لسانان في قلب واحد: “أغني بلسان وأصلي بلسان”

صلاح الدين أبوسارة
كاتب وباحث مهتم بقضايا اللغة والهوية والثقافة

مدخل: العنوان بوصفه مفتاحًا للهوية
“أنا منكم عائدٌ يُغنّي بلسانٍ ويُصلّي بلسان”؛
عبارة محمد عبد الحي في ديوانه (العودة إلى سنّار)، هي أقرب إلى مرآةٍ تكشف انقسامًا داخليًا لا يكاد يبرح وجداننا. نحن نحيا ونحلم ونغنّي بلسانٍ، ثم نكتب ونُصلّي ونتعلّم بلسانٍ آخر؛ ازدواجٌ يتجاوز سطح اللغة ليغوص في عمق الهوية، حتى استقرّ في وعينا الفردي والجمعي كأنّه طبيعي، وهو لا يكفّ عن استدعاء الأسئلة كلما هممنا بالتعبير أو الإبداع.
في السودان، حيث تتجاور روافد العروبة والإفريقية، وتلتقي المدينة بالريف، وتتناثر اللهجات والثقافات على امتداد الجغرافيا، يزداد هذا الازدواج كثافةً وخصوبة. فبين لغة المدرسة والإعلام، ولغة الشارع والأغنية، يمارس السوداني يوميًا حياةً بلُسُنين، دون أن ينفكّ يبحث سرًا عن لسانٍ ثالث، لسانٍ يلمّ شتاته ويمنحه مفتاحًا للهوية.
جذر الإشكالية: ازدواجية لا فكاك منها
عرّف عالم اللسانيات تشارلز فيرغسون ظاهرة «الازدواجية اللغوية» (Diglossia) بأنها وجود مستويين من اللغة في المجتمع الواحد يؤدي كلٌّ منهما وظيفة مختلفة: «عالية» للمجالات الرسمية والأدبية والدينية والتعليمية، و«دُنيا» للتواصل اليومي والشعبي، ولكل منهما مكان ومقام وقواعد استعمال. هذا التعريف الكلاسيكي صيغ أول مرة عام 1959 وصار مرجعًا لفهم الحالة العربية عمومًا والسودانية خصوصًا.
لكن ما يبدو «تصنيفًا علميًا» في الكتب، يتحول في الحياة اليومية إلى توتّر ملموس: الطالب الذي يتعلم قواعده وكتابته بالفصحى، ثم يعود إلى البيت والسوق والشارع فيتحدث بلهجة لا يكتب بها؛ الكاتب الذي يودّ الإمساك بنبض العامية السودانية على الصفحة، فإذا بلسانه ينزلق ـ بلا وعي ـ نحو فصحى المدرسة والإعلام؛ الإعلامي الذي يقرأ الخبر بالفصحى ويضحك مع ضيوفه بالعامية. هذا التناوب ليس مجرّد «ازدواج أداة»، بل ازدواج حساسية: لكل لسانٍ موسيقاه وصوره وطرائق مزاحه ودرجته في القرب والحميمية.
لغة المدرسة ولغة الوجدان
في السودان، للفصحى مقامها ولسلطتها حضورها؛ فهي لسان المدرسة والإعلام، ميزان «سلامة التعبير» ومعيار البلاغة الذي ترعاه المؤسسات وتباركه المنابر الرسمية. لغة تُشيّد بنيانها على الانضباط القاعدي، وتدعو الكاتب أن يزن عباراته بميزان الذهب.
لكن إلى جوارها، تنبض العامية بفتنتها الخاصة؛ لغة الوجدان والحميمية، لغة الأغنية والمثل الشعبي والحكاية اليومية، حيث تنطلق الكلمات بلا قيود، حاملة رائحة الأسواق وإيقاع الشارع ودفء المجالس. هي اللسان الذي لا يتجمّل، بل يفيض تلقائية وصدقًا.
وما بين «لغة المدرسة» و«لغة الوجدان» لا يقوم صراع، بل يتشكل نهرٌ واحد يتغذى من منبعين. فالفصحى تمنح الصياغة قوةً وامتدادًا في الزمن، والعامية تمنح التعبير دفئه وقربه من الروح. وحين تسللت العامية إلى الشعر والمسرح والأغنية، على أيدي رواد كـمحجوب شريف، لم تفعل ذلك من موقع التحدي، بل من موقع الثراء؛ إذ أعادت اكتشاف نفسها كأداة مقاومة وجمال، وكجسر يربط المكتوب بالمنطوق، والرسمي باليومي.
هكذا يظل المشهد اللغوي السوداني فضاءً رحبًا لتعدد الأصوات، حيث لا تتنافى الفصحى والعامية، بل تتجاوران كضفتين لجدول واحد، يغرف من تنوع أهل السودان وتعدد ثقافاتهم، ليبقى النهر متجددًا ومتدفقًا بالحياة.
بين الصفحة والفم، بين الغابة والصحراء
حين نكتب بالعامية السودانية نكتشف أن الصفحة لا تُشبه الفم. فالعامية لسان حيّ، يتلوّن بنبرات الصوت وإشارات الجسد، بينما الكتابة تطلب انتظامًا إملائيًا وصرامةً شكلية. لذلك كثيرًا ما يُضطر الكاتب، عن وعي أو دونه، إلى «تهذيب» الجملة لتقترب من معيار الفصحى. هذا التهذيب يمنح النص قدرة على الانتشار بين الأقاليم، لكنه ينتزع منه بعض نكهته الأصيلة، تلك النكهة التي لا تُستعاد إلا في التلاوة الحيّة أو في دفء المجالس.
لقد تنبّهت دراسات عربية حديثة إلى أن هذه الفجوة ليست مسألة جمالية فحسب، بل تمتد إلى التعليم ذاته: فالطفل يقرأ بلسانٍ غير الذي يتحدث به، فيتعثر بين نظامين لا يلتقيان على الورق. وهكذا يتعمّق الانقسام بين المنطوق والمكتوب، وتترسخ الازدواجية في بنية الوعي منذ سنوات التعلّم الأولى.
لكن الغناء يفتح بابًا آخر؛ فهو الحقل الأرحب للعامية، والمساحة التي يتكلم فيها القلب بلا وسطاء. من دوبيت البادية إلى حقيبة الطرب وأغنيات الحداثة، ظلّت الأغنية السودانية وعاءً لحرارة التفاصيل وملح الحياة اليومية: رائحة الطمي، دفء الشمس على الجباه، همسات المزاح، وحرير الشوق. هنا لا تُترجم المفردة دون أن تفقد شيئًا من إيقاعها وصورتها. لذلك تحررت العامية في الغناء من عقدة الهامش، وصارت لغة شعرية تُحفظ وتُنشد في الساحات، دون إذن من الأكاديميات ولا وصاية من معيارية الكتابة. وما محجوب شريف إلا مثال على شاعر حمل العامية إلى مقام الجمال والمقاومة، فجعلها لغة للكرامة والتحرر، وأعاد بها تشكيل صورة المدينة السودانية.
على هذا المفترق كتب محمد عبد الحي عبارته الشهيرة: «أغنّي بلسان وأصلّي بلسان». كانت العبارة تعبيرًا عن مشروع «الغابة والصحراء» الذي سعى لمصالحة عناصر الهوية السودانية: العربي والإفريقي، الفصيح والعامي، المركز والهامش. لم يكن الحل في إنكار التوتر، بل في تحويله إلى طاقة جمالية، وإلى استعارة لسنّار بوصفها فضاءً للتآلف الممكن.
واليوم، ما زال السؤال مفتوحًا: هل نكتب كما نتحدث، أم نُبقي لكل مقامٍ لسانه؟ لعل الجواب لا يكمن في الحسم بين خيارين، بل في الاحتفاء بالازدواج نفسه؛ في رؤية الفصحى والعامية لا كخصمين متنازعين، بل كضفتين لجدول واحد. ضفتان تتدفقان معًا في نهر السودان المتجدد، حيث تنبع اللغة من تنوع الثقافات والألسن، وتعود لتسقي الذاكرة والخيال وتثري الوجدان.
خاتمة: اللسانان كجناحين
ليس المطلوب أن نذيب الفصحى في العامية، ولا أن نُقصي العامية لصالح الفصحى، بل أن نصغي إلى الموسيقى التي تنشأ حين يتجاوران. فاللسانان في السودان ليسا خصمين، بل جناحين يفتحان فضاء التعبير: أحدهما يمنح الصياغة امتدادًا ورسوخًا، والآخر يهبها دفئًا وقربًا من نبض الحياة.
وهنا يتحقق ما عبّر عنه محمد عبد الحي في العودة إلى سنّار؛ مشهد لغوي يتيح للإنسان أن يغني ويصلي بلسانين متجاورين، لا لتلغي إحداهما الأخرى، بل لتضيء كل واحدة بما ينقص الأخرى. سرّ الهوية السودانية ليس في حسم هذه الازدواجية، بل في الاعتراف بها كمنبع للخصوبة، كجدول يتغذى من ضفتين، فتسقى الذاكرة والخيال وتثري الوجدان.
المراجع والإشارات
• محمد عبد الحي، العودة إلى سنّار
(اقتباسات متداولة ونصوص منشورة وتحليلات صحفية تثبت صيغة «يغنّي بلسان ويصلّي بلسان»؛ وهي العبارة التي أصبحت مفتاحًا لفهم ازدواج الهوية اللغوية في السودان.
• Charles A. Ferguson
“Diglossia”، WORD 15 (1959): 325–340.
(النص المؤسس لمفهوم الازدواجية اللغوية، الذي فرّق بين اللغة “العالية” H واللغة “الدنيا” L في المجتمعات، وأصبح إطارًا نظريًا لفهم ثنائية الفصحى/العامية).
• Eljack Abdelhay, Abdel Rahim Mugaddam & Sinfree Makoni (2016)
“Arabicisation and the Khartoum Arabic Language Academy”، في: The Politics of Language Contact in the Sudan، Palgrave Macmillan.
(دراسة عن التصورات المؤسسية لصورة العربية في السودان، ودور مجامع اللغة في تكريس الفصحى بوصفها معيارًا).
• دراسات حديثة في تعليم العربية
أبحاث في قرائية العربية تشير إلى أثر الديغلوصية على القراءة والاستيعاب في المراحل المبكرة، مثل:
o Ayari, S. (1996). Diglossia and illiteracy in the Arab world. Language, Culture and Curriculum.
o Saiegh-Haddad, E. (2003). Linguistic distance and initial reading acquisition: The case of Arabic diglossia. Applied Psycholinguistics.
• مجدي الجزولي، Mahjoub Sharif: a Secular Prophet، مقالات وتأبينات.
(تناول أثر محجوب شريف في ترسيخ العامية السودانية كلغة شعر ومقاومة، وتحويلها إلى خطاب جمالي حيّ يتجاوز الفصحى/العامية بوصفها ثنائية مغلقة).
• دراسات سودانية حول الديغلوصية
o Abdel Rahim Hamid Mugaddam (2006). Language Maintenance and Shift in Sudan: The Case of Arabic and Minority Languages.
o Elhaj, Musa (2015). Arabic Diglossia in Sudan: Sociolinguistic Perspectives.

salahabusarah@gmail.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

من السويدي إلى العالم: ملاحظات على موسيقى العولمة

كنتُ هناك، جوار حديقة السويدي العامة في الرياض السعودية، ليلة السبت الماضي. لم يكن الأمر …