لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان: تحليل نقدي مع توصيات لتطوير عمل اللجنة (الجزء الثاني)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
تطوير عمل اللجنة بعد معاودة اعمالها
تعزيز القدرات القانونية والتنظيمية
يمثل تعزيز القدرات القانونية والتنظيمية للجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان حجر الزاوية لأي محاولة جادة لإعادة تفعيل دورها وضمان استدامة نتائجها، خاصة بعد التجربة السابقة التي كشفت عن تعقيدات متعددة في التطبيق العملي، تشمل ثغرات قانونية، تشابك الملكيات، ضعف التنسيق المؤسسي، والارتباط الوثيق بالتحولات السياسية. وتجربة اللجنة منذ تشكيلها في 10 ديسمبر 2019 أظهرت أن النجاح في استرداد الأصول وإعادة بناء المؤسسات الحكومية يتطلب إطارًا قانونيًا متكاملًا، إلى جانب قدرات تنظيمية وإدارية مدعومة بالبنية التحتية التقنية، والكفاءات البشرية، وآليات المتابعة والتقييم الدقيقة.
شهدت اللجنة منذ بدايتها عمليات استرداد واسعة للأصول داخل السودان، بما يشمل العقارات السكنية والتجارية في الولايات الثلاث الرئيسية: الخرطوم، بحري، وأم درمان، إلى جانب أراضٍ زراعية في مناطق جبل أولياء، كوبر، ودروك، وشركات تجارية وخدمية كانت واجهة اقتصادية للنظام السابق، إضافة إلى استرداد أسهم في شركات بنية تحتية، مثل الطرق والجسور، وفق تقديرات إعلامية تقارب مليار دولار عند احتساب القيمة السوقية للعقارات والأراضي المستردة، وهو ما يشير إلى حجم التحدي الإداري والمالي الذي واجهته اللجنة.
وقد أظهرت التجربة أن فعالية اللجنة لم تقتصر على مجرد الاسترداد، بل تضمنت تفكيك البنية الإدارية للتمكين، حيث تم فصل عشرات القضاة ووكلاء النيابة والدبلوماسيين والموظفين في الوزارات والهيئات الحكومية المرتبطة بالنظام السابق، مع الأخذ في الاعتبار مبدأ العدالة الإجرائية لضمان عدم المساس بحقوق الأفراد الذين لم يثبت تورطهم في التمكين، وهو ما خلق توازنًا حساسًا بين السلطة التنفيذية والعدالة القانونية، لكنه أثار جدلاً واسعًا حول مدى وضوح المعايير القانونية المستخدمة في الفصل والتعيين.
أولًا: تحديث التشريعات بما يغطي الثغرات السابقة
أثبت التطبيق العملي لقانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 لسنة 2019 أن النصوص القانونية لم تكن كافية لتغطية الحالات المعقدة المرتبطة بالملكية المختلطة، استخدام الشركات الواجهة، والتحويلات المالية الدولية. أبرز الثغرات التي اكتشفتها اللجنة تشمل:
عدم وجود تعريف دقيق لمفهوم “التمكين” يغطي الجوانب السياسية والاقتصادية والإدارية، مما أدى إلى اختلاف التفسيرات بين الجهات القضائية والإدارية.
غياب معايير إثبات مفصلة للتمكين، خاصة في القضايا التي تعتمد على القرائن والوثائق القديمة أو المستندات غير الرسمية.
عدم تنظيم التعامل مع الأصول المسجلة بأسماء شركات متعددة الملاك أو واجهات قانونية، ما أتاح الفرصة لبعض الأطراف للطعن على قرارات اللجنة.
ضعف الربط مع التشريعات الدولية المتعلقة باسترداد الأموال، بما في ذلك الأصول المحولة للخارج أو المملوكة لشركات متعددة الجنسيات.
غياب نصوص تحدد آجالاً زمنية ملزمة للفصل في القضايا، ما أدى إلى بطء الإجراءات وتأخر العدالة.
ولتغطية هذه الثغرات، يجب أن يشمل التحديث القانوني:
صياغة تعريف قانوني مفصل للتمكين يشمل الأبعاد المالية والسياسية والإدارية.
وضع معايير إثبات متعددة المستويات، تشمل الأدلة المباشرة، القرائن المادية، والتحليل المالي والسلوكي.
إدراج نصوص خاصة بالتعامل مع الملكية المعقدة والأصول المختلطة، بما يشمل الشركات الوهمية أو الواجهة.
وضع قواعد واضحة لاسترداد الأصول عبر الحدود بالتنسيق مع الجهات القضائية الدولية والبنوك العالمية.
تحديد آجال زمنية إلزامية لكل مرحلة من مراحل التحقيق والفصل والاستئناف.
إنشاء سجل وطني موحد للأصول المستردة، يخضع لمراقبة مؤسسية مستقلة ويكون قاعدة بيانات رسمية لتقييم الأداء المستقبلي.
ثانيًا: تمكين اللجنة من صلاحيات تنفيذية وقضائية إضافية
أظهرت التجربة السابقة أن وجود الصلاحيات وحده لم يكن كافيًا، إذ واجهت اللجنة العديد من الطعون القضائية التي أبطأت عملية التنفيذ وأضعفت بعض القرارات، ما يتطلب منح اللجنة صلاحيات موسعة ومتوازنة تضمن التنفيذ الفعلي للقرارات القضائية دون الإخلال بالضمانات القانونية الأساسية.
تشمل هذه الصلاحيات:
تمكين اللجنة من اتخاذ قرارات تنفيذية مباشرة بشأن الحجز والمصادرة للأصول داخل وخارج السودان، مع إلزام الجهات التنفيذية بتطبيقها فورًا.
إنشاء دوائر قضائية متخصصة بقضايا تفكيك التمكين، مزودة بقضاة ومدعين عامين لديهم خبرة في القضايا الاقتصادية المعقدة وغسيل الأموال.
اعتماد نظام الأوامر المؤقتة لتجميد الأصول البنكية والعقارية لحين انتهاء التحقيقات، مع إمكانية التجديد القضائي.
تمكين اللجنة من الوصول المباشر إلى السجلات المصرفية، العقارية، والشركاتية دون تأخير إداري.
وضع آلية قانونية لتتبع الأصول الموزعة عبر عدة طبقات من الملكية، بما في ذلك الشركات الوهمية والتسجيلات الظاهرية.
كما يجب تطوير:
التحقيق المالي المتقدم الذي يربط بين البيانات المصرفية، الضريبية، والعقارية لتحديد شبكات التمكين المالي.
التعاون القضائي الدولي عبر توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات ثنائية مع الدول لاسترداد الأموال المحولة خارج السودان.
آليات التجميد والاسترداد الدولي للأصول في البنوك الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات.
ثالثًا: إنشاء وحدات متابعة وتقييم داخلي
أثبتت التجربة السابقة أن غياب نظام متابعة وتقييم داخلي واضح أدى إلى عدم وجود مؤشرات أداء دقيقة أو تقارير تحليلية شاملة، مما عرقل القدرة على قياس النجاح، تحديد نقاط الضعف، واتخاذ إجراءات تصحيحية فورية.
ويستلزم تطوير هذا الجانب:
إنشاء وحدة مركزية للرصد والتقييم تتبع مباشرة الإدارة العليا للجنة.
تأسيس وحدات فرعية في الولايات لتغطية جميع مناطق السودان، بما في ذلك الخرطوم، القضارف، الجزيرة، دارفور، دار حامد، وكردفان لضمان التغطية الشاملة.
وضع مؤشرات أداء رئيسية تشمل:
عدد القرارات التنفيذية والقضائية الصادرة شهريًا وسنويًا.
نسبة التنفيذ الفعلي للقرارات على أرض الواقع.
قيمة الأموال والأصول المستردة بالعملة المحلية والدولار الأمريكي.
متوسط زمن معالجة كل قضية من لحظة فتح الملف وحتى القرار النهائي.
إعداد تقارير دورية تحليلية (شهرية، ربع سنوية، سنوية) تعكس الأداء والإنجازات والتحديات.
إنشاء نظام إنذار مبكر لتحديد التأخيرات أو التعثرات في تنفيذ القرارات.
تطوير أدوات تحليلية للمقارنة بين الأداء في الفترات الزمنية المختلفة، وتحليل أسباب النجاح والفشل، وتقديم توصيات تصحيحية قائمة على بيانات فعلية.
رابعًا: تطوير بروتوكولات التعاون المؤسسي
كشف التطبيق العملي عن فجوات كبيرة في التنسيق بين اللجنة والجهات الأخرى مثل النيابة العامة، الشرطة، ووحدات الأمن والاستخبارات، مما أدى إلى تأخير تنفيذ القرارات، تضارب الاختصاصات، وضعف تبادل المعلومات.
ولتطوير التعاون المؤسسي، يجب:
إعداد بروتوكولات تعاون مكتوبة تحدد بوضوح اختصاص كل جهة، آليات التنسيق، وقنوات الاتصال الرسمية.
إنشاء غرف عمليات مشتركة تعمل على مدار الساعة لضمان تنسيق سريع وفعال بين جميع الجهات.
تطوير نظام إلكتروني موحد لتبادل المعلومات والملفات بين اللجنة والنيابة العامة والأجهزة الأمنية.
تعيين نقاط اتصال رسمية داخل كل مؤسسة لضمان سرعة التواصل وتنفيذ القرارات.
كما يجب تعزيز التعاون مع:
البنك المركزي السوداني لتتبع الحسابات المصرفية المرتبطة بالنظام السابق.
سجل الأراضي والعقارات لمراجعة الملكيات، تحديد التلاعب بالوثائق، وضمان إعادة تسجيل الأصول باسم الدولة.
وحدات مكافحة غسل الأموال لتحليل التدفقات المالية والكشف عن الشبكات الموازية للتمكين المالي.
خامسًا: بناء إطار حوكمة مؤسسية مستدام
أثبتت التجربة السابقة أن استدامة عمل اللجنة تعتمد على وجود حوكمة مؤسسية واضحة ومستقرة، تضمن الاستقلالية الجزئية، الشفافية، والمساءلة، وتحد من تأثير التحولات السياسية على الأداء.
ويشمل ذلك:
تحديد هيكل تنظيمي واضح يبين خطوط السلطة والمسؤولية، مع فصل مهام التحقيق عن مهام التنفيذ لتقليل تضارب المصالح.
إنشاء مجلس إشرافي يضم خبراء قانونيين، اقتصاديين، ومستقلين لضمان الرقابة على القرارات والسياسات.
اعتماد مدونة سلوك مهني شاملة للعاملين في اللجنة تحدد معايير الأداء، النزاهة، وسلوكيات التحقيق.
وضع آليات مراجعة داخلية وخارجية دورية لضمان التقييم المستمر وتحسين الإجراءات.
توثيق جميع القرارات والإجراءات بشكل رسمي ومنهجي، ليشكل أرشيفًا قانونيًا وإداريًا متكاملاً يمكن الرجوع إليه في المستقبل لبناء ذاكرة مؤسسية مستدامة تدعم استمرارية عمل اللجنة رغم أي تقلبات سياسية.
هذا الهيكل القانوني والتنظيمي المعزز، عند تنفيذه بشكل متكامل، يوفر قاعدة متينة لتحسين قدرة اللجنة على استرداد الأموال، تفكيك شبكات التمكين، وتعزيز العدالة الانتقالية في السودان، مع ضمان الحد من التأثير السياسي المباشر على عملياتها.
تطوير الأساليب التقنية والإدارية
يمثل تطوير الأساليب التقنية والإدارية للجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان خطوة أساسية لضمان استمرارية الأداء ورفع كفاءة العمل القانوني والإداري، خاصة بعد التجربة السابقة التي أظهرت تحديات كبيرة في تتبع الأصول المعقدة، ضعف التنسيق بين الجهات، وصعوبة الاستفادة من البيانات المتفرقة وغير الموثقة. وتعتمد فعالية اللجنة المستقبلية على دمج التكنولوجيا الحديثة مع أساليب الإدارة القانونية الدقيقة، ما يتيح سرعة التنفيذ، دقة التقييم، وتقليل الاعتماد على الجهود اليدوية التقليدية.
أولًا: استخدام قواعد بيانات حديثة لتتبع الأصول والأموال المستردة
شهدت التجربة السابقة ضعفًا في توثيق الأصول المستردة، حيث لم تكن هناك قاعدة بيانات مركزية تجمع المعلومات عن العقارات، الشركات، الأراضي، والممتلكات المختلفة المستردة أو الخاضعة للتحقيق، مما أدى إلى صعوبات في التقييم المالي والمتابعة القانونية.
ولتجاوز هذا النقص، يجب:
إنشاء قاعدة بيانات وطنية مركزية تشمل جميع أنواع الأصول:
العقارات السكنية والتجارية، مع تحديد الموقع، المساحة، القيمة السوقية، وتاريخ الاسترداد.
الأراضي الزراعية والاستثمارية، مع ذكر نوع النشاط الزراعي أو الصناعي، الموقع، والمساحة بدقة.
الشركات التجارية والخدمية، بما في ذلك نسبة الملكية، الشركاء، والقيمة السوقية للأسهم.
الحسابات المصرفية والأصول المالية الأخرى، مع تصنيفها محليًا ودوليًا.
ربط قاعدة البيانات مع سجلات الوزارات والمؤسسات الاقتصادية مثل وزارة المالية، البنك المركزي، الهيئة العامة للنقل النهري، لتسهيل التحقق والتحليل المالي.
إدراج إمكانية تحديث البيانات بشكل لحظي لضمان دقة المعلومات عند كل قرار قضائي أو إداري.
تطوير لوحة متابعة (Dashboard) تحليلية تعرض قيمة الأصول المستردة حسب الولاية، نوع الأصول، والفترة الزمنية لاستنتاج الأداء الكمي والنوعي.
مثال على التطبيق: في الخرطوم، تم رصد أكثر من 150 عقارًا تجاريًا ومستودعًا زراعيًا تم استردادها خلال 2020–2021، مع تسجيل كل عقار بالعنوان والمساحة والقيمة التقديرية، وهو ما ساعد اللجنة في مراقبة تنفيذ القرارات القضائية على أرض الواقع (الأناضول، 2021؛ الجزيرة نت، 2021).
ثانيًا: دمج التحليل المالي الرقمي لتحديد الشبكات المالية الموازية
أظهرت التحقيقات أن النظام السابق استخدم أساليب مالية معقدة تشمل شركات واجهة، تحويلات خارجية، واستثمارات في مشاريع متعددة الجنسيات، مما استدعى تطوير أدوات تحليل مالي رقمي لتتبع هذه الشبكات.
وتشمل الخطوات المطلوبة:
استخدام برمجيات التحليل المالي الرقمي لربط البيانات المصرفية، العقارية، والاستثمارية، لتحديد العلاقات بين الأفراد والشركات.
تطوير خوارزميات رصد غير اعتيادية للكشف عن الأنشطة المالية المشبوهة، بما يشمل تحويل الأموال عبر الحدود، والشركات ذات الملكية المزدوجة.
إنشاء وحدة تحليل الشبكات المالية الموازية لفحص العمليات المالية المعقدة، بما في ذلك التعامل مع العملات الأجنبية والمشتقات المالية.
توثيق العلاقات المالية بين الأفراد والشركات والأصول لتقديمها كأدلة محكمة يمكن استخدامها في الإجراءات القضائية.
مثال عملي: خلال 2020–2021، رصدت اللجنة تحويلات مالية لشركات وهمية مرتبطة بعناصر النظام السابق إلى دبي، القاهرة، وأبوظبي، وتمكن فريق التحليل المالي من تحديد مسار هذه الأموال وتجميد بعض الحسابات بناءً على الأدلة الرقمية المجمعة (الشرق للأخبار، 2020).
ثالثًا: توثيق الإجراءات الإدارية بشكل رسمي
التجربة السابقة أظهرت أن غياب التوثيق الرسمي والإجراءات الإدارية الموحّدة أدى إلى تباين في القرارات، صعوبة مراجعتها، وعدم إمكانية التعلم من التجارب السابقة.
ولتلافي ذلك يجب:
إعداد دليل إجرائي رسمي يوضح كل خطوات فتح الملفات، التحقيق، استرداد الأصول، وإحالتها للنيابة العامة.
توثيق كل قرار إداري وقضائي مع تاريخ الإصدار، الموقع الجغرافي، المسؤول التنفيذي، والأدلة المستخدمة.
إنشاء أرشيف مركزي رقمي يتيح البحث السريع واسترجاع الوثائق، وربطها مع قاعدة بيانات الأصول.
إصدار تقارير سنوية شاملة عن الأداء الإداري والتقني، تشمل عدد الملفات المفتوحة، القضايا المنجزة، الأموال المستردة، والتحديات التنفيذية.
رابعًا: تدريب الكوادر على التكنولوجيا القانونية والتحليل الإداري الحديث
أظهر تطبيق اللجنة أن الكوادر الحالية بحاجة لتطوير مهارات تقنية وقانونية متقدمة لتوظيف الأساليب الرقمية والإدارية الحديثة.
الخطوات المطلوبة تشمل:
برامج تدريبية مكثفة للموظفين حول استخدام برمجيات إدارة القضايا، قواعد البيانات، وأدوات التحليل المالي الرقمي.
تطوير مهارات التحليل الإداري الحديث لفهم عمليات الاسترداد المعقدة، وتقييم الأداء القانوني والمؤسسي.
تدريب على الأدلة الرقمية والقانونية، لضمان قدرة الموظفين على تقديم ملفات متماسكة في المحاكم.
عقد ورش عمل مشتركة مع خبراء دوليين في مكافحة الفساد، التحليل المالي، وإدارة العدالة الانتقالية، بهدف تبادل الخبرات والمعايير العالمية.
إعداد شهادات اعتماد ومتابعة دورية لضمان جودة التدريب واستدامة مستوى الأداء الفني والمهني.
مثال عملي: تدريب فريق اللجنة على استخدام برنامج التحليل المالي الرقمي أدى إلى كشف شبكة تحويلات مالية معقدة مرتبطة بعشرات الشركات الوهمية في السودان والخارج خلال عام 2021، وهو ما مكّن اللجنة من تقديم ملف كامل للنيابة العامة مع الأدلة الرقمية المنظمة (الجزيرة نت، 2021).
هذا التطوير التقني والإداري المتكامل يتيح للجنة استدامة الأداء، تعزيز القدرة على تتبع الأصول المعقدة، تنفيذ القرارات القضائية بكفاءة، ورفع مستوى الشفافية والمساءلة، ما يمثل خطوة أساسية نحو نجاح العدالة الانتقالية ومكافحة التمكين في السودان.
تعزيز التواصل المجتمعي والشفافية
يمثل تعزيز التواصل المجتمعي والشفافية أحد الركائز الأساسية لضمان استدامة عمل لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان، حيث أظهرت التجربة السابقة أن غياب الشفافية والمشاركة المجتمعية حدّ من فعالية الإجراءات القانونية والإدارية، وساهم في تشكيك بعض الفئات الشعبية والسياسية في نزاهة عمل اللجنة (الأناضول، 2021؛ الجزيرة نت، 2021).
أولًا: إنشاء قنوات تواصل رسمية مع المجتمع المدني ووسائل الإعلام
تطوير منصة إعلامية رسمية للجنة تضم موقعًا إلكترونيًا رسميًا وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، لنشر أخبار اللجنة، القرارات، والإعلانات القانونية.
إنشاء لجنة تواصل داخلي تكون مسؤولة عن التنسيق مع منظمات المجتمع المدني، النقابات، جمعيات الحقوق، والأحزاب السياسية لمتابعة تنفيذ القرارات والتقارير الدورية.
تنظيم مؤتمرات صحفية دورية في الخرطوم وأم درمان وبحري، لتوضيح نتائج اللجنة، الرد على الاستفسارات، وشرح الإجراءات القانونية المعقدة للمواطنين.
التعاون مع وسائل الإعلام الوطنية والدولية لنشر معلومات موثوقة وتقارير دقيقة حول استرداد الأموال، فضلاً عن توفير شروح مبسطة حول الملفات القانونية للقضايا الجنائية والإدارية (الشرق للأخبار، 2020).
مثال عملي: اللجنة عقدت 12 مؤتمرًا صحفيًا خلال 2020–2021 في الخرطوم وولايات أخرى، تم خلالها الإعلان عن استرداد أصول عقارية وتجارية بقيمة تقديرية تقارب مليار دولار، مع تقديم بيانات تفصيلية عن المواقع والمساحات والقيمة التقديرية لكل أصل (الأناضول، 2021).
ثانيًا: نشر تقارير دورية وبيانات شفافة حول نتائج اللجنة وأنشطتها
إصدار تقارير نصف سنوية وسنوية تشمل:
عدد القضايا المفتوحة والمنجزة.
نوع وحجم الأصول المستردة (عقارات، أراضٍ، شركات، حسابات مالية).
الإجراءات الجنائية المتخذة وعدد الملفات المحالة للنيابة.
التحديات القانونية والسياسية التي واجهت اللجنة وأثرها على الأداء.
تطوير نموذج موحد للبيانات يتيح للمواطنين والباحثين الوصول إلى المعلومات بدون الحاجة إلى وساطة، ما يعزز الشفافية والمساءلة.
توفير تقارير مصورة وبيانات مرئية (Infographics) توضح مسار استرداد الأموال وتفكيك الشبكات المالية المرتبطة بالنظام السابق (الجزيرة نت، 2021).
ثالثًا: إشراك المجتمع المدني في متابعة تنفيذ القوانين وإبداء الرأي في القرارات التنظيمية
إنشاء مجلس استشاري مدني يضم ممثلين عن منظمات حقوق الإنسان، النقابات، الأكاديميين، ومؤسسات المجتمع المدني لتقديم ملاحظات على القرارات التنظيمية.
عقد ورش عمل منتظمة لمراجعة تنفيذ القرارات القانونية والإدارية، مع جمع مقترحات عملية لتطوير الأداء وتحسين الالتزام بالقوانين.
تشجيع مشاركة المواطنين في تقديم معلومات حول المخالفات المالية أو التمكين السابق، مع ضمان الحماية القانونية للمبلغين (الأناضول، 2021).
تطوير آليات تفاعل رقمي مثل منصات تلقي الشكاوى والاقتراحات عبر الإنترنت والهاتف، لزيادة التواصل الفعّال بين اللجنة والجمهور.
مثال عملي: خلال عام 2021، ساهم مجلس استشاري مدني بمتابعة 45 قضية استرداد أصول ومراجعة الإجراءات الإدارية المتعلقة بها، ما أسهم في تحسين دقة البيانات وتحقيق متابعة مجتمعية حقيقية (الجزيرة نت، 2021).
رابعًا: تطوير برامج توعية عامة حول العدالة الانتقالية وأهمية مكافحة الفساد لضمان الدعم الشعبي
تنفيذ حملات توعية عامة في المدارس، الجامعات، والمراكز المجتمعية لشرح مفاهيم العدالة الانتقالية وأهمية مكافحة الفساد المالي والإداري.
إعداد مواد تعليمية ومرئية تشرح دور اللجنة، الإجراءات القانونية، وأثر استرداد الأموال على المجتمع والاقتصاد الوطني.
تنظيم ندوات وحلقات نقاش عامة بمشاركة خبراء محليين ودوليين لتوضيح التحديات والإنجازات، مع تشجيع الحوار المفتوح مع المواطنين.
تطوير برامج إذاعية وتلفزيونية أسبوعية لتقديم تقارير مباشرة عن عمل اللجنة، استعراض الأصول المستردة، والرد على أسئلة الجمهور (الشرق للأخبار، 2020).
مثال عملي: خلال الفترة 2020–2021، أطلقت اللجنة أكثر من 25 حملة توعية في مختلف ولايات السودان، مع مشاركة أكثر من 10,000 شخص من طلبة الجامعات والمواطنين، مما ساهم في رفع مستوى الوعي العام بأهمية استرداد الأموال العامة ومحاربة التمكين السياسي والاقتصادي (الأناضول، 2021).
يهدف هذا الفصل إلى ضمان إشراك المجتمع كضابط رقابي ومؤيد للشفافية، مما يعزز ثقة الجمهور في اللجنة، ويضمن التزام المؤسسات القانونية والإدارية بمبادئ العدالة الانتقالية، ويعزز نجاح مكافحة الفساد في السودان على المدى الطويل.
تعزيز وتطوير عمل اللجنة مستقبلاً في إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة من القوات النظامية والحركات المسلحة
أولًا: تحديث الإطار القانوني والتنظيمي لتوسيع اختصاص اللجنة
يشترط تطوير عمل لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان توسيع الإطار القانوني ليشمل القوات المسلحة، قوات الدعم السريع، جهاز الأمن والمخابرات العامة، الشرطة، الحركات المسلحة والمليشيات الأخرى، من أجل مساءلة كل الجهات التي مارست تمكينًا سياسيًا أو اقتصاديًا، أو استولت على موارد عامة بصورة غير قانونية، وذلك وفق معايير دستورية وقانونية تضمن احترام الحقوق الأساسية للمشتبه فيهم (الأناضول، 2019؛ الجزيرة نت، 2021).
وضمن ذلك:
- تعديل قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين لسنة 2019 ليشمل صراحة المؤسسات العسكرية والأمنية، ويحدد نطاق التحقيقات، والاسترداد، والمساءلة.
- إدراج آليات واضحة للمساءلة الجنائية والمحاسبة المالية تشمل قادة وضباط القوات المسلحة وقوات الدعم السريع الذين ثبت ارتباطهم بتمكين اقتصادي أو فساد.
- وضع نصوص قانونية تلزم الأجهزة الأمنية بتقديم مرافقها المالية والعقارية إلى لجان الفحص والتدقيق عند الطلب، وإلا تُعد بياناتها خاضعة للتقدير القانوني في المحاكم.
- تنظيم آليات قابلة للتشغيل المتبادل بين القوانين العسكرية والمدنية لضمان قدرة اللجنة على متابعة القضايا التي تشمل عناصر من الجيش أو الأجهزة الأمنية دون تعارض في الاختصاصات.
مثل هذه التعديلات يشترط أن تكون متوافقة مع مبادئ العدالة العالمية واحترام الحقوق الأساسية المتعارف عليها، ما يؤسس لبيئة قانونية متينة لملاحقة التمكين الممنهج داخل الأجهزة النظامية (الأناضول، 2021).
ثانيًا: تطوير آليات المراقبة والاسترداد المالي المتخصصة
يتطلب تضمين القوات النظامية للأجهزة محل الاستهداف وجود أنظمة متقدمة لتتبع الأصول والأموال الخاصة بها، إذ إن أصول هذه الأجهزة في كثير من الأحيان تكون مدمجة داخل بنى مالية معقدة مرتبطة بشبكات مالية موازية أو شركات واجهة.
من آليات التطوير:
- إنشاء قاعدة بيانات مالية متخصصة تتضمن السجلات البنكية، حسابات التمويل، ممتلكات العقارات، شركات الاستثمار، التابعة للجيش وقوات الدعم السريع وأجهزة الأمن، بحيث يتم تحديثها دوريًا وتكون متاحة للوحدات القانونية المختصة ضمن اللجنة.
- استخدام تقنيات التحليل المالي الرقمي المتقدم لتحديد شبكات التمويل الموازية وتدفقات الأموال غير المشروعة عبر الحدود، وربطها بقضايا التمكين والفساد داخل المؤسسات النظامية، بما في ذلك انتقال الأموال عبر وسطاء داخل السودان وخارجها.
- تطوير أدوات تحليل ذكية مثل نظم تتبع المعاملات المالية التي تستطيع التعرف على أنماط غير اعتيادية في حركة الأموال، وتحديد الصلات بين الجهات العسكرية والأفراد الاقتصاديين المقربين منهم.
توضح تجارب تقييم النزاعات المسلحة أن التعامل مع الأموال المرتبطة بالقوات المقاتلة يتطلب أساليب متقدمة لتحليل التدفقات المالية الموازية، لا سيما عندما تكون الموارد موزعة بين جهات متعددة أو مخفية عبر شركات وسطاء (الشرق للأخبار، 2020؛ Human Rights Watch، 2021).
ثالثًا: تطوير بروتوكولات التنسيق مع السلطات المدنية والعسكرية
لضمان تنفيذ أي قرار قضائي أو إداري صادر من اللجنة بحق القوات النظامية والأجهزة الأمنية، من الضروري صياغة آليات تنسيق رسمي بين اللجنة وجميع الأجهزة العسكرية والأمنية، بما يشمل القوات المسلحة، قوات الدعم السريع، جهاز المخابرات العامة، والشرطة.
وتشمل آليات التنسيق:
- اتفاقيات رسمية مؤطرة بالأطر القانونية تحدد واجبات ومسؤوليات كل جهة في تسليم المعلومات، تنفيذ القرارات، وحماية الشهود والبيانات.
- إنشاء لجان مشتركة تضم ممثلين من اللجنة والنيابة العامة وأجهزة الأمن المختصة لتنسيق الجهود في التحقيقات، جمع الأدلة، وتحريك القضايا أمام المحاكم المختصة.
- تحديد مناطق وآليات تسليم الأصول المستردة من الأجهزة النظامية بعد إحراز القرارات القضائية اللازمة، بحيث يتم توثيق النقل القانوني للأموال والممتلكات بما يحفظ حق الدولة ويمنع التلاعب.
- تطوير قنوات اتصال تقنية آمنة لتبادل الملفات الرقمية بين اللجنة والجهات العسكرية والأمنية بدون تأخير أو تدخل غير قانوني من الجهات الأخرى.
وقد ظهرت أهمية مثل هذه الأطر بعد انسحاب الجيش والشرطة وقوات الدعم السريع من حماية مواقع اللجنة وأصولها المستردة في 26 سبتمبر 2021، مما كشف عن ضعف التنسيق المؤسسي وتأثير الانسحاب على استقرار اللجنة وأمن أصولها المستردة (الشرق للأخبار، 2021؛ Dabanga، 2021).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم