د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
تمهيد
منذ زمان ليس بالقصير، ولكنه نوعا ما، كان طويلاً في آلامه وفي آهاته، حيث لم تتاح الفرصة المثالية للاقتصاد السوداني من أجل بناء روابط سياسية وأخرى اقتصادية محترمة ومحايدة ومتوازنة في محيطه الاقليمي وفي فضائه الكوني، تجعله في وضع مستقر ومتوازن، يساعده على تسجيل نقاط إيجابية من المكاسب ومن المنافع في حركة تجارته الخارجية، تصب جميعها في نهضة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة.
لقد خُربت علاقاتنا بالمجتمع الدولي وتدهورت، وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فتأثر الاقتصاد السوداني ايما تأثر وايما تأثير وتعطل الجهاز الإنتاجي “الزراعة والصناعة” عن الحركة، وصار مشلولاً كسيحاً، بلا حول ولا قوة، وأصاب التجارة الخارجية داء الخراب وجرثومة الشلل.
ولعلاج هذا الداء ولقتل هذه الجرثومة، ولتجاوز هذه المضبات المتعمقة في علاقاته وفي روابطه الخارجية، سعى السودان حثيثاً في اتجاه إقامة علاقات متفردة وأظنها متميزة مع بلاد جنوب شرق آسيا، وخصوصاً جمهورية الصين. وكان أن شهدت تجارته، ونتيجة لما ذكر عن علاقاته الآسيوية، انتعاشاً ونمواً مع تلك البلدان لدرجة ما، وخاصة بعد اكتشاف واستخراج وتصدير النفط في الفترة التي تخللت الأعوام “2011-2000م”.
وظللت البلاد سحابة طائية، بفضل ما تقدم، ساعدتنا وساهمت معنا في انجاز وفي تحقيق معدلات إيجابية في بعض الأوجه الاقتصادية والأوجه التنموية القطاعية، ولكن، انقلبت سحابتنا كالحة السواد، تنذر بالشؤم وبالخطر، وكان انفصال جنوبنا الحبيب، وعدنا القهقري سنيناً وسنيناً، وضعفت معدلات نمونا الاقتصادي كثيراً، ومكونات القطاع الخارجي، والموازنة العامة، وزادت معدلات التضخم بشراهة، وتأثر سعر الصرف واحتياطي البلاد من العملات الأجنبية سلباً وسلباً، وجفت أو كادت أن تجف التدفقات النقدية الداخلة والموارد المتاحة للتمويل.
وتأثرت قطاعات الاقتصاد بهذا الانفصال العميل وما تبعه من تدهور عام، وأصاب الهزال تجارتنا الخارجية بصورة مقلقة وبشكل مخيف، ولم تتمكن السياسات اليائسة والبائسة والتي تنوعت وتكاثرت، من تحريك الصادرات ومن تحفيز المنتجين، من أجل تحقيق فوائض أو فائض في العملات الأجنبية، تساعدنا في تمويل الواردات لمشروعات التنمية الاقتصادية بالبلاد.
لقد كان الاقتصاد السوداني مع موعد ساخن مع انتفاخات اعتماده واتكاله التام على الواردات حيث لا انتاج داخلي ولا هم يحزنون، تلبيةً للنمو المخيف في حجم طلبه الكلي على السلع وعلى الخدمات في ظل الجمود الجامد، الذي أصاب جهاز الإنتاج المحلي في مقتل، وهناك أيضاً، محدودية العـرض الحقيقي من السلع ومن الخدمات البائنة.
وقد كان هناك نمواً متزامناً في مستويات الأسعار المحلية وقيمة الواردات من السلع والخدمات خلال الأعوام المنصرمات مؤخراً، حيث نمت قيمة الواردات من السلع ومن الخدمات، بتأثير مباشر من تضخم التضخم ومن الانخفاض الرهيب في القيمة الخارجية للعملة السودانية.
وتسببت الارتفاعات المتوالية والمتتالية والمستمرة في مستويات الأسعار المحلية إلى إضعاف وهزال القدرة التنافسية للصادرات السودانية فـي السوق العالمية، وذلك للزيادات العظيمة في تكاليف إنتاجها، بسبب أو بفعل عامل التضخم الذي لا يرحم، وذلك نظراً لاعتمادنا علـى اسـتيراد جزء مهول وعظيم من مدخلات الإنتاج من دول العالم الخارجي، والذي انعكس في ضعف القدرة التنافسية لاقتصادنا المغلوب على أمره في السوق العالمية.
ماذا تعني التبعية الاقتصادية؟
يبتدر الأستاذ الهادي هباني حديثه أو كتابة مخطوطه عن “جذور التبعية الاقتصادية وعلاقتها بشروط صندوق النقد والبنك الدوليين”، المولود في أبريل من العام المنصرم 2023م، قائلاً، بأن الحكومة تصر بإلحاح وتلح بإصرار على سيرها في طريق سياسة التبعية والخنوع لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، ولا تعتقد ولا تؤمن اطلاقاً في وجود سبلاً أخرى وطرقاً مختلفة، لحل مشاكل السودان الاقتصادية، غير وصفات هذه المؤسسات المالية الثابتة، وشروطها المجحفة الجاهزة.
وقد نجحت حكومتنا الميمونة في تنفيذ هذه الوصفات وتلك الشروط، بعد الموافقة عليها دون ابداء أي نقطة نظام حول أي بند من بنودها، كلها أو غالبيتها العظمي بجدارة تفوقت فيها على نفسها، والمتمثلة في رفع الدعم، وتعويم سعر الصرف، وفي تحرير التجارة والخصخصة، وإبعاد الدولة عن الاقتصاد نهائياً، وزيادة الضرائب، وتحرير اسعار الكهرباء، وتخفيض العمالة وتقليل الإنفاق على الصحة وعلى التعليم …الخ، وهكذا.
وتدور الحرب الضروس بين حكومتنا أو حكوماتنا، سهلة المراس، وبين المناهضين والرافضين للتبعية وللخنوع. فهم يرون في سياسات هذه المؤسسات الدولية الدمار الشامل لاقتصادنا المريض سلفاً، ويرون فيها زيادة لآهات وأنات شعبنا المسكين الذي يئن تحت وطأة الفقر والعوز، ويطرحون بديلاً بدلاً عنها ويرونه نافذاً، وهو الاعتماد على الذات وحشد الموارد المحلية الغنية الكامنة المتاحة. وتنبع وتشب عن طوق هذه المدافعة وتلك المصارعة العديد من الأسئلة التي تبدو مشروعة، وهي كذلك بالتأكيد، لدي فئات واسعة من الناس، خاصة بين فئات الشباب.
وأهم هذه التساؤلات وأعلاها صوتاً، السؤال التالي الذي يطرح نفسه بقوة، وهو: ماذا تستفيد تلك المؤسسات الدولية من فرض تلك الشروط القاسية، حتى يقال عنها بإنها مجحفة، وتصب في مصب مصالحها، وتجعل الارتباط بها عبارة عن تبعية وعبودية، لا حول فيها ولا قوة؟ لماذا؟ ثم، لماذا؟
وللإجابة عن مثل هكذا سؤال، لابد لنا من الحديث أولاً عن مفهوم التبعية الاقتصادية وعن جذورها وعن أسبابها، وإدراك أو معرفة لماذا تُصِر وتلح تلك المؤسسات على مثل هذه الوصفة الثابتة الجاهزة، وهل هي بالفعل صالحة لكل زمان ولكل مكان؟ أم هي مجرد حيلة أو وسيلة لتحقيق مآرب وغايات وأغراض أخري محجبة.
ويحاول الأستاذ عبد الله بن عبد الرحمن الرميحي، من خلال ورقته البحثية، التي تأخذ عنوان “التبعية الاقتصادية: بين المستَغِل والمُستَغَل: قراءة تحليلية”، قائلاً… تعتبر التبعية الاقتصادية بمثابة سياسة احتلالية جديدة أو حديثة لثروات دول العالم الثالث أو العالم المتخلف، تبنتها الدول المتقدمة أو المتحضرة. وشبت هذه السياسة عن الطوق، ونمت وتنامت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تبعتها نزعة وميل باتجاه استقلال الكثير والعديد من الأقطار.
وقد عاشت بعض الدول وسرحت مع الخيال البعيد، وأوهمت نفسها بأنها انعتقت وإنها تحررت فعلاً، وصارت حره مستقلة ذات سيادة، إلا أن الواقع المر يكذب الخيال الحلو دائماً. وكانت رغبة أصحاب النفوذ والحظوة -ليس بالاستحقاق ولكن بوضع اليد- في الدول المستقلة في اتباع اربابهم المُستعمِرين القدامى، والخضوع لهم، حتى يحافظوا على مواقع نفوذهم وأوهامهم، وهي الغالبة.
وتساهم معنا جريدة “عنب بلادي” في عددها (277) في الإجابة، صائحة ملعلعه: بأن التبعية الاقتصادية تعني خضوع البلدان الفقيرة لتلك الغنية التي تتمتع باقتصاد ثري وعملاق. وتظل هذه الدول التي تندب حظها، تعتمد كلياً على الاقتصادات الكبيرة، التي لها إمكانيات السيطرة وأسبابها، بصورة تتيح لها فرصة كبيرة، لجني ثمار موارد الخانعين وثرواتهم، دون ادني التفاته أو حتى قليل من ذوق أو إحساس بمراعاة واحترام حاجات الشعوب المريضة.
وتتخذ تلك التبعية أشكالًا ملونة وألواناً مُشكلة، تعمل وتسهم كل منها في تعميق أغوار تلك التبعية للأجنبي الغريب، ومنها نعرض، التبعية التجارية والتبعية المالية والتبعية التقنية.
- التبعية التجارية: وتعود التبعية التجارية تاريخياً الي الاستعمار وأيامه المظلمة، عندما نجح في ربط عدد لا يستهان به من بقاع دول العالم المتخلفة ليس سياسياً وكفى، ولكنه ربطها بإتقان وشدها اقتصادياً وبقوة باقتصاديات الاستعمار أو المستعمر، فوجه الأنشطة الإنتاجية في المستعمرات القديمة، لتصبح مزارع مستباحه في متناول اليد الغريبة، لاستخراج وإنتاج المواد الأولية اللازمة للصناعة في بلاد المستعمر القديم الجديد.
وكان أن ترتب على هذا السلوك الأناني الكريه، تعديل في الهياكل الاقتصادية للبلدان المتخلفة، متخذة سلوكاً تخصصياً جامداً لا مرونة فيه في انتاج عدد قليل وفقير من المواد الأولية، والاعتماد المخيف على البلدان المتحضرة في استيراد المنتجات الصناعية، وذلك لعجز هذه الدول النامية، وعدم تمكنها من انشاء صناعات محلية، تمتاز بميزة تنافسية، تجعلها قادرة على طرق أبواب الأسواق العالمية، خاصة في ظل سياسة العولمة وحرية التجارة الخارجية. - التبعية المالية: تسفر التبعية المالية عن وجهها النقدي لتبعيتها التجارية. وتعبر عن خلاصة شاملة لاختلالات الهيكل الإنتاجي في اقتصاديات البلدان المتخلفة. وقد تفاقمت واشتدت هذه التبعية في الأزمنة المتأخرة أو الأخيرة، وذلك لحاجة هذه الدولة التابعة الي الاستدانة من الدول الكبرى والبلدان الأقوى، لتمويل عجزها المستديم والمستمر والمتنامي في موازين مدفوعاتها.
وكان هذا العجز ومازال نتاج بطء نمو صادراتها وضعفه، وفي سرعة نمو وارداتها، في نفس الزمان، سواء استيرادها لسلع استهلاكية لمواجهة النمو المستمر في حجم سكانها، أو وارداتها من السلع الرأسمالية لحاجتها لهم في عملية تنفيذ برامج التنمية فيها. - التبعية التكنولوجية: أما هذه فهي أخطر الثلاثة على الاطلاق. فهي نوعين يأخذ النوع الأول شكله المادي كالمعدات والآلات، والنوع الثاني يختار أن يكون غير مادي، ويظهر في المعرفة المحيطة بابتكار التقنية المادية وطرق استخدامها أو كيفية استعمالها.
ويمكن التعرف على درجة تقدم البلد تكنولوجياً بواسطة معرفة صادراتها من التكنولوجيا المتقدمة كنسبة من صادراتها الصناعية.
وتعود خطورة هذه التبعية في أن عامل التكنولوجيا يلعب دوراً مهماً ودوراً مركزياً في تحديد مستوي التقدم الاقتصادي في المجتمع، في أي مجتمع، والمعروف أن الدول المتخلفة تستورد نحو 90% من السلع الاستثمارية التي تحتاجها في عملية تنميتها. ولكننا نجدها تنتج منها محلياً فقط 10% في شكل معدات وآلات بسيطة مكملة لتلك الحديثة المستوردة، ويتم استعمالها في القطاع الزراعي التقليدي.
وتحتكر الدول الكبرى انتاج وتصدير هذه التكنولوجيا المتقدمة غالباً، وعلى الوجه الأعم، من خلال الشركات متعددة الجنسيات وعابرة القارات. وبفضل هذه الشركات الضخمة، تفرض هذه الدول شروطاً مجحفة وخالية من القيم الأخلاقية في بيعها للتكنولوجيا المصورة في صورة سلع استثمارية أو رأسمالية أو انتاجية، وأيضاً مقابل حقوق استخدامها وخدمات خبرائها الذين يعملون بالإشراف على استعمالها واستعمالاتها.
وهناك، وبلا أدنى شك، عوامل كثيرة وأسباب وفيرة، تؤدي وتقود لهذا الخنوع ولتلك التبعية، أي خضوع الدول المتخلفة إلى الدول المتقدمة صناعياً، منها، كأمثلة لا حصراً، انخفاض مستوى المعيشة وغياب الرفاهية المادية، ونمو نسبة البطالة بشدة وجرأة ووقاحة، وأيضاً فشل الاستفادة من القدرات الإنتاجية الكامنة ومن الموارد البشرية، وذلك لهزال رأس مالها وفقره المدقع.
وكذلك، يعود ذلك اليباب الي وجود رأسمال الأجنبي المسموم، وللمديونية الثقيلة للدول الغريبة وللمؤسسات المالية الدولية، والقروض والهيمنة والقرصنة على القطر وعلى خيراته وعلى موارده من خلال إنفاقها واسرافها على التسليح والتدريب العسكري والمعلومات العسكرية.
ومن مالات وتبعات هذه التبعية الاقتصادية، اعتماد هذه الأقطار في تأمين الاحتياجات الأساسية لمواطنيها على الدول الغنية، والسعي الحثيث وراء القروض وخلف المعونات والتسول المبتذل، لشراء هذه الاحتياجات الأساسية وللحصول عليها، وهناك عجز وعدم مقدرة الاقتصاد المحلي على التنافس في الأسواق العالمية لتلاشي ميزته التنافسية، نسبةً لسلوك تضخمه المستديم والمستمر في نموه.
فالدول العربية وعلى رأس قائمتها السودان، وعلى الرغم من نيلها استقلالها السياسي، وبالرغم من مغادرة المستعمر لبلادها بطريقة حضارية لم يكن لها مثيل ولا شبيه في التاريخ، ولكننا أيضاً نقول بأننا غير مأسوفين على مغادرته! منذ عشرات وعشرات السنين، إلا أنها ما تزال مستعمرات اقتصادية، تابعة وتستظل بمظلة الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتهم أمريكا.
ومن بين القضايا الراهنة والتي من الواجب القاء نظرة ممعنة عليها وإعطاءها أولوية هامة هي الخارطة الاقتصادية وموقع العالم الثالث من اعرابها، ويتعين علينا معرفة الأطراف ذات الوزن الثقيل المتحكمة فيها. لكن، وقبل الخوض في ذلك وجب تأطير هذا المصطلح بمساعدة هذا السؤال، ما هو الاقتصاد؟
الاقتصاد هو مصطلح واسع، تعددت تعريفاته وتنوعت مفهوماته، حيث يضم عدة مفاهيم وعدة معاني. والمراد ذكره هو ما يتم تعريفه على أنه ذلك النشاط البشري المتشكل في إنتاج وفي توزيع، وفي تبادل وفي استهلاك السلع والخدمات. إن العالم بالوضع الاقتصادي العالمي يدرك أن العلاقات ليست هي بعلاقات سلام ومودة ومحبة ووئام، بل أنها حرب ضروس شرسة لها أنيابها الفتاكة. فهي تسعى وهي تجتهد من أجل نشر النفوذ وفي سبيل بسط السيطرة وتجذير إمبريالية القوى العظمى على حساب الشعوب الغائبة في الجوع.
وهذا من الأمور التي جعلت البشرية منكوده إلى أبعد الحدود. والمراقب والمهتم بالوضع العربي أو بالبلاد المصنفة من دول العالم الثالث المتخلفة، يدرك حالتها الهزيلة المزرية أو قل المثيرة للشفقة، إذ أنه وبدون خجل وبعيداً عن لغة المجاملات وأساليب التجميل والتزيين، فهي دول لا تمتلك قواعد صناعية البتة، ولا بنية تحتية حقيقية، وهذا بالجد شيء مخجل حتى الثمالة، لأنها بلدان غنية في ثرواتها وفي مواردها، ولكن! ويعود هذا الخزلان لنوعين من الأسباب، الأول هو التبعية الاقتصادية للغرب، والثاني سوء التسيير والإدارة.
فأما بخصوص النوع الأول، فهو أكبر محنة تحسها حسياً وتحوم وتجول في دواخلها مرارةً فتقلق مضاجع الدول الفقيرة وتسهد الليالي الطوال بسببها، حيث هم -الدول الغنية العملاقة- يحاولون جعل المديونيات تتراكم وتتراكم، تتضاعف وتتضاعف على الدول المسكينة، فيثقل عليها حملها، فتخور قواها وتيأس وتستسلم رافعه الرايات البيضاء عالياً في خنوع.
وما تحتاجه دولنا أو دول العالم المتخلف حالياً أكثر بكثير من أي زمن مضى ومن أي زمان انصرم. وتتمثل هذه الحاجة في إعادة تخطيط سياستها الاقتصادية الداخلية والخارجية، وذلك من طرف نخبة أو نخب وطنية حقيقية ذات باع طويل في علم الاقتصاد وفي النزاهة وفي عفة اليد واللسان، حيث أن ما خطط من مخطوطات اقتصادية سالفة، كانت نتيجته الوضع القبيح الهزيل السائد حالياً، وأثبت لنا الواقع المعاش، يقينياً، بأنها غير صالحة، بل انها فاسده وضاربة في أعماق الفساد.
وعلينا أن ندرك وأن نؤمن بأنه لا يجب أن نعتمد على الحلول المستوردة المعلبة، بل يجب أن نفكر وأن نبدع حلولاً وطنيةً نزيه تكون مننا والينا وفينا، نحمي بها سيادتنا ونحافظ بها على مواردنا البكر البريئة.
كما أن الهيكلة وحدها لا تكفي لنيل حريتنا وللتحرر من التبعية والعبودية. إذ الواجب يلزمنا أو لزاماً علينا التخلص من هذه الديون التي تعمق أكثر وأكثر من التبعيّة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية للدول العظمي، وتطيل في أعمارها أبدياً.
ويشهد التاريخ على أنه قد تم إخضاع وتركيع الكثير من الشعوب، لقرارات ظالمة ضد مصالحها، وتصب في مصلحة الغريب المسيطر الظالم. وما يزيد الأمر سوءاً على سوئه هو ما يتم فرضه من رقابة ومن تدخلات سافرة في الشؤون الداخلية وحتى الخارجية للشعب أو للشعوب، وقد يذهب الأمر إلى تجميد المؤسسات الحيوية للبلاد، والمقايضة بمشاريعها. ويعتبر هذا بمثابة سرطان يعيش في مراحله الأخيرة فيستحيل علاجه وليس منه شفاء، ولكن “لكل داء دواء يُستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها”.
ويستمر الأستاذ مصطفى بن الزهرة في دراسته أو في مقالته المعنونة ب (كيف يمكن التخلص من معضلة التبعية الاقتصادية؟) قائلاً، بأن إعادة الهيكلة والتخلص من المديونية من منظوري -منظوره هو وليس أنا- هو حل جذري لمشاكلنا.
نعم، ويمكننا كسر هذا القيد الذي كبلنا، وجعلنا في وحل التخلف نخوض وعاجزين عن الخروج. ولكن! إعادة الهيكلة يتطلب منا شجاعة، ويتطلب منا عزيمة، ويتطلب منا إرادة، ويحتاج الي تطهير وكنس العملاء وكل الخونة، وما أكثرهم! فهؤلاء يخافون شق عصى الطاعة العمياء لأسيادهم، خوفاً من ضياع امتيازاتهم. ودائماً يكون سر نجاحنا وفلاح أوطاننا في وحدتنا الوطنية.
وبالنسبة للسبب الثاني الذي يعرقل كسرنا لقيد التبعية هو سوء التسيير، ويتلخص حل القضية في قول أو فيما قاله النازي هتلر في كتابه كفاحي -ص 14-، ((إن تحويل الشعب إلى أمة خلاقة يفترض قيام وسط اجتماعي سليم يعمل على تنشئة المواطن تنشئة وطنية. فليس يستشعر الاعتزاز بالانتماء إلى بلد ما إلا من يتعلم في البيت والمدرسة حب الوطن ويقدر أمجاده في ميادين الفكر والسياسة والاقتصاد. إن الإنسان لا يناضل إلا من أجل من يحب ولا يحب إلا ما هو حرى بالتقدير والاحترام. فكيف يُطلب من مواطن أن يحب وطنه ويقدره وهو يجهل تاريخه ولا يشعر في كنفه بأنه ينعم بما تؤمنه الدول الأخرى لرعاياها من طمأنينة وهناء؟)) أي وجب علينا إعداد كفاءات، وهذا يلزمنا السير نحو اقتصاد قوي مستقل.
تبعية السودان الاقتصادية
بعد تفكير عميق، يشوبه كثير من الحيرة، وشيء غير قليل من الدهشة، غازلت أنامله الناعمة المرتعشة يراعه النازف انتماءً، ليزيد نزيفه نزيفاً، ومن ثم يدلقه في قرطاسه الرحب، في لوم قاني، وحسرة وعتاب دائبين دائمين، ناقداً امساك المسئولين السودانيين عصا التبعية للغرب ولمؤسساته المالية الاستعمارية بالأصابع العشر، دون محاولة شقها والانفكاك والتحرر منها أو حتى تخفيف وطأتها -كأضعف الايمان- على اقتصادنا وعلى مواطنا الجائع، وعلى مستقبل أجيالنا المجهول العنوان والفارغ المحتوي.
فرسم بعض الرسومات الحنينة الصادقة، فأبدع في لغة الحزن وفي حروف العتاب، وجرح كبريائهم، ولكن هل للكبرياء حضور. وقال دكتورنا حيدر إبراهيم أو خط أو كتب في مقالته المنثورة في راديو أو إذاعة دنيا دبنقا، واصفاً وشارحاً ومشيراً بشفافية متفانية الي ألوان المخاطر، والي مكامن السلبيات، والي هول النتائج لهذه التبعية العمياء تحديداً دقيقاً يُحسد عليه، فالي مقاله، (السودان من الفقر إلى التبعية.. الإخفاق الوطني في التنمية والاقتصاد) التالي، والذي كان ميلاده في أبريل من العام 2021م، ونعرضه كما هو، دون حذف وبدون أي إضافة، وذلك طبعاً بعد استئذانه، فله العتبى حتى يرضى…
((شغلتنا في سبعينيات القرن الماضي خلال الدراسة قضية التبعية وكانت المقررات والسيمنارات تسيطر عليها دروس التبعية، خاصة في دول أمريكا اللاتينية لأنها كانت بمثابة الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي للشركات متعددة الجنسيات. ثم راج مفهوم التبعية في العالم العربي من خلال سمير أمين ومنتدى العالم الثالث ثم أخذ حضوره في الجامعات العربية والمؤسسات الأكاديمية المهتمة بالاقتصاد والتنمية.
وظل المفهوم نظرياً في ذهني حتى شاهدت أخيراً نموذجاً للتبعية الملموسة بمثله سودان اليوم المعتمد كلياً على الخارج من أجل الخروج من أزمته الاقتصادية الطاحنة. وصار القطر الذي يحتوي على أكبر الأراضي الصالحة للزراعة بالإضافة لتدفق الأنهار والمياه الجوفية والأمطار، ينتظر شحنات القمح في ميناء بور تسودان، وتبشر الحكومة بلا خجل الشعب الصبور بوصول 400 ألف طن مثلاً. كما تتجول الوفود الرسمية للتسول والعودة بالقروض والمنح من الخارج.
وسيعقد خلال أيام مؤتمر باريس ورغم أن لقاء أصدقاء السودان قد ركّز في المرة الماضية على ضرورة الشراكة، إلا أن السودان بنظامه المصرفي الضيق وقوانين الاستثمار المتخلفة والمعوقة لحركة الأموال والعمل في السودان وقطاعه الخاص الجبان، لن يقدم مشروعات شراكات اقتصادية، بل سيذهب السودان منتظراً القروض والمنح والهبات، وكأن الغرب هو “أكرم الطائي” الذي يساعد السودانيين من أجل سواد عيونهم.
كنا نبرر الخيبة والفشل بالعقوبات، وتم رفع العقوبات منذ شهور ولكن لم نلاحظ أي إرهاصات تنبئ بتحسن الحالة الاقتصادية والمعيشية. ثم حررنا العملة وما زال الجنيه السوداني يترنح، وفشلت المصارف السودانية الأثرية في جذب مدخرات المغتربين وتقديم خدمات مهنية راقية للمتلقين في الداخل.
تحول السودانيون أو أغلبهم من الهتاف بسقوط أمريكا المدوي في الشوارع (Down.. Down U.S.A) إلى الارتماء الكامل في أحضان ماما أمريكا بدون مراجعة أو نقد للمواقف السابقة ولماذا وكيف تبنوا الموقف الجديد الحالي. وللمفارقة هي أن اليسار السوداني هو الأكثر حماسة لليبرالية الجديدة واقتصاد السوق مع الاحتفاظ بالتسميات التي تبشر بمشروع آخر تختلف جذرياً.
ليس أمام السودان إذا أراد تحقيق التنمية والنهضة والتقدم إلا الطريق الوحيد القائم على الاستقلالية والاعتماد على الذات (self-reliance) وهذا يعني العمل والإنتاج واحترام الوقت والنظام والانضباط ورفض العقلية الاستهلاكية والسلوك البذخي والتفاخري.
عاصمة السودان أقرب إلى مكب نفايات أو (كوشة) تحيط بها عمارات شوامخ لا نجدها في أوروبا وتتجول فيها سيارات فخمة آخر موديلات، وشكراً للقدر أنها هذه الأيام معطلة في محطات البنزين والوقود تنتظر الساعات الطوال.
تبدأ الثورة الحقيقية في السودان ليس باستبدال دكتاتور والإطاحة بنظام ديني فاشي، ولكن الثورة تبدأ بميلاد الإنسان السوداني المنتج النشط المنظم، ولتذهب مؤتمرات باريس ومنح وقروض الدول الغنية إلى الجحيم، لكي يبقى السودان مرفوع الرأس ولا يمثل اليد السفلى، ويمثل الآخرون اليد العليا حتى لو كانوا أشقاء أو أصدقاء.. انتهى)).
اذن، لماذا تُصِر المؤسسات المالية الدولية على مثل هذه الوصفة الثابتة؟ يجيب هباني عن السؤال المتقدم، بإن كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يمثلان مؤسسات منحازة للدول العظمى وغير حيادية، وتعتبران مطية، من خلالهما يتم ضمان هيمنة الدول الكبري على موارد الدول المتخلفة وعلي فتح أبواب أسواقها على مصرعيها لاستقبال منتجاتها وقبول خدماتها، وأقوي برهان علي ذلك، هو سيطرة هذه البلدان على هذه المؤسسات الدولية.
فمثالاً لا حصراً، نسلط الأضواء على حصص الدول الخمس العظمي وهي أمريكا، اليابان، الصين، ألمانيا، وفرنسا مجتمعة، حيث تشكل نسبة حصصهم حوالي 36.11% من حجم الحصص في صندوق النقد الدولي، وتمتلك الولايات المتحدة لوحدها حق الفيتو بنسبة حصص بلغت حوالي 17.46%، وحق تصويت بلغ نسبته نحو 16.52% وهي الأكبر والأعظم من بين جميع بلاد العالم.
وانطلاقاً مما ذكر في الأسطر الفائتة. يمكننا، فيما يلي، تحديد الثمار الناضجة، التي تجنيها هذه المؤسسات، والأهداف أو الأغراض التي تجلس القرفصاء وراء فرض هذه الوصفة الجاهزة من الشروط:
أولاً: تنشد المؤسسات الدولية من فرضها لبعض الشروط، كرفع الدعم عن السلع الرئيسية، وزيادة الضرائب والرسوم، وخفض الإنفاق على الصحة وعلى التعليم، وتحرير أسعار الكهرباء والماء أو المياه وعدم دعمها، وتقليل حجم العمالة، إلى ضمان توفير موارد كافية لتغطية عجز الموازنة، وذلك من أجل ضمان سداد أقساط ديون هذه المؤسسات (الصندوق والبنك الدوليين).
فالهم الأول والأهم لأي جهة تمويلية، هو التأكد من قدرة المديون أو المُقترض على سداد ديونه في زمانها المستحق. وأيضاً، إبعاد حكومات تلك الدول ورفع أياديها عن الاقتصاد وتقليص وتضييق الخناق على فرص إنفاقها على القطاعات الإنتاجية والتنموية من مواردها المتوفرة والمتاحة لها داخلياً، وبالتالي تضمن تلك المؤسسات ومن خلفها الدول العظمي، استدامة ربط هذه البلاد الفقيرة كاثوليكياً بالصندوق والبنك الدوليين، واستمرار قرضها المزيد والمزيد من الأموال المشروطة، وهو ما يكرِّس ويعمق التبعية الاقتصادية القديمة الجديدة.
ثانياً: أما الهدف من وراء الشروط المتعلقة بخصخصة مؤسسات القطاع العام وابعاد الدولة وعزلها عن اقتصادها الوطني، ورفع الحواجز والقيود الجمركية عن السلع المستوردة، فهو فتح أبواب السوق المحلي على مصراعيه أمام منتجات الشركات عابرة القارات، وعليه يصير السوق المحلي بمثابة سوق مستهلك لمنتجات هذه الدول، وديمومة الأخيرة كمنبع ومصدر للمواد الأولية الخام.
وفي الوقت ذاته، يمكِّن الشركات عابرة القارات من فتح مكاتب تمثيل لها أو فروع لها بالدول المتخلفة مباشرة دون أي قيود أو موانع او بطريقة أخرى من خلال عقد تحالفات تجارية مع شركات القطاع الخاص في تلك الدول الفقيرة، بموجب توكيلات تجارية أو حقوق امتياز لعلامات تجارية بشروط قاسية غير أخلاقية أقرب الي أن تكون عقود إذعان، تجعل من شركات القطاع الخاص المحلي شركات خاضعة للشركات عابرة القارات وخانعة لشروطها بل ومتورطة معها في جرائمها.
ثالثاً: ومن المعروف ومن المعلوم أن تحرير وتعويم سعر الصرف يؤدي إلى اضعاف قيمة العملة المحلية، وهذا بدوره يقود إلي زيادة صادرات هذه الأقطار النامية أو الفقيرة إلى الدول الغنية بأسعار زهيدة ورخيصة جداً. وكما قلنا بأن صادرات هذه الدول النامية عبارة عن مواد خام أولية، وهذا يكرس نفس التبعية التي كانت سائدة، خلال فترة الاستعمار القديم، وتضمن الدول العظمي بالتالي جعل هذه الدول النامية مصدر دائم وزهيد للمواد الأولية وسوق لمنتجاتها المصنعة.
وخلافاً لما يكرره ويعلنه صندوق النقد الدولي، وأيضاً البنك الدولي في برامج التكيف الهيكلي، من أنهما حريصان على معالجة التشوهات في الاقتصاد الكلي، فإن هذه الشروط، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك ولا الريب، بأنها تقود إلى فقدان البلاد المديونة، قدرتها على توفير عائدات وايرادات محلية من مصادر إنتاجية حقيقية، من أجل ردم عجزها في موازناتها العامة، بسبب تراجع قطاعاتها الإنتاجية وفقدان إيرادات شركاتها في القطاع العام التي يتم أو تم خصخصتها من ناحية.
وأيضاً نسبةً لانخفاض أو انعدام الإيرادات الضريبية من الشركات المحلية، نتيجةً لتقهقر نشاطها وأدائها المالي، بسبب نمو تكاليف إنتاجها المحلي نسبةً لزيادة حجم الضرائب والرسوم من ناحية أخري، وبالتالي فقدانها لميزتها التنافسية في السوق العالمية وهذا يؤدي طبيعياً إلى تفاقم حجم الدين الخارجي ونمو المتأخرات وتراكمها وتراكم فوائدها المستحقة مما يجعلها تابعة حتى النخاع وأسيرة للمؤسسات المالية الدولية.
كما يتسبب نمو تكاليف الإنتاج في عجز، بصورة مستديمة، في الميزان التجاري نسبةً للنمو السالب أو العكسي للصادرات، خلافاً عن الواردات التي تنمو ايجابياً وترتفع وتزيد وتتطاول، وكل هذا يمنح فرصة ذهبية لانتشار ظاهرة التهريب إلى الدول القريبة المجاورة عبر طرق غير قانونية وقنوات غير رسمية فاسدة بسبب الارتفاع العظيم في تكاليف التصدير عبر القنوات القانونية الرسمية، كنتيجة مباشرة لزيادة الضرائب وتضخمها والرسوم التي يفرضها صندوق النقد والبنك الدوليين.
ويصب ما ذُكر قبل قليل، في زيادة معدلات التضخم وتقهقر وتراجع قيمة العملة المحلية وظهور السوق الموازي للنقد الأجنبي معتزلة قنوات القطاع المالي والمصرفي، وينعكس ذلك في تدهور الحقول الإنتاجية مما يدفع بدوره إلى نمو معدلات البطالة وضعف معدلات الأجور وتراجع تعويضات العاملين في تلك القطاعات او في تلك الحقول وتظهر نتائج ذلك مباشرة في تقهقر معدلات النمو وانسحابها للوراء، وكذلك تراجع قيمة الناتج المحلي الإجمالي وسوء الأوضاع الاجتماعية وانتفاخ معدلات الفقر ونزول كل مؤشرات الاقتصاد الكلي الي الحضيض.
وعلى ضوء ما تقدم شرحه وما تم تفنيده، لا بد لنا من انتهاج واختيار سبل آمنة، كتلك التي انتهجتها الأوطان التي رفست وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين الجاهزة المسمومة ورمتها في سلة مهملات التاريخ وشاحت بوجهها عنهما بدون رجعة. وسارت فخورة في درب حشد الطاقات الوطنية والموارد الذاتية، وأقرت سياسة الاعتماد على الذات، كماليزيا وسنغافورة والبرازيل ورواندا وتركيا. وبفضل ذلك أفلحت في الوقوف على أقدامها منتصبة شامخة فخورة، وأنعشت اقتصاداتها وأراحت شعوبها وصعدت بهم ومعهم الي مصاف الدول الحديثة المتقدمة.
فالسودان بما يملكه من موارد ومن ثروات كامنة لهو قادر وايما قدرة، كما كان عملاقاً وقادراً في زمانه السالف، على حشد موارده الذاتية وعلى توظيفها التوظيف السليم المناسب، والخروج باقتصاده من أزمته الراهنة الي بر الأمان واللحاق بركب البلدان الحديثة المتقدمة.
ولكن، هذا لا يعني ولا يُفهم منه بأنه دعوة الي سد وقفل أبواب التعامل والتفاهم نهائياً مع هذه المؤسسات المعلومة. فالسودان، يا سادة يا كرام، عضو قديم وأصيل فيها، وكغيره من بلاد الناس، له كامل الحق في الاستفادة وفي الانتفاع من مواردها -أي موارد هذه المؤسسات- المالية وغيرها من موارد.
ولكن، أن يكون ذلك وفقاً وعلى حسب الشروط السودانية، وبما يتماشى مع أولويات التنمية ومصلحتها ومصالحها، بدون سابق انذار أو شروط مسبقة أو أي نوع من أنواع الانصياع أو أي شكل من أشكال الخنوع،
ولكن ليكون ذلك كذلك علينا أولاً إعادة سودانا الي سيرته الأولي، عندما كان عزيزاً في فترات الخمسينات وفي زمان الستينات من القرن الذي مضى وانصرف وغاب في غياهب الماضي. وعندما كان السودان نغمة اقتصادية حنينة، تتبادلها الشفاه وترددها الألسن ألحاناً شجية طروبه.
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم