كلنا شموليون … يا عزيزي (1-3)

عبد القادر محمد أحمد/ المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

بدأت كتابة مداخلة على مقال للأستاذ علاء خيري حول الإقصاء، غير أني وجدت القضية واسعة ومتشعبة وعميقة، فرأيت أن أكتفي بما تقدّم من مداخلة، وأكتب حولها مقالات تخاطب الجميع، خاصة من تولوا أمر الثورة في المرحلة الانتقالية.

عندما اشتد الحراك الثوري وظهرت دلائل سقوط البشير، اجتمع عدد كبير من قادة ورموز ومنسوبي المؤتمر الوطني للتفاكر. كان من ضمن المتحدثين الشيخ الصافي جعفر الذي لخص حديثه بأنهم هم “المسلمون” ومن يخرج ضدهم “كفار”. د. عوض الجاز تحدث بذعر، متهماً المعلمين بتحريض التلاميذ، وأن أحفاده الصغار يسكنون ويتعلمون ويأكلون ويشربون من ماله، ورغم ذلك يهتفون في وجهه عند عودتهم من المدارس: (أي كوز ندوسو دوس).

عقب الشيخ أحمد عبد الرحمن بقوله: (يا عوض الجاز خلاص كفاكم تلاتين سنة ما عملتو حاجة.. أدو غيركم فرصة… يا الصافي ما في مسلمين وكفار.. كلنا مسلمين). انتهى الاجتماع بمناشدة من عوض الجاز للمجتمعين بأن يطوفوا على البيوت ويتحدثوا مع الشباب ومع أولياء الأمور لتوعيتهم بعدم الخروج في المواكب.!

تكشف هذه الواقعة سقوط هيبة السلاح أمام الرفض الجماعي وهتافات الأطفال، حتى في بيوت الإسلاميين، وعجز الخطاب الديني أمام المعارك الوطنية، وانقسام الإسلاميين قبل السقوط، بين واقعيين أقروا بالفشل وحق الآخرين في مستقبل البلد، ومكابرين متشبثين بالسلطة والمال مهما سالت الدماء.

وحتى بعد أن سقط النظام، كان واضحاً انقسام الإسلاميين إلى مجموعة اتخذت موقفاً معتدلاً في انتظار الانتخابات وأعلنت ذلك صراحة، ومجموعة أعلنت العداء الصريح وبدأت العمل في العلن والسر… ومجموعة التزمت الصمت والحياد.

والثابت أن كثيراً من الشباب الإسلاميين، بل ومن داخل بيوت الإسلاميين، انضموا إلى مواكب الثورة في مراحل مبكرة نتيجة وعيهم ورفضهم للاستبداد والفساد.

بالتالي، فإن ما فعله ولا يزال يفعله الإسلاميون بالإسلام والوطن والمواطن لم يعد بحاجة إلى دليل، فلا ينبغي أن يكون هاجساً يصرف تفكيرنا عن المخارج لنكتفي باللعن والبكاء في انتظار سماء الرباعية لتمطر علينا الحلول.! علينا أن نتساءل: ماذا فعلنا نحن للاستفادة من هذا الانقسام، لكسب المعتدلين والمحايدين وكسر شوكة المتطرفين؟

لقد رفعنا شعارات الديمقراطية والحرية والعدالة والشفافية، فهل مارسناها فعلاً؟ لقد هتفنا ضد الاستبداد والشمولية والإقصاء، فهل كنا صادقين في نبذها، أم أننا نرفضها فقط حين تُمارس ضدنا؟

بدأت الفترة الانتقالية بالوثيقة الدستورية كمرجعية حاكمة بدلاً عن الحراك الثوري، بينما بقيت السلطة في أيدي من تورطوا في فض الاعتصام وأجهزة النظام السابق. فأصبح مسار الثورة مليئاً بالتحديات، مما استلزم بصيرة حكيمة تبتعد عن الشعارات العاطفية وتقدم العدالة الانتقالية، وتوازن بين الإنصاف والتعافي الوطني… بصيرة تعزز وحدة الصف الوطني داخل الحاضنة السياسية متجنبة الإقصاء والانفراد بالرأي. فهل كنا في مستوى التحديات؟

إن التحول المدني يقوم على إنجاز أهداف المرحلة الانتقالية عبر التمسك بمبادئ الثورة، وأهمها العدالة وسيادة القانون والشفافية، لضمان المصداقية أمام المعتدلين، وطمأنة المحايدين المترددين، وكبح الشموليين، وبناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع. فهل كنا قدر التحديات؟

لا نريد نبش الجراح، فالوطن كله ينزف. لكن، لا بد لكل أطراف المشهد السياسي من الاعتراف بالأخطاء ومراجعة مواقفهم، وقبول الحوار الجاد الذي يقود إلى مصالحة حقيقية. فالشعب مشرّد، وآلاف من المدنيين تقتلهم الحرب أو يموتون يومياً بانعدام العلاج، وملايين الأطفال والشباب ضاع ويضيع عليهم حقهم في التعليم.

إن ما حدث ولا زال يحدث للوطن وأهله يجب أن يغير من حالنا جميعا ويعطينا شجاعة مواجهة أخطائنا والاعتراف بها، وقبول سماع الحقائق المرة أياً كان مصدرها بعيداً عن مكابرة: يا كوز… الكوزنة سلوك!!! أو يا قحاتي !!!

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …