عبد الله علي إبراهيم
22 فبراير 2022
(لا أعرف لجنة ثورية قامت لمحاكمة نظام أخته أخذاً وبيلاً في سماحة لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989 من حيث التقعيد القانوني. وذلك من وجهين. فهي مفهوماً وقانوناً في حذا مع ما اتفق للعالم حول حرمة المال، أما أداء فهي هجين جمعت بين التفكيك بالإجراء والتنزل عند الاستئناف حتى يبلغ سدة القضائية. وهذه رحابة لم تجد أذناً من قانوني الثورة الذين كانوا أول من غادر مركبة اللجنة يؤاخذونها على استدبارها القضاء الذي أذاعوا وجوه فساده لثلاثين عاماً ثم صار إليه المرتجع. الله يخيبكم).
ليس الحرج الذي تجده لجنة تفكيك نظام الإنقاذ من خصومها، ومن تبعهم بغير إحسان من الثوريين، من علة في دستوريتها واختصاصها كما تحدثنا أمس. خطيئة اللجنة، التي هي ذوابة ثورة ٢٠١٨، الكبرى في أن المهنة القانونية عندنا، ككل المهن، محض ممارسة خلت من النظر “الفلسفي” في أدائها العدلي بما في ذلك مقارنته بنظائره في العالم. فحدود هذه المهنة السعي بين مستويات محاكمها التي جعلنا أحكامها نصوصاً مقدسة لا تعليق عليها. كما خلت من الأفق الذي يتجاوز فقه قوانين الإجراءات والإيجارات والأحوال الشخصية. فلم يجد الثوريون في جرابهم القانوني ما يحمون به لجنة التفكيك من ويلات الثورة المضادة. ولما اشتد نكير الفلول عليهم بأنه لا أحكام على المال إلا أمام قضاء حار دليل الثوريين ولووا ذيلهم وعادوا إلى الجحر الآمن القديم: القضاء وبس.
ولا أعرف معارضة كان فساد النظام الحاكم مبلغ علمها مثل معارضة الإنقاذ. وفسقت مرات تكذب عن وقائعه. وكانت حجتها على فساد النظام هو معيار الأمم الأكثر فساداً. وتنتظره كهلال العيد. وكان يسعدها أن يكون السودان في ذيلها أو قبل ذلك قليلاً. ومع ذلك لم يفتح الله عليها أن تحيط بالنظرات السياسية والقانونية المتواترة عن تعاظم الفساد في العالم خلال العقود الأخيرة حتى قالت الأمم المتحدة عنه في قانونها لمحاربته الذي سيأتي أنه “وباء غادر”. اكتفت المعارضة بالخبر من فشو الفساد في بلدنا والإثارة تستنكف تعميق معرفتها بديناميكيته وطرائق العالم في محاربته.
فيكاد قانون الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام ٢٠٠٣ أن يكون مجهولاً في دوائرنا القانونية. لا يطرأ له ذكر. فلو كان كتاباً مفتوحاً بيننا لما تغايظوا أخيراً حول ما صح للجنة تفكيك التمكين عمله: هل هو حجز ومصادرات موجودات رموز الإنقاذ في الداخل، أم استرداد منهوبهم في الخارج؟ فدعا عبد الرحمن الأمين في مقاله له أن نستنهض خبراء في المهنة القانونية والحوكمة لاسترداد الأموال المنهوبة بالخارج كأسبقية فوق اسبقية ملاحقة أموال الداخل. وبالطبع شغل الداخل لا يقتصر على استرداد أموال الباطل، بل يذهب إلى هدم بنيات دولة الإنقاذ كما رأينا في صلاحيات لجنة إزالة التمكين.وهذه قسمة ضيزى. ويريد بها أهلها التعجيز ربما مع أن بوسع اللجنة، بل واجبها، القيام بالأمرين معاً.
ولا أعرف أن كان في اللجنة، أو بين مغاييظيها، من طرق عن معرفة باب رد منهوبات الإنقاذيين في الخارج التي قدر عبد الرحمن الأمين أنها حوالي ١٦٥ مليار دولار. واستردادها ميسور لو علمنا أنه مما قننه قانون الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (٢٠٠٣) في مواده ٥٣ و٥٤ و٥٥ فخولت لبلد مثلنا رفع قضايا عن أكلة السحت من حكامه أمام محاكم البلد الذي أودعوا فيه المال المنهوب. وتُلزم هذه المواد الدولة “المضيفة” لهذا المال مصادرة هذا المال وفق قانونها والاعتراف بحق الدولة المدعية الشرعي فيه.
وبلغ من حس بريطانيا بوغادة الفساد، الذي جعل لندن قبلة استيداع حصائله تاريخياً، أن أصدرت قانوناً بأوامر بيان الثروة مجهولة المنشأ (United Kingdom Unexplained Wealth Orders) التي تلزم صاحب مثل هذا المال المباغت أن يقدم البينة على أنه من كسب حلال. ولم يغب عن المشرع البريطاني أنه أمر جعل للحكومة سلطاناً غير مسبوق (Unprecedented powers) ولكنها مكرهة لا بطلة.
فالفساد طغى وعم البلاد حتى قالت سمانثا بور، البروفسير بجامعة هارفارد ومندوبة أمريكا في الأمم المتحدة على عهد الرئيس أوباما، في مقال لها في “الفورين بولسي” إن حرب الفساد واحدة من أركان استراتيجية استرداد أمريكا لقيادتها للعالم في عهد الرئيس بايدن. ونوهت بكلمته التي قال فيها إن مكافحة الفساد في لب أمن مصالح أمريكا. وفي الحقيقة فالفساد صار عولمياً في مقام تحدي تصحر المناخ. فيشكل بحاله اقتصاداً عالمياً موازياً. فمثلاً تدفع الشركات والأفراد عالمياً رشوات جملتها ترليون دولار لمسح شنب موظفين حكوميين لقضاء وطرها. وجرى تقدير حجم هذا الاقتصاد بأربعة ترليون دولار في ٢٠١٩، ويشكل خمسة في المائة من الناتج العالمي الإجمالي.
ودعا عبد الرحمن الأمين في مقاله المشار إليه أن نستنهض خبراء في المهنة القانونية والحوكمة لاسترداد الأموال المنهوبة بالخارج كأسبقية فوق اسبقية ملاحقة أموال الداخل. وبالطبع شغل الداخل لا يقتصر على استرداد أموال الباطل، بل يذهب إلى هدم بنيات دولة الإنقاذ كما رأينا في صلاحيات لجنة إزالة التمكين أمس.
ويجد القارئ الراغب في معرفة قانون الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بعض فقراته المتصلة باسترداد الأموال المنهوبة لبلادها وأصحابها أدناه:
https://www.almeezan.qa/AgreementsPage.aspx?id=1187&language=ar
ibrahima@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم