطة الدولة إلى مصائرها المتشظّية. الجيش يعرف ذلك، فيضغط دبلوماسياً لتجفيف إمدادات المليشيا في المثلث الحدودي، ويحاول كبح زحفها غرباً قبل أن يفيض الخطر شمالاً.
منذ أيام البشير وأهواله، كان غرب السودان ساحةً مفتوحةً للقتل والترويع. مذكّرة المحكمة الجنائية ما زالت معلّقةً كسيفٍ مسنون، بينما يحتشد كيزان موتورون متعطشون للثأر، وقبائل ترى في بندقيتها وَصيّةَ أجدادٍ لم توقّع يوماً على سلام. لذلك تبدو الدروب كلّها مفخّخةً بالخوف: يخشى السودان أن يصحو غداً فيرى نفسه مرآةً أخرى لليبيا، أو شظيّةً تُبحر بعيداً عن جسدها.

nizarsamandal94@gmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …