محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
في عالمٍ تذروه رياح الغياب وتتقاذفه أمواج الهجران يبقى ثمة نبضٌ سودانيٌّ خالص يتحدى منطق النسيان إنها ليست مجرد كلمات تغنى بل هي “مانيفستو” الوفاء العظيم الذي صاغه الشاعر صلاح حاج سعيد، وتنفست به حنجرة المبدع مصطفى سيد احمد لتصبح “عارفني منك” أيقونةً للشجن النبيل الذي يقتات على الأمل كلما اشتدت به “المسغبة”.
جوع الروح… ومسغبة الغياب
حين يغيب الحبيب لا يغيب جسده فحسب بل تدخل الروح في حالة من “المسغبة” العاطفية؛ ذلك الجوع الحارق الذي لا تشبعه وعود عابرة ولا ترويه رسائل باردة “المواعيد لا بتجيب منك تودي” هكذا يصف النص حالة القحط الوجداني فالمواعيد هنا ليست مجرد زمن بل هي جسورٌ تحطمت وتركت المحب وحيداً يصارع “ظلم القسوة” ومرارة النسيان ومع ذلك يرفض هذا القلب أن يعلن إفلاسه فيظل يقتات على ذكرى “الوعد القديم” صامداً أمام رياح الجفاء.
جدلية الظلم والمسامحة…”فوق شجوني”
أقسى ما في الهجر ليس البعد المكاني بل هو “الظن” الذي يغلف قلب الطرف الآخر “وإنت سايق فيني ظنك”؛ عبارة تُلخص وجع المظلوم الذي يُتهم في حبه وهو الأكثر إخلاصاً لكن المدهش هنا هو تلك القدرة الخارقة على التسامي فالمحب رغم “الأسى” ورغم كونه يعيش “زماناً بالفرقة جارح” يختار طواعية أن يزيح ظنونه ويرسم لصورة المحبوب ملامح “المسامح” إنه الانتماء الذي يتجاوز الأنا حيث يصبح المحبوب هو “المبتدأ والخبر” في جملة الحياة.
بين الجحيم والنعيم… سيمفونية التناقض
يصل النص إلى ذروة التوحد حين يصف الهوى بأنه “ألمٌ نعيم”. كيف يكون الألم نعيماً؟ إنه التلذذ بعذاب الحب لأنه الصلة الوحيدة الباقية في “عارفني منك”و يرضى المحب أن تكون دروبه “سفر الجحيم” ومدائنه بلا مرافئ شرط أن يظل الانتماء قائماً.
“تبقى إيه الدنيا من بعدك تكون؟… وأبقى إيه بعدك أكون؟”
هذا السؤال الوجودي هو قلب المقال وجوهر القضية فالحياة بلا هذا “الآخر” ليست إلا فراغاً ممتداً والوجود بلا الانتماء هو العدم بعينه.
كرنفال الفرح… الأمل رغم الانكسار
رغم كل هذا الشجن ورغم “الشجن الأليم” الذي يلف النص تبرق في النهاية روح الأمل إن التمسك بكلمة “منك” هو بحد ذاته فعل مقاومة هو إقرار بأن المسافات مهما تطاولت والزمن مهما قسى لا يملكان سلطة “تحويل” القلب عن فطرته الأولى.
إنها دعوة لكل من أضناه الهجر… أن يجعل من شجونه “كرنفال فرح” خفي يحتفي فيه بالحب لذاته وبالوفاء كقيمة لا تقبل التفاوض. ففي دستور المحبين الصادقين يظل الطرف الآخر “مسامحاً” حتى وإن ظلم ويظل الوعد “قديماً” حتى وإن تآكلت بفعل الغياب السنون.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم