كف ساموطي بقامة مجتمع كامل

mohamedabdelgadir405@gmail.com

انتشر مقطع قصير لفتاة في عمر الثالثة عشرة، كانت في درس يفترض أنه للعلم، فإذا بالرجل الذي يتقدّم بصفة “أستاذ” يتراجع فجأة إلى أسفل دركات السلوك الإنساني. مد يده على طفلة صغيرة، لا لأن اللحظة خانته، بل لأن هذا السلوك كان بالنسبة إليه ممارسة عادية لا تكلّف خجلاً ولا تثير ضميراً.

ولكن الذي لم يحسب حسابه هو أن هذه الطفلة كانت تمتلك ما لا يمتلكه كثيرون من الكبار : ردة الفعل التي ولدت من كرامة غير قابلة للمساومة.

رفعت يدها الصغيرة، يد طفلة في عمر الزهو، وصفعته.
صفعة ساموطي، صفعة تكفي لتستعيد بها البشرية نفسها

صفعة كاملة، نظيفة، لا تحتاج تعليقاً ولا تبريراً.

تفاجأ.

سقط… لا لأن أحداً دفعه، بل لأن قذارته أثقلته عن الوقوف

ذلك المتحرش (وأجدها كلمة صغيرة عليه) مذهولاً، ثم قال، بكل سفه العالم: “ممتازة مية المية”

ولم تكتفِ، بل “دبّلت ليه” بكف آخر، بيدها الأخرى، لتخبره أن “الممتاز” هنا هو مقدار سقوطه، لا شطارتها.

لكن قبل أن نحتفل بهذه اللحظة يجب أن نقف عند ما هو أهم منها:

ليس كل بنت تقدر تصفع.
وليس كل ضحية تملك صوتها.
وليس كل صرخة تُسمع.

علم النفس يقول إن ردة الفعل تجاه الصدمة ليست مقياس قوة.
هناك من يجمد.
من يختنق.
من يهرب.
من تضحك في لحظة الخوف.
ومن ينهار بعد ساعات.

ولذلك فإن أسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نحول هذه الطفلة إلى معيار، ونقول لغيرها: “ليه ما سويتي زيها؟”

هذه الطفلة شجاعة، نعم.

ولكن هناك ضحايا أخريات لا يقللن شجاعة عنها، فقط كانت أجسادهن عاجزة عن الحركة في لحظة الخطر.
وهذا طبيعي.
وهذا إنساني.
وهذا ليس جُبناً.

الجبن الحقيقي هو مجتمع يخاف من الفضيحة أكثر من خوفه على بناته.

هذه الطفلة أبلغت. قالت لأهلها. لم تسكت. لم تُجلد بالعيب.
وأهلها (وهنا الشجاعة الأكبر ) صدّقوها. لم يلوموها. لم يدفنوها تحت كلمة “الستر”.

وفي مجتمعنا، هذه بطولة. لأن المجتمع السوداني (في أغلب حالاته) كان سيقول لها: “أسكتي، العيب ما بنقال”

ولأن كثيراً من البنات تُؤكل كرامتهن قبل أن يُؤكل حقهن،
ويُحاكِم الناس الضحية قبل الجاني، ويُدفن الألم تحت السجاد خوفاً من كلام الناس

الجبن هو أن نُسكت البنت بحجة “الستر”.
الجبن هو أن نلومها على ما لم ترتكبه.
الجبن هو أن نُبقي الجاني حراً لأنه “قريبنا” أو “جارنا” أو “شيخنا”.
الجبن هو أن نختبئ خلف جملة: “خلي الموضوع يمشي.”

أما هذه البنت الصغيرة فقد قالت:

“لا.”

وأهلها صدّقوها وهذه بطولة لا تُقدّر بثمن.
لأن نصف المعركة في مثل هذه الحالات لا يكون مع المتحرش،

بل مع المجتمع.

وهنا أصل الحكاية كلها:
المعركة ليست بين طفلة ومتحرش.
المعركة بين مجتمع واعي ومجتمع مشلول.

نعم، القضية الآن أمام المحكمة وحسب ما هو متداول ان هناك تأخير ومماطلة وكأننا نحتاج أن نُتعب الضحية فوق تعبها لتستحق حقها.

ولو استشارني أهلها يومها، لقلت نفس الجملة التي يعرفها كل سوداني:

“أدّوهو حقّو هناك… وما تجيبوه البيت.”

هذه ليست دعوة للفوضى.
ولا دعوة لكسر القانون.
هذه فقط صرخة صادقة تقول:
إذا كان القانون عدلاً بلا سرعة… فهو نصف عدل.
وإذا كان القانون عدلاً بلا رحمة… فهو نصف إنسانية.

ولأننا لا نملك أن نكون بجوار كل طفلة لحظة الخطر،
فلنكن على الأقل بجانبها حين تتكلم.

اللهم احفظ بناتنا من يدٍ لا تعرف حدودها،
ومن مجتمع يُسكت الألم بحجة “الشرف”.

واجعل لكل متحرش طفلة لا تخاف أن ترفع يدها

حتى لو تأخرت.

محمد عبدالقادر محمد أحمد

عن محمد عبدالقادر محمد أحمد

محمد عبدالقادر محمد أحمد

شاهد أيضاً

هكذا نصنع الكاذب… ثم نلعنه

هكذا نصنع الكاذب… ثم نلعنهmohamedabdelgadir405@gmail.com في مجتمعاتنا، حيث تغيب الرحمة أحيانًا باسم التربية، وتُختزل الصراحة …