ليست الديمقراطية صندوق اقتراع ولا دستوراً متقن الصياغة ولا برلماناً تعلو فيه الأصوات وتتنافس فيه الأحزاب، كل ذلك على أهميته يظل هيكلاً خارجياً لا حياة فيه إن لم يكن الإنسان نفسه قد تشرب الديمقراطية قبل أن يطالب بها في نظام الحكم.
فالمواطن الذي لا يعترف بحق غيره في الاختلاف ولا يقبل النقد ويؤمن بأن رأيه هو الحقيقة المطلقة لن يصبح ديمقراطياً بمجرد أن يقف أمام صندوق الاقتراع. وما أكثر الشعوب التي أجرت انتخابات دورية ثم انتهت الى استبداد جديد، لأن الثقافة التي انتجت الاستبداد بقيت حية في النفوس.
إن الديمقراطية ليست مجرد حق في اختيار الحاكم وإنما هي قبل ذلك استعداد نفسي واخلاقي لقبول أن نختار غير من نريد، وأن يكون للخصم السياسي من الحق ما لنا وأن يكون القانون فوق الجميع وأن تكون الحقيقة ثمرة للحوار لا نتيجة لاحتكار الصوت.
وفي المجتمعات التي تغيب فيها هذه القيم، تتحول الديمقراطية الى وسيلة لتبادل الهيمنة لا لتداول السلطة. فكل فريق يطالب بالديمقراطية وهو خارج الحكم فإذا وصل اليه رأى أن بقاءه مصلحة وطنية، وأن معارضيه خطر يجب إقصاؤهم، وهكذا تصبح الانتخابات مجرد طريق سلمي إلى الاستبداد لا وسيلة للحرية. والأخطر من ذلك أن تصبح خيانة وطنية والتعاون مع جهات أجنبية معادية كذريعة لجلب الديمقراطية.
وهذا ما جعل الشريف زين العابدين الهندي، وزير الخارجية في الديمقراطية الثالثة، رحمه الله أن يقول
إن ديمقراطية الأحزاب لو خطفها كلب لما قال له أحد جر.
إن فقدان الديمقراطية في داخل الإنسان يظهر في تفاصيل الحياة اليومية قبل أن يظهر في السياسة، في الأسرة التي لا يسمع فيها الا الأب، وفي المدرسة التي تعاقب السؤال، وفي المؤسسة التي تحرم الرأي المخالف، وفي المجتمع الذي يخلط بين الاختلاف والخيانة.
فمن نشأ على الطاعة العمياء يصعب عليه أن يمارس الحرية بمسؤولية عندما تتاح له.
ولهذا فان بناء الديمقراطية يبدأ من بناء الإنسان، يبدأ من التربية على الحوار واحترام القانون وقبول التعدد، والإيمان بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، فإذا غابت هذه الأسس بقيت الديمقراطية مجرد لافتة ترفع وشعار يردد، بينما تظل الممارسات اليومية بعيدة عنها.
وليس المقصود بذلك التقليل من قيمة الديمقراطية، فهي تظل أفضل الوسائل التي ابتكرها الانسان لتنظيم تداول السلطة والحد من الاستبداد. لكن نجاحها مشروط بوجود مجتمع يؤمن بروحها قبل أن يطبق إجراءاتها، أما استيراد مؤسساتها دون غرس قيمها فلا ينتج الا ديمقراطية شكلية سرعان ما تنهار أمام أول أزمة وهذا ما شهدناه في السودان وعلى الدوام.
ولعل الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الاستبداد لا يولد دائماً في القصور الرئاسية، بل قد يولد أولاَ في النفوس، فإذا سكنها التعصب وكراهية الاختلاف واحتقار القانون فلن تستطيع أرقى الدساتير أن تصنع مجتمعاً حراً، أما إذا تحرر الإنسان من الاستبداد الكامن في داخله أصبحت الديمقراطية نتيجة طبيعية، لا مجرد نظام سياسي مفروض من الخارج.
وخلاصة القول إن الديمقراطية ليست ما نمارسه يوم الانتخاب فحسب، بل هي ما نمارسه كل يوم في طريقة تفكيرنا وفي تعاملنا مع من يخالفنا وفي احترامنا لحقوق الآخرين، ومن لم يكتسب هذه الديمقراطية الداخلية، فلن تنقذه ديمقراطية الصناديق لأنها ستتحول في يده الى أداة جديدة لإعادة انتاج الاستبداد.
هل يتعلم غير الديمقراطي من التجربة الديمقراطي؟
الديمقراطية ليست مجرد نظام انتخابي أو مجموعة من المؤسسات الدستورية وإنما هي قبل ذلك ثقافة وسلوك ومنظومة قيم تستقر في ضمير الانسان الذي يؤمن بحرية الآخرين، ومن يحترم الاختلاف ويقبل تداول السلطة ويحتكم للقانون هو شخص ديمقراطي حتى قبل أن يعيش في دولة ديمقراطية، أما من يحمل في داخله نزعة الاستبداد ويرى أن الحقيقة حكر عليه وأن مخالفيه خصوم يجب إقصاؤهم فانه قد يعيش عشرات السنين في ظل أرقى المؤسسات الديمقراطية دون أن يصبح ديمقراطياَ بحق.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الإنسان ليس أسير طبعه إلى الأبد، فالتجارب المتكررة قادرة على إعادة تشكيل القناعات والسلوك، فالذي يعيش زمناً طويلاً تحكمه سيادة القانون وتحترم فيه الحقوق وتدار فيه الخلافات بالحوار لا بالقوة يجد نفسه تدريجياً مضطراَ للتكيف مع هذه البيئة ومع مرور الوقت يتحول هذا التكيف الى عادة ثم يرتقي الى قناعة راسخة.
غير أن هذا التحول ليس حتمياً فهناك من يعيش في الديمقراطية لكنه لا يتعامل معها إلا بوصفها وسيلة للوصول الى السلطة فإذا بلغها انقلب عليها وسعى الى احتكارها، وهؤلاء لا يتعلمون من التجربة الا ما يخدم طموحاتهم الشخصية بينما تبقى قيم الديمقراطية بعيدة عن وجدانهم، ولذلك يقال إن الديمقراطية يمكن أن تدار بأيد غير ديمقراطية لكنها لا تزدهر الا بعقول وقلوب ديمقراطية.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن بناء المؤسسات وحده لا يكفي. فقد انهارت ديمقراطيات ناشئة لأن النخب السياسية لم تؤمن بثقافة التسامح والاحتكام الى القانون.
بينما نجحت دول أخرى لأن المجتمع قبل الدولة احتضن قيم الحوار والاعتراف المتبادل.
فالدستور يمكن أن يفرض إجراءات لكنه لا يستطيع أن يفرض الأخلاق المدنية، وهذه لا تبنى الا بالتربية والتعليم والممارسة اليومية.
ومن هنا فان طول المدة في ظل نظام ديمقراطي يزيد من احتمال تشرب الأفراد لهذه القيم لكنه لا يضمن ذلك بصورة مطلقة، فالزمن عامل مساعد، لا عامل حاسم، ويظل التعليم، والاعلام المسؤول، واستقلال القضاء، ووجود مجتمع مدني نشط، عوامل ضرورية لتحويل الديمقراطية من مجرد قواعد قانونية الى ثقافة عامة.
وفي النهاية يمكن القول إن الانسان الذي لا يكون ديمقراطياَ في داخله يستطيع أن يتعلم الديمقراطية من التجربة، لكن هذا التعليم ليس تلقائياَ ولا مضموناَ، انه يحتاج الى استعداد نفسي وأخلاقي للاعتراف بالآخر والى بيئة مؤسسية تكافئ السلوك الديمقراطي وتردع النزعات الاستبدادية. فالديمقراطية لا تصنعها صناديق الاقتراع وحدها، وإنما يصنعها قبل ذلك الإنسان الذي يؤمن بأن كرامته لا تكتمل الا باحترام كرامة غيره، وأن حريته لا تستقيم الا بحماية حرية الآخرين.
حسين إبراهيم علي جادين
