كيف يمكن لدول العالم الثالث أن تبني مسارًا تقنيًا يخدم التنمية لا التبعية

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
كيف يمكن لدول العالم الثالث أن تبني مسارًا تقنيًا يخدم التنمية لا التبعية
قراءة في دور الدولة، السوق، والمعرفة في عصر الاقتصاد الرقمي

منبر بنيان
مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

المقدمة

بعد أن طرحنا في المقال السابق سؤالًا حاسمًا:
من يملك التقنية ومن يملك القرار، يصبح من غير المجدي الاكتفاء بالتشخيص دون الانتقال إلى البحث عن المسار البديل.
فالتقنية، مهما بلغت خطورتها كأداة هيمنة، تظل في جوهرها أداة يمكن توجيهها.
والسؤال المركزي الذي تواجهه دول العالم الثالث اليوم ليس هل تدخل العصر الرقمي، بل كيف تدخله، وبأي شروط، ولخدمة من.

هذا المقال يحاول الإجابة عن سؤال بالغ الحساسية:
كيف يمكن لدول العالم الثالث أن تبني مسارًا تقنيًا يخدم التنمية المستدامة، لا أن يعمّق التبعية الاقتصادية والمعرفية؟
وهو يستند إلى كتابين متكاملين في الرؤية، مختلفين في المنهج، لكنهما يلتقيان عند فكرة واحدة:
الدولة ليست عائقًا أمام التطور التقني، بل شرطٌ أساسي لنجاحه.

اولا
يقدّم كتاب Digital Development رؤية نقدية لفكرة شائعة مفادها أن إدخال التقنية وحده كافٍ لتحقيق التنمية.
يوضح الكتاب أن الفجوة الرقمية ليست فجوة أجهزة أو اتصال فقط،
بل فجوة مؤسسات، وسياسات، وقدرات بشرية.
فالدول التي استوردت التقنية دون أن تبني منظومة محلية لاستيعابها، انتهت إلى استهلاك رقمي لا يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.

التنمية الرقمية، كما يطرحها الكتاب،
ليست مشروعًا تقنيًا بحتًا، بل مشروع تنموي شامل، يبدأ بالتعليم، ويمر ببناء القدرات، وينتهي بربط التقنية بالقطاعات الإنتاجية: الزراعة، الصناعة، الخدمات ذات القيمة المضافة.
التقنية هنا وسيلة لرفع الإنتاجية، لا غاية في ذاتها، ولا واجهة حداثية تخفي هشاشة اقتصادية.

ثانيا

في المقابل، يأتي كتاب The Entrepreneurial State ليقلب إحدى المسلّمات الليبرالية الراسخة،
وهي أن الدولة يجب أن تكتفي بدور المنظّم وتترك الابتكار للسوق.

يثبت الكتاب، بالأمثلة التاريخية، أن أعظم الثورات التقنية في العالم الأول لم يقُدها السوق وحده،
بل كانت الدولة فيها مستثمرًا جريئًا، وممولًا للمخاطر، وصانعًا للبيئة الابتكارية.
الإنترنت، والتقنيات الحيوية، وحتى الهواتف الذكية، لم تولد في مرائب الشركات الخاصة، بل في مختبرات ممولة من الدولة.
الفرق أن دول العالم الأول أحسنت الانتقال من الاستثمار العام إلى القيمة السوقية،
بينما دول العالم الثالث غالبًا ما غابت عن المرحلتين معًا.

ثالثا

من هنا يتكامل الكتابان:

الأول يحذّر من وهم التنمية الرقمية السطحية،
والثاني يوضح أن الدولة القوية ليست نقيض السوق، بل شريكه الذكي.

ملامح المسار التقني البديل

إذا أرادت دول العالم الثالث بناء مسار تقني يخدم التنمية لا التبعية، فإن ذلك يتطلب

أولًا وعيًا سياسيًا بأن التقنية قضية سيادية، لا ملفًا فنيًا هامشيًا. لا بد من استراتيجية وطنية واضحة للسيادة الرقمية، تشمل البيانات، والبنية التحتية، والتشريعات.

ثانيًا، يجب ربط التقنية بالإنتاج لا بالاستهلاك.
لا معنى لمنصات رقمية مزدهرة في اقتصاد لا ينتج.
التقنية يجب أن تدخل الحقول، والمصانع، وسلاسل القيمة المحلية، لا أن تظل حبيسة التطبيقات الاستهلاكية.

ثالثًا، الاستثمار في الإنسان هو حجر الزاوية. لا تنمية تقنية بلا تعليم نوعي، وبلا كليات تقنية، ومعاهد تدريب، وبحث علمي مرتبط بحاجات المجتمع.
هنا تصبح التقانة أداة تمكين لا أداة إقصاء.

رابعًا، للدولة دور لا غنى عنه. ليس بوصفها مالكًا لكل شيء، بل بوصفها مستثمرًا أوليًا، وحاميًا للمصلحة العامة، وصانعًا للبيئة التي تسمح للقطاع الخاص الوطني بالنمو دون أن يُسحق أمام عمالقة التقنية العالميين.

في دول مثل السودان، الفرصة ما زالت قائمة رغم الصعوبات. الموارد موجودة، والطلب المجتمعي على التعليم والتقنية مرتفع، لكن الغائب هو الرؤية المتكاملة.
التقنية تُستورد، لكنها لا تُوطَّن.
تُستخدم، لكنها لا تُنتج معرفة محلية.

المسار البديل يبدأ بخيارات واضحة:

توجيه التعليم نحو التقانة التطبيقية،

دعم الكليات التقنية،

ربط التمويل المصرفي بالمشروعات الإنتاجية التقنية،
ووضع إطار قانوني لحماية البيانات والسيادة الرقمية.

دون ذلك، ستظل التقنية عامل استنزاف لا رافعة تنمية.

الخاتمة

التقنية ليست طريقًا مختصرًا للتنمية،
لكنها قد تكون أقصر الطرق إلى التبعية إذا أسيء استخدامها. ودول العالم الثالث لا تفتقر إلى الإمكانات، بقدر ما تفتقر إلى القرار والرؤية.
المسار التقني المستقل لا يُبنى بالاستيراد وحده، بل بالاختيار الواعي، وبالدولة القادرة، وبمجتمع يرى في المعرفة قوة لا زينة.

الاقتصاد الرقمي يمكن أن يكون فرصة تاريخية، لكنه قد يتحول إلى قيد جديد إن لم يُمسك بزمامه.

والتنمية الحقيقية لا تسأل: ماذا نملك من تقنية؟ بل تسأل: لمن تعمل هذه التقنية، وبأي اتجاه تدفع المجتمع؟

رؤية المقال القادم في السلسلة

في المقال القادم ننتقل من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع:

كيف تغيّر التقنية طبيعة العمل، والوظائف، والعدالة الاجتماعية في دول العالم الثالث؟
وسنقرأ من بطون كتابين:
The Future of Work
و
Technology and Inequality
لنربط بين الاقتصاد، والتقنية، والإنسان… وهو جوهر كل تنمية حقيقية.

عبد العظيم الريح مدثر .

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

العدالة الاقتصادية: هل تعني المساواة أم تكافؤ الفرص؟

منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقعفي ختام مقالنا السابق حول الفقر،طرحنا سؤالًا مكملًا …